المقالاتالتغير المناخيرئيسيةمقالات التغير المناخي

النفايات البلاستيكية في تركيا بين تحديات إعادة التدوير والتداعيات المناخية؟ (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • • إجمالي النفايات الواردة من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يصل إلى قرابة 650 ألف طن
  • • تركيا قد تستقبل المزيد من النفايات مع تزايد القيود المفروضة على وجهات أخرى
  • • دراسات وتحقيقات أثارت مخاوف بشأن طريقة التعامل مع النفايات في بعض مناطق تركيا
  • • الدول الأوروبية تنقل جزءًا من التكاليف البيئية المترتبة على استهلاكها إلى تركيا

يواجه قطاع النفايات البلاستيكية في تركيا تحديات إعادة التدوير، وينطوي ذلك على تداعيات مناخية كبيرة وسط ازدياد كميات واردات البلاد من هذه النفايات.

وتُعدّ تركيا الوجهة الرئيسة لصادرات النفايات البلاستيكية الواردة من أوروبا، ومن المقرر أن تستضيف قمة المناخ كوب 31 (COP31) في عام 2026.

وفي العام الماضي، أرسل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ما يقرب من 650 ألف طن متري من النفايات البلاستيكية إلى تركيا، وهي كمية تفوق ما أُرسِلَ إلى أيّ دولة أخرى.

ورغم أن هذه التجارة تمدّ قطاع البلاستيك التركي بالموارد وتدعم توفير فرص العمل، فإن التقارير التي تتحدث عن التلوث تثير تساؤلات حول حجم النفايات التي يُعاد تدويرها فعليًا، وستصبح هذه التساؤلات أكثر إلحاحًا مع استعداد تركيا لاستضافة قمة المناخ.

أسباب نمو هذه التجارة

أصبحت تركيا وجهة رئيسة بعد أن فرضت الصين قيودًا على استيراد النفايات البلاستيكية في عام 2018. ونظرًا لمحدودية قدرات إعادة التدوير داخل الدول الأوروبية، كان تصدير النفايات خيارًا أقل تكلفة من معالجتها محليًا.

في هذا الإطار، وفرت تركيا -بصفتها عضوًا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وتمتلك قطاعًا راسخًا للصناعات البلاستيكية- سوقًا بديلة للمصدرين.

ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة "غرينبيس" (Greenpeace) في تركيا، فقد أرسلت دول الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 503 آلاف طن من النفايات البلاستيكية إلى تركيا، بزيادة قدرها 19% على العام السابق، في حين تشير أرقام المفوضية الأوروبية إلى أن الإجمالي بلغ نحو 510 آلاف طن.

أحد مكبّات النفايات البلاستيكية في تركيا
أحد مكبّات النفايات البلاستيكية في تركيا – الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية

وعند إضافة نحو 140 ألف طن أرسلتها المملكة المتحدة، يصل إجمالي النفايات الواردة من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إلى قرابة 650 ألف طن.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية، تستقبل مقاطعة أضنة وحدها نحو 60% من واردات تركيا من النفايات البلاستيكية.

وتجدر الإشارة إلى أن اللائحة المعدلة للاتحاد الأوروبي بشأن شحنات النفايات ستحظر تصدير معظم أنواع النفايات البلاستيكية إلى الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بدءًا من أواخر عام 2026.

ونظرًا لأن تركيا عضوة في هذه المنظمة، فهي لا تندرج تحت هذا الحظر، ما يعني أنها قد تستقبل المزيد من النفايات مع تزايد القيود المفروضة على وجهات أخرى.

وعلى الرغم من أن المصدرين يزعمون أن هذه الشحنات توفر موادًا لازمة لعمليات إعادة التدوير، يشير ممثلو القطاع والمسؤولون في تركيا إلى الفوائد الاقتصادية المتمثلة في توفير فرص العمل والمواد الخام.

مخاوف بيئية

أثارت دراسات وتحقيقات مخاوف بشأن طريقة التعامل مع النفايات في بعض مناطق تركيا.

وكشف بحث نُشِر في دورية "الرصد والتقييم البيئي" (Environmental Monitoring and Assessment) أن مستويات الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في قنوات الري -الواقعة بعد مرافق إعادة التدوير في مدينة أضنة- كانت أعلى بنحو 132 ضعفًا مقارنة بمستوياتها في المناطق التي تسبق تلك المرافق.

ويشير أحد التحليلات إلى أن المجاري المائية الملوثة قد تنقل أكثر من 5.3 مليار جسيم بلاستيكي دقيق في الساعة الواحدة.

ويفيد مزارعون بوجود بقايا بلاستيكية وتصاعد دخان ناتج عن عمليات الحرق المكشوف، معربين عن قلقهم إزاء التأثيرات المحتملة في المحاصيل والصحة العامة.

في المدة ما بين مايو/أيار 2021 ويوليو/تموز 2024، شحنت 13 شركة 52 ألف طن من النفايات البلاستيكية المنزلية وتلك الناتجة عن المتاجر الكبرى في المملكة المتحدة إلى منطقة "كمال دنيز" لإعادة التدوير، التي تقع بالقرب من أراضٍ زراعية.

وعُثِر على مواد تغليف تابعة لسلاسل متاجر كبرى من المملكة المتحدة وألمانيا في مكبات غير قانونية، حيث تُركت النفايات أو أُحرقت.

جاء ذلك في تحقيق أجرته صحيفة "الغارديان" -استنادًا إلى تحليل أعدّته "وكالة التحقيقات البيئية" (Environmental Investigation Agency).

وتتفاوت التقديرات حول حجم النفايات البلاستيكية المستوردة التي يُعاد تدويرها فعليًا؛ إذ أشار معنيون -خلال مقابلات أُجريت ضمن تقييم للمفوضية الأوروبية- إلى أن ما يقرب من 10% فقط هي النسبة التي تُعاد معالجتها بشكل سليم.

وفي المقابل، تشير تقديرات تركية أخرى إلى أن تركيا تعيد تدوير ما يتراوح بين 200 ألف و250 ألف طن من إجمالي 600 ألف إلى 700 ألف طن تستوردها سنويًا.

أحد مكبّات النفايات البلاستيكية في تركيا
أحد مكبّات النفايات البلاستيكية في تركيا – الصورة من رويترز

ورغم تباين هذه الأرقام، فإنها تشير جميعًا إلى حالة من الغموض بشأن مصير جزء كبير من النفايات البلاستيكية في تركيا.

إضافة إلى ذلك، تواجه تركيا عبئًا كبيرًا فيما يتعلق بنفاياتها المحلية؛ إذ يُقدَّر نصيب الفرد من النفايات البلاستيكية بنحو 48 كيلوغرامًا سنويًا، وهو معدل يفوق المتوسط العالمي بنحو 45%.

ويصف بعض المنتقدين تجارة تصدير النفايات هذه بـ "الاستعمار البيئي"، إذ يرون أن الدول الأوروبية تنقل جزءًا من التكاليف البيئية المترتّبة على استهلاكها إلى تركيا.

قمة المناخ كوب 31 وتعهد "صفر نفايات"

ستستضيف تركيا قمة المناخ كوب 31 بمدينة أنطاليا في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، على أن تُعقد جلسة القادة في مدينة إسطنبول.

من ناحيتها، أدرجت الحكومة التركية هدفَي "صفر نفايات" وخفض انبعاثات الميثان ضمن سياستها المناخية، وتُعدّ "مبادرة صفر نفايات" -التي أطلقتها السيدة الأولى أمينة أردوغان عام 2017- مشروعًا وطنيًا بارزًا؛ إذ تشير الأرقام الرسمية إلى ارتفاع معدل إعادة التدوير في تركيا من 13% عام 2017 إلى أكثر من 37% بحلول عام 2025.

وتؤكد الحكومة أنها نجحت في تحويل كميات كبيرة من النفايات بعيدًا عن المكبات، وتضع خططًا للحدّ من النمو المتوقع في النفايات البلدية بحلول عام 2035.

في المقابل، فإن استمرار استيراد النفايات البلاستيكية من أوروبا يلقي بظلال من الشك على هذه التوجهات.

وقد طالبت منظمة "غرينبيس" في تركيا، بالتعاون مع تحالف يضم 124 منظمة من منظمات المجتمع المدني، بوقف استيراد النفايات البلاستيكية والمنسوجات، واتخاذ تدابير لتقليل إنتاج البلاستيك الخام، ومعالجة التوسع في قطاع البتروكيماويات.

وترى هذه المنظمات في قمة المناخ كوب 31 فرصة سانحة لتركيا لتحويل التزاماتها المتعلقة بـ "صفر نفايات" إلى سياسات فعلية، بما في ذلك فرض حظر دائم على استيراد النفايات.

ومن جانبها، أعربت المفوضية الأوروبية عن قلقها إزاء إدارة النفايات في تركيا، مشيرةً إلى محدودية الشفافية وممارسات قد تنتهك قوانين الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن المفوضية لم تُقدم على تعليق الصادرات، فقد ألمح مسؤولون إلى إمكان فرض قيود في حال عدم تحسُّن الأوضاع.

بدورها، تؤكد السلطات التركية أنها عززت اللوائح التنظيمية، وأن عمليات الاستيراد تخدم قطاعًا مشروعًا لإعادة التدوير.

صعوبة التخلي عن هذه التجارة

بالنسبة للمُصدِّرين الأوروبيين، قد يكون شحن النفايات البلاستيكية إلى تركيا أقل تكلفة من معالجتها محليًا، أمّا بالنسبة لتركيا، فتُعدّ هذه الواردات مصدرًا للمواد الخام للمصنِّعين وتسهم في توفير فرص العمل، لا سيما في مناطق مثل أضنة.

لذا، فإن الإنهاء المفاجئ لهذه التجارة قد يؤدي إلى الإضرار بالشركات والعاملين، ويضع الدول الأوروبية أمام تحدّي إيجاد طرق بديلة للتعامل مع نفاياتها.

وتشير الحكومة التركية إلى وجود أكثر من 1200 منشأة تمتلك -نظريًا- قدرة على معالجة ما يزيد على مليون طن سنويًا.

ورغم أن هذا الرقم يعكس حجم القطاع، فإنه لا يوضح مقدار النفايات المستوردة التي تُعاد معالجتها بطريقة آمنة.

وأيّ تحول في هذا المسار يتطلب حماية العمال، بالتزامن مع تقليل مخاطر التلوث التي تواجه المجتمعات المحلية.

ونظرًا لعضوية تركيا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فهي تقع خارج نطاق الحظر الذي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضه على تصدير معظم النفايات البلاستيكية إلى الدول غير الأعضاء في المنظمة.

ومع أن متطلبات "الموافقة المسبقة" وعمليات التدقيق المستقلة -المقرر البدء بها بحلول عام 2027- قد تُعزز الرقابة، فإنها لن تؤدي بالضرورة إلى تقليص حجم الشحنات تلقائيًا.

وفي الوقت نفسه، فإن الضغوط الشعبية والاهتمام المتزايد في سياق قمة المناخ كوب 31 يجعلان من الصعب الدفاع عن استمرار هذه التجارة، في غياب أدلة واضحة تثبت أن النفايات تُعالج على النحو السليم.

منشأة لإعادة تدوير النفايات البلاستيكية في تركيا
منشأة لإعادة تدوير النفايات البلاستيكية في تركيا – الصورة من بلومبرغ

التعامل مع النفايات البلاستيكية

يمكن للحكومات الأوروبية أن تفعل المزيد للتعامل مع النفايات البلاستيكية في الداخل، وتشديد القوانين المتعلقة بالصادرات، وخفض استعمال البلاستيك.

ويمكن لتركيا أن تبدأ في خفض الواردات، وفحص مرافق إعادة التدوير عن كثب، ومساعدة العمّال والشركات على التكيف.

لذلك، لن تحلّ قمة المناخ كوب 31 المشكلة من تلقاء نفسها، لكنها قد تدفع البلدان إلى أن تكون أكثر انفتاحًا بشأن أين تذهب النفايات البلاستيكية وماذا يحدث لها.

ويمكن للحكومات أن توافق على نشر بيانات الشحنة والتحقق مما إذا كان يعاد تدوير النفايات المصدرة بالفعل.

وهذا من شأنه أن يزيد من صعوبة اختفاء النفايات من الأوراق في حين ينتهي بها الأمر في مكبات النفايات أو المجاري المائية.

ومن الممكن أن تضع المحادثات إنتاج البلاستيك والحدّ من النفايات على جدول الأعمال.

ولهذا، يتعين أن تأتي أيّ أهداف مع دعم عملي للعمّال والمجتمعات التي تعتمد على التجارة.

وفي عام 2025، ذهب ما يقرب من 650 ألف طن من النفايات البلاستيكية إلى تركيا.

وتزوّد هذه التجارة صناعة البلاستيك وتمنح المصدرين الأوروبيين مكانًا لإرسال نفاياتهم، لكن التكاليف البيئية ما تزال غير واضحة.

وبصفتها الدولة المضيفة لقمّة المناخ كوب 31، سوف تواجه تركيا تساؤلات بشأن ما إذا كانت وعودها المناخية تتطابق مع طريقة تعاملها مع هذه النفايات.

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق