شحنة البنزين الأميركية للعراق من الأغلى في العالم.. لماذا لم يلجأ للخليج؟ (تقرير)
أحمد بدر

تثير شحنة البنزين الأميركية للعراق التي وصلت عبر سوريا تساؤلات واسعة بشأن كلفة الإمدادات ومسارها غير المعتاد، خاصةً مع اعتماد بغداد على واردات الوقود لتغطية احتياجات السوق، في ظل اضطرابات الإمداد وتغيُّر طرق التجارة الإقليمية.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن) خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن تكلفة هذه الشحنة كانت من الأعلى في العالم، موضحًا أن مسارها يعكس ظروفًا استثنائية في تجارة الوقود.
وأوضح الحجي أن هذه الشحنة البنزين لا تبدو واقعة منفردة، مرجحًا تكرار الإمدادات خلال المرحلة المقبلة، إذ تسمح حركة الصهاريج بين العراق وسوريا بإعادة استعمالها بدل عودتها فارغة بعد تفريغ حمولاتها، وفق الظروف الحالية.
وأشار إلى أن الصهاريج التي تنقل زيت الوقود من العراق إلى ميناء بانياس ثم تتجه إلى أوروبا، تعود عادةً دون حمولة، ولذلك يمكن استغلال رحلة العودة لنقل البنزين إلى العراق بتكلفة تشغيلية إضافية.
جاءت هذه التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي في مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، بعنوان: "ما تأثير زيادة السعودية لصادراتها النفطية؟ وما الخيارات المتاحة أمام ترمب قبيل الانتخابات".
شحنة البنزين الأميركية للعراق ومسار الإمدادات
يقول الدكتور أنس الحجي، إن شحنة البنزين الأميركية للعراق تستفيد من هذا المسار اللوجستي، إذ يمكن تحميل الصهاريج في رحلة العودة بدل تحمّل تكلفة تشغيلها فارغة، مع مراعاة اعتبارات النقل والتفريغ والتلوث ضمن الحدود الفنية المقبولة حاليًا.
وأضاف أن تفريغ الصهاريج بطريقة صحيحة يجعل المخاوف المتعلقة بالتلوث محدودة للغاية، موضحًا أن المشكلة الأساسية لا ترتبط بالنقل نفسه، وإنما بارتفاع تكلفة الشحنة مقارنة بمصادر الإمداد التقليدية الأخرى.

ويرى أنس الحجي أن تكرار شحنة البنزين الأميركية للعراق أصبح مرجّحًا، استنادًا إلى المعطيات المتاحة عن حركة الناقلات والصهاريج الحالية، مشيرًا إلى أن طبيعة المسار الجديد قد تجعل الولايات المتحدة مصدرًا إضافيًا للوقود العراقي خلال المدة المقبلة.
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه العراق ضغوطًا على سوق البنزين، بالتزامن مع تغيُّر مسارات الاستيراد وتراجع قدرة بعض الطرق التقليدية على توفير الإمدادات بصورة مستقرة، ما دفع بغداد إلى البحث عن بدائل بعيدة جغرافيًا.
أمّا شحنة البنزين الأميركية للعراق، فتكتسب أهميتها من كونها وصلت إلى سوريا أولًا قبل نقلها برًا، في مسار غير تقليدي يربط هيوستن ببانياس ثم الأراضي السورية وصولًا إلى السوق العراقية، ويضيف مرحلة لوجستية إلى رحلة الوقود.
ولفت الحجي إلى وجود مصافٍ في منطقة الخليج يمكن للعراق الحصول منها على البنزين، متسائلًا عن أسباب عدم اعتماد هذه المصافي لتوفير الاحتياجات العراقية، ومن كان يتولى تصدير البنزين إلى بغداد في الظروف السابقة خلال المدة الماضية.
وتكشف شحنة البنزين الأميركية للعراق أيضًا عن جانب اقتصادي في العلاقة بين مسارات نقل الوقود، إذ يمكن للصهاريج التي تصل إلى بانياس ضمن حركة تجارية قائمة أن تنقل حمولات جديدة إلى العراق خلال رحلة العودة.
وفي المقابل، لا يقتصر الأمر على العراق والولايات المتحدة، إذ تستفيد سوريا من مرور الشحنات عبر أراضيها ومينائها، بينما يتيح المسار الجديد استعمال بنية لوجستية قائمة لنقل مشتقات نفطية بين الأطراف المعنية وتحقيق عائدات من رسوم العبور.
شحنة تاريخية تعيد رسم واردات الوقود
وصلت شحنة البنزين الأميركية للعراق ضمن سياق تاريخي لافت، بعدما استقبل مصب بانياس النفطي في 23 سبتمبر/أيلول الجاري الناقلة «غايتا» القادمة من هيوستن، في رحلة امتدّت لنحو 13 ألف كيلومتر تقريبًا.
ووفق البيانات التاريخية لدى منصة الطاقة المتخصصة، تبلغ حمولة الشحنة نحو 234 ألف برميل، وهي الأولى تاريخيًا التي تصل إلى سوريا من الولايات المتحدة، قبل نقلها بالصهاريج إلى العراق بموجب اتفاق بين البلدين.
ويُظهر وصول شحنة البنزين الأميركية للعراق أن مسارات إمداد الوقود يمكن أن تتغير بسرعة تحت ضغط الأزمات، خاصةً مع إغلاق مضيق هرمز، ونقص البنزين الذي تواجهه البلاد منذ أشهر وتفاقم خلال الأيام الأخيرة بصورة لافتة.
الخريطة أدناه توضح مسار الناقلة "غايتا" Gaita التي تحرّكت من هيوستن في الولايات المتحدة إلى بانياس في سوريا:

وفي تصريحات سابقة له إلى منصة الطاقة، قال المتحدث باسم الشركة السورية للبترول صفوان الشيخ، إن الشحنة ليست مخصصة للسوق السورية، موضحًا أن الناقلة وصلت ضمن ترتيبات لتفريغ البنزين ونقله إلى العراق، مع وصول ثلاث ناقلات محملة بالمشتقات النفطية.
وتوضح خلفية شحنة البنزين الأميركية للعراق أن سوريا تحصل على رسوم عبور، سواء للنفط المتجه إلى بانياس أو البنزين المتجه إلى العراق، في حين لم تتضح حتى الآن طبيعة تحصيل الرسوم ونسبتها بصورة نهائية، وفق الحجي.
وأشار الشيخ إلى أن تفريغ الناقلة الأولى اكتمل بحمولة تقارب 32 ألف طن من البنزين، تعادل نحو 234 ألف برميل، في حين تنتظر ناقلتان أخريان دورهما، تمهيدًا لاستكمال عمليات التفريغ والتوريد إلى العراق خلال الأيام المقبلة.
وتشير المعطيات إلى أن شحنة البنزين الأميركية للعراق قد تفتح الباب أمام إمدادات إضافية، خاصةً مع العلاقات السياسية الجيدة بين البلدين، ودعم واشنطن للحكومة العراقية ومساعدتها في جذب استثمارات جديدة إلى قطاع الطاقة خلال المرحلة المقبلة.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
المصدر:





