النينيو 2026.. عندما يتحول اضطراب المحيط الهادئ إلى اختبار لسياسات الدول (مقال)
د. منال سخري

قد يبدو غريبًا أن يبدأ أحد الاختبارات المناخية المهمة لعامي 2026 و2027 -متمثلًا في النينيو- من مياه المحيط الهادئ، على بعد آلاف الكيلومترات من معظم الدول التي قد تتأثر بتداعياته.
لكن النظام المناخي لا يعترف بهذه المسافات، فاضطراب في منطقة من المحيط يمكن أن ينعكس -عبر حركة الغلاف الجوي- على الحرارة والأمطار والرياح في مناطق بعيدة.
وهذا ما يجعل النينيو الحالية مختلفة عن مجرد ظاهرة مناخية تتابعها أجهزة الأرصاد.
فهي اليوم تتحول إلى عامل ينبغي أن يدخل في حسابات قطاعات تتجاوز البيئة، من المياه والزراعة إلى الطاقة والأمن الغذائي وإدارة الكوارث.
النينيو في المحيط الهادئ الاستوائي
في سبتمبر/أيلول 2026، أصبحت الصورة العلمية أكثر وضوحًا، فقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في تحديثها الصادر في 3 سبتمبر/أيلول، أن النينيو راسخة في المحيط الهادئ الاستوائي.
وأنها مرشحة لمزيد من التعزز خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال يقارب 100% لاستمرارها حتى فبراير/شباط 2027.
وبعد أسبوع، أكدت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأميركية أن النينيو تتعزز، مع احتمال يتجاوز 90% لبلوغها مستوى قويًا جدًا خلال خريف وشتاء 2026-2027، وقدرت احتمال وصولها إلى حدث تاريخي من القوة خلال أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول بنحو 75%.
هذه ليست مجرد أرقام في نشرات المناخ، فكلما ارتفعت قوة الإشارة المناخية ازدادت أهمية السؤال الذي يهم صانع القرار، ماذا يمكن أن نفعل بهذه المعلومات قبل أن تظهر آثارها على الأرض؟

لماذا تهم النينيو دولًا بعيدة عن المحيط الهادئ؟
النينيو هي ارتفاع غير اعتيادي في درجات حرارة سطح مياه أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، يترافق مع تغيرات في حركة الرياح والدورة الجوية.
لكن المشكلة لا تكمن في ارتفاع حرارة المحيط بحد ذاته.
الأهم هو ما يمكن أن يترتب على ذلك من إعادة توزيع للحرارة والرطوبة في الغلاف الجوي، بما يغير احتمالات هطول الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم.
ولهذا قد ترتبط النينيو، بحسب المنطقة والفصل، بموجات حر أو أوقات جفاف أو أمطار غزيرة وفيضانات.
لكن هناك نقطة لا ينبغي إغفالها: قوة النينيو لا تعني بالضرورة أن تأثيرها سيكون بالقوة نفسها في كل دولة.
فالجغرافيا والفصل وحالة البحر المتوسط والمحيط الأطلسي والمحيطات الأخرى، كلها تدخل في تحديد النتيجة النهائية، وهنا تحديدًا يجب الحذر من القراءات المبسطة التي تربط أي ظاهرة جوية بالنينيو مباشرة.
النينيو في عالم أكثر حرارة
لا تحدث النينيو الحالية في مناخ القرن الماضي؛ العالم أصبح أكثر حرارة، والمحيطات نفسها أصبحت أكثر دفئًا، وهذا يغير البيئة التي تعمل فيها الظواهر المناخية الطبيعية.
لذلك فإن النينيو لا يمكن النظر إليها بمعزل عن تغير المناخ طويل الأمد.
هي ليست سببًا مباشرًا لكل موجة حر أو جفاف أو فيضان، لكنها قد تزيد من احتمالات بعض المخاطر أو من شدة آثارها عندما تتزامن مع ظروف مناخية أخرى.
وهذه نقطة مهمة لصانع القرار، الخطر لا يأتي دائمًا من ظاهرة واحدة، وإنما من تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه.
عندما يدخل المناخ إلى حسابات الطاقة
قد تبدو العلاقة بين النينيو والطاقة بعيدة في البداية، لكنها تصبح واضحة عند النظر إلى سلسلة التأثيرات، ارتفاع درجات الحرارة مثلًا يعني في كثير من الدول ارتفاع الطلب على الكهرباء بسبب التبريد.
والجفاف يمكن أن يفرض ضغوطًا إضافية على الموارد المائية التي تحتاج إليها قطاعات الطاقة.

كما يمكن للظروف الجوية المتطرفة أن تؤثر في البنية التحتية وشبكات الكهرباء وفي إنتاج بعض مصادر الطاقة المتجددة.
ثم هناك تأثير غير مباشر لا يقل أهمية: الغذاء، فعندما تضطرب الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق زراعية رئيسية يمكن أن تتأثر المحاصيل والأسعار وسلاسل الإمداد.
وبالنسبة إلى الدول التي تعتمد بدرجات مختلفة على الاستيراد، قد يتحول الاضطراب المناخي الخارجي إلى ضغط اقتصادي داخلي.
لهذا السبب، لا ينبغي أن تبقى النينيو ملفًا خاصًا بالأرصاد الجوية، إنها معلومة يمكن أن تستعملها الحكومات في التخطيط للمياه والطاقة والزراعة والمالية وإدارة المخاطر.
ماذا تعني النينيو بالنسبة إلى الجزائر؟
لا يعني ظهور النينيو أن الجزائر ستشهد بالضرورة موسمًا شتويًا جافًا أو ممطرًا بصورة استثنائية، فالتأثيرات في شمال أفريقيا أكثر تعقيدًا، وتتداخل فيها ديناميكيات البحر المتوسط والمحيط الأطلسي والدورة الجوية الإقليمية.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع النينيو باعتبارها تنبؤًا مباشرًا بالطقس في الجزائر، وإنما باعتبارها إشارة مناخية بعيدة المدى يمكن إدخالها ضمن منظومة التنبؤات الموسمية وتقييم المخاطر.
وتوفر أنظمة التنبؤ الموسمي التابعة للمركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى وبرنامج كوبرنيكوس توقعات تمتد لعدة أشهر، وتشمل مؤشرات الحرارة والتساقطات، بما يسمح بمتابعة تطور الإشارات المناخية على المستوى الإقليمي.
وبالنسبة إلى الجزائر، تكمن القيمة الحقيقية لهذه المعلومات في استعمالها ضمن التخطيط، لا في البحث عن إجابة مبسطة من نوع: هل ستجلب النينيو الجفاف أم الأمطار؟
فإدارة الموارد المائية، والتخطيط الزراعي، والاستعداد لمخاطر الحرائق، وحتى تقدير الطلب على الطاقة، كلها قطاعات يمكن أن تستفيد من تحسين استعمال التنبؤات الموسمية.
من المعلومة المناخية إلى القرار
إذا كانت هناك إشارة إلى احتمال تغير نمط الأمطار في موسم قادم، فلماذا لا تدخل هذه المعلومة في التخطيط المائي؟
وإذا ارتفعت احتمالات موسم أكثر جفافًا، هل يمكن مراجعة خطط الري أو الزراعات الأكثر استهلاكًا للمياه؟
وإذا كانت مؤشرات الحرارة والجفاف تشير إلى ارتفاع مخاطر الحرائق في موسم معين، هل يمكن رفع مستوى الجاهزية قبل بداية الموسم بدل انتظار أولى الحرائق؟
وبالنسبة إلى قطاع الطاقة، هل يمكن أن تدخل التوقعات الموسمية في تقدير الطلب المتوقع على الكهرباء، خصوصًا خلال أوقات الحرارة الشديدة؟
هذه هي النقلة التي تحتاج إليها إدارة المخاطر المناخية: ألا تبقى التوقعات في تقارير الأرصاد، بل تنتقل إلى غرف التخطيط وصنع القرار، فالإنذار المبكر لا تكون قيمته في معرفة أن الخطر قادم فقط، وإنما في أن يمنح المؤسسات وقتًا لتفادي جزء من آثاره.

ما الذي تكشفه النينيو عن السياسات البيئية؟
في رأيي، أهم ما تكشفه النينيو الحالية ليس فقط حجم الاضطراب الذي يمكن أن يحدثه المحيط الهادئ، وإنما أهمية الاستعداد المبكر في عالم أصبحت فيه المخاطر المناخية أكثر ترابطًا.
المياه مرتبطة بالطاقة، والطاقة مرتبطة بالاقتصاد، والغذاء مرتبط بالمياه، والمناخ والحرائق والجفاف والفيضانات يمكن أن تتحول في مدة قصيرة إلى أعباء على الميزانية والبنية التحتية والسكان.
لهذا لم تعد السياسة البيئية مسألة حماية الطبيعة فقط، إنها جزء من إدارة المخاطر وحماية الموارد وتعزيز قدرة الدولة على الاستعداد للصدمات.
وبالنسبة إلى الجزائر، يمكن أن يكون الاستثمار في التنبؤات المناخية الموسمية وربطها بالتخطيط المائي والزراعي والطاقوي خطوة مهمة في هذا الاتجاه، فالاستعداد الحقيقي لا يبدأ عندما تقع الأزمة، بل يبدأ عندما تظهر الإشارة الأولى إليها.
ختامًا، فإن النينيو 2026 ليست مجرد قصة عن المحيط الهادئ.
إنها اختبار لقدرة الدول على قراءة ما يحدث بعيدًا عن حدودها، وفهم ما قد يعنيه ذلك داخلها، ثم تحويل المعرفة العلمية إلى قرار.
وفي عالم تتزايد فيه المخاطر المناخية قد تكون الدولة الأكثر استعدادًا ليست تلك التي تتعامل مع الأزمة بأسرع ما يمكن فقط، وإنما تلك التي تمنح نفسها الوقت الكافي للاستعداد لها قبل أن تتحول من احتمال إلى واقع.
د. منال سخري.. خبيرة وباحثة في السياسات البيئية
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)





