أمن الطاقة العالمي.. ضرورة ملحة وسط اضطراب الإمدادات وتقلب أسعار الوقود (تقرير)
نوار صبح

أصبح أمن الطاقة العالمي ضرورة ملحّة وسط اضطراب سلاسل الإمدادات وتقلُّب أسعار الوقود والطلب المتزايد على الكهرباء لدى معظم الدول.
ومع مواجهة أسواق الطاقة للتوترات الجيوسياسية، وتأثيرات تغير المناخ، وتزايد الطلب على الكهرباء، بات السؤال بشأن ماهية أمن الطاقة الحقيقي أكثر إلحاحًا من أيّ وقت مضى، وفقًا لمقابلة طالعتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن).
ويرى أستاذ علوم الأرض والبيئة في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة، الدكتور بنيامين سوفاكول، أن أمن الطاقة العالمي يتجاوز بكثير مجرد تأمين إمدادات الوقود.
ويشير سوفاكول إلى أن أمن الطاقة العالمي يشمل القدرة على تحمُّل التكاليف، وسهولة الوصول، والاستدامة البيئية، والمرونة، ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات جوهرية حول طريقة موازنة المجتمعات بين أهداف المناخ، والنمو الاقتصادي، والقدرة التنافسية الصناعية، والعدالة الطاقية.
الحاجة إلى تنويع أنظمة طاقة
من مواطن الضعف التي كشفت عنها أزمة مضيق هرمز إلى التهديد المتزايد الذي يشكله تغير المناخ، يُسلّط أستاذ علوم الأرض والبيئة في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة، الدكتور بنيامين سوفاكول، الضوء على الحاجة إلى أنظمة طاقة أكثر تنوعًا وانتشارًا ومرونة.

ويحذّر سوفاكول من التبسيط المفرط: فالأزمات لا تُسرّع تلقائيًا من التحول إلى الطاقة النظيفة، إذ لا يوجد مسار عالمي قابل للتطبيق لإزالة الكربون، ويعتمد النجاح على إيجاد توازن فعّال بين الأولويات المتنافسة، بحسب مقابلة نشرها معهد بينيت ساسكس.
ويضيف أن مضيق هرمز برز مجددًا بصفته واحدًا من أخطر الممرات المائية في أسواق الطاقة العالمية.
وقد أطلقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية أكبر عملية إطلاق طارئ لمخزونات النفط في تاريخ الوكالة، إلّا أن التوترات في السوق لم تهدأ.
وفي الوقت نفسه، تستمر الحمائية والظواهر الجوية القاسية في تعطيل نظام الطاقة العالمي.
وتشهد أسعار النفط والغاز تقلبات متزايدة، في حين تتعرض شبكات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة لاختبارات متكررة بفعل موجات الحر والفيضانات والجفاف وحرائق الغابات.
ويؤدي التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى زيادة الطلب على الكهرباء، وما يزال نحو 655 مليون شخص حول العالم يفتقرون إلى الكهرباء، ونحو ملياري شخص يفتقرون إلى وسائل الطهي النظيف.
مفهوم أمن الطاقة العالمي
يرى أستاذ علوم الأرض والبيئة في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة، الدكتور بنيامين سوفاكول، أن مفهوم أمن الطاقة العالمي تجاوز اليوم مسألة تأمين الإمدادات، ليشمل القدرة على تحمل التكاليف، وسهولة الوصول، والموثوقية، ومرونة النظام، فضلًا عن طرح تساؤل حول طريقة توزيع تكاليف التحول في قطاع الطاقة.
ويتساءل سوفالكول هل ستؤدي أزمة الطاقة تلقائيًا إلى تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة؟ وهل يفسح أمن النفط التقليدي المجال تدريجيًا لأمن الكهرباء؟
ويضيف أنه عندما تتعارض أهداف المناخ والنمو الاقتصادي والقدرة التنافسية الصناعية وعدالة الطاقة، كيف ينبغي للحكومات أن توازن بينها؟
تداعيات حرب إيران
كشفت حرب إيران والأزمة المحيطة بمضيق هرمز عن مواطن ضعف في نظام الطاقة العالمي.
ويرى أستاذ علوم الأرض والبيئة في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة، الدكتور بنيامين سوفاكول، أن هذه الأزمة تُؤكد مجددًا استنتاجًا كان واضحًا منذ نصف قرن: نظام الطاقة العالمي شديد الهشاشة.
وقد أوضح كتاب صدر عام 1982 بعنوان "القوة الهشة: إستراتيجيات الطاقة للأمن القومي" بأن العالم بنى نظام طاقة كثيف رأس المال، واسع النطاق جغرافيًا، ومعقد تقنيًا، ما يعني أن أيّ خلل في جزء منه قد يُؤدي إلى اتّساع الأزمة.
ويضيف سوفاكول أن انقطاع التيار الكهربائي في أميركا الشمالية عام 2003 يُعدّ مثالًا على ذلك، فبعد تعطُّل خط نقل واحد، تسببت أوجه القصور في أنظمة المراقبة والإنذار والتنسيق في تفاقم المشكلة وانقطاع التيار الكهربائي الذي أثّر في ما يقرب من 50 مليون شخص.
ويوضح أن تداعيات هذه المخاطر تتفاقم، وأن بعضها نابع من الحروب والجيوسياسية والصراعات، وتأتي أزمات أخرى من صدمات مناخية كالفيضانات وحرائق الغابات والعواصف وموجات الحر الشديدة.
ويشير إلى أن أزمات اليوم تُذكّر بإمكان جعل بعض أنظمة الطاقة أكثر أمانًا.

ركائز أمن الطاقة العالمي
يقول الدكتور بنيامين سوفاكول، إن أمن الطاقة العالمي يتضمن 4 أبعاد:
- أولًا: توافر الإمدادات وأمنها.
- ثانيًا: القدرة على تحمُّل التكاليف، والإنصاف وسهولة الوصول إلى خدمات الطاقة.
- ثالثًا: الحوكمة البيئية، بما في ذلك تغير المناخ، واستعمال الأراضي وتلوث المياه والهواء.
- رابعًا: الكفاءة والمرونة والابتكار، أي جعل أنظمة الطاقة أكثر قدرة على الصمود أمام تغير المناخ والصدمات الأخرى.
ويشير سوفالكول أن الوقود الأحفوري يعاني من أوجه قصور كبيرة في هذه الجوانب.
فمن حيث التوافر، يتركز ما يقارب 80% من موارد الوقود الأحفوري العالمية في نحو 15 دولة، وحال توقُّف أيّ مورد رئيس عن تزويد الطاقة، فقد يُؤدي ذلك إلى انعدام أمن الطاقة العالمي على المستوى الهيكلي.
على سبيل المثال، في أكتوبر/تشرين الأول 2001، أصابت رصاصة بندقية خط أنابيب ترانس ألاسكا، ما تسبَّب في تسرب نحو 285.600 غالون (مليون و81 ألفًا و113 لتر) من النفط الخام، وأثّر مباشرةً بأسعار النفط الخام في أستراليا ونيوزيلندا.

خصائص الطاقة المتجددة
تتميز الطاقة المتجددة بخصائص جغرافية مختلفة، فكل دولة لديها إمكان الوصول إلى مزيج من ضوء الشمس والرياح والمياه الجارية، وغالبًا ما تقع هذه الموارد بالقرب من أماكن استهلاك الطاقة، ما يجعلها أكثر أمانًا.
في المقابل، فإن للوقود الأحفوري تكاليف خارجية باهظة لا تنعكس بالكامل في أسعار السوق، لا سيما فيما يتعلق بالقدرة على تحمُّل التكاليف والحوكمة البيئية.
وفي العديد من الأسواق اليوم، انخفضت تكاليف طاقة الرياح والطاقة الشمسية إلى ما دون تكاليف الفحم والنفط والغاز المسال، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
ورغم أن الغاز المسال يُعدّ وقودًا نظيفًا نسبيًا، فإن تسرُّب غاز الميثان قد يحدث في أثناء الإنتاج والتسييل والنقل والاستعمال، ما يعني أن انبعاثاته خلال دورة حياته قد تتجاوز انبعاثات إمدادات الغاز الطبيعي التقليدية.
من حيث المرونة، غالبًا ما تكون أنظمة الطاقة المتجددة أصغر حجمًا وأكثر مرونة وأقل اعتمادًا على النقل المستمر للوقود.
وتتطلب محطات توليد الكهرباء التقليدية العاملة بالفحم شراءً ونقلًا مستمرين للفحم، حيث تمثّل تكاليف الوقود نحو 80% من تكاليف التشغيل.
من ناحيتها، لا تتطلب الطاقة الشمسية أي مدخلات وقود تقريبًا، إذ لا تتجاوز تكاليف الوقود 1% من إجمالي التكاليف.
وتتطلب أنظمة الطاقة الشمسية صيانة دورية - على سبيل المثال، إدارة المحولات وإزالة الغبار - ولكن يمكن إصلاح العديد من الأعطال باستعمال أدوات بسيطة نسبيًا.
أمّا توربينات الغاز ذات الدورة المركبة فهي أكثر تعقيدًا وتواجه نطاقًا أوسع من المخاطر.
لذا، تكشف أزمة حرب إيران عن هشاشة أنظمة الطاقة المركزية المعتمدة على الوقود الأحفوري، وتُظهر أن الطاقة المتجددة الموزعة، وكفاءة الطاقة، والبنية التحتية الأكثر مرونة، يمكن أن توفر مسارًا بديلًا آمنًا نسبيًا.
ويرى أستاذ علوم الأرض والبيئة في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة، الدكتور بنيامين سوفاكول، أن جميع الدول معرّضة للخطر.
ويوضح أن الحرب الروسية الأوكرانية أظهرت أنه عند وقوع أزمة، تُركّز الحكومات في البداية على تأمين إمدادات الطاقة والتحكم في الأسعار بدلًا من التحول الفوري عن الوقود الأحفوري.
موضوعات متعلقة..
- أكبر صفقات الغاز في النصف الأول 2026.. استثمارات تعزز أمن الطاقة العالمي (تقرير)
- التخزين الجوفي للغاز.. حل إستراتيجي لأمن الطاقة العالمي
- هل يهدد تحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050 أمن الطاقة العالمي؟ (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- أكبر الدول العربية المستوردة للألواح الشمسية الصينية في 6 أشهر (إنفوغرافيك)
المصدر:





