أنسيات الطاقةالتقاريرتقارير النفطرئيسيةنفط

حقيقة السحب من مخزونات الصين النفطية.. أين ذهبت 6 ملايين برميل يوميًا؟ (تقرير)

أحمد بدر

تصدرت مخزونات الصين النفطية المشهد العالمي مؤخرًا، ضمن جهود تفسير تراجع أسعار النفط، بعدما أظهرت بيانات السوق أنّ تراجع واردات بكين لم يعكس سحبًا ضخمًا من الاحتياطيات، بل نتج عن توقُّف بناء المخزون وتراجع الصادرات وانخفاض الاستهلاك.

وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن السحب الفعلي من المخزونات الصينية كان محدودًا للغاية، ولم يتجاوز 500 ألف برميل يوميًا، خلافًا لتقديرات ربطت كامل تَراجُع الواردات بالمخزون.

وبيّنَ أن مخزونات الصين النفطية لم تنخفض بالمقدار الذي توحي به بيانات الواردات، إذ كانت البلاد تضيف سابقًا نحو 800 ألف إلى مليون برميل يوميًا إلى المخزون، وعندما توقفت عمليات البناء تراجعت الواردات دون تأثير كبير.

وأشار إلى أن الصين أوقفت كذلك جانبًا من صادرات المنتجات النفطية، ما خفضَ حاجة المصافي إلى شراء الخام المستورد، بعدما لم تعد الكميات المطلوبة لإنتاج صادرات إضافية ضرورية، وهو ما قلّص الواردات دون المساس بالاستهلاك المحلي.

وأكد أن مخزونات الصين النفطية لم تكن العامل الوحيد، إذ ارتفع الإنتاج المحلي بنحو 200 ألف برميل يوميًا، بالتزامن مع انخفاض الاستهلاك، في حين أكدت بيانات الحكومة لاحقًا تراجع الطلب الفعلي، متأثرًا بتباطؤ النمو الاقتصادي خلال الربع الثاني.

جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان: "هرمز ليست أزمة نفط فحسب.. لماذا تختلف عن كل الأزمات النفطية السابقة؟"، وناقشت تحولات أسعار النفط خلال الأزمة.

حقيقة السحب من المخزون الصيني

أوضح أنس الحجي أنّ توقُّف بناء المخزون أسهمَ في خفض الواردات بنحو 800 ألف إلى مليون برميل يوميًا، من دون أن يعني ذلك تراجع المخزون نفسه، لأن الكميات التي كانت تدخل مرحلة التخزين لم تعد مطلوبة، فتراجَع الطلب الخارجي تلقائيًا.

وأشار إلى أن مخزونات الصين النفطية تأثرت أيضًا بقرار وقف تصدير المنتجات النفطية، إذ لم تعد المصافي التي كانت تبيع منتجاتها للخارج بحاجة إلى استيراد الكميات نفسها من الخام، ما أدى إلى انخفاض إضافي في الواردات.

وقال، إن هذا العامل وفّر قرابة مليون برميل يوميًا من الانخفاض الظاهر في الواردات، من دون أن يعني تراجع الاستهلاك الصيني أو انخفاض المخزون، وهو ما يفسّر جانبًا مهمًا من الفجوة بين الواردات والاستعمال الفعلي.

مخزونات النفط في الصين
مخزونات النفط في الصين - الصورة من رويترز

وأضاف أنس الحجي أن زيادة الإنتاج المحلي الصيني بنحو 200 ألف برميل يوميًا أسهمت في تقليص الحاجة إلى الاستيراد، بالتزامن مع تراجع الاستهلاك، وهو ما جعل السوق الصينية أقل اعتمادًا على الخام الخارجي خلال مدة الأزمة.

ولفت إلى أن مخزونات الصين النفطية التي تظهر في الرسوم البيانية المتداولة بين المحللين لا تُمثّل كامل الاحتياطيات، لأن البيانات المتاحة تقيس الكميات الموجودة على سطح الأرض، ولا تكشف ما قد يكون مخزّنًا في مواقع غير مرئية.

وشدد على أن هذه البيانات تعتمد على الأقمار الصناعية التي تقيس مستويات المخزون المرئي، وليست بيانات صادرة عن الحكومة الصينية، ولذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها أرقامًا رسمية حكومية أو اتّهام بكين بإخفاء بيانات أعلنتها بنفسها.

وبيّنَ أن تقديرات المخزون الموجود على اليابسة تدور حول 1.4 مليار برميل، في حين تشير تقديرات أخرى إلى وجود كميات إضافية تحت الأرض، قد ترفع الإجمالي إلى 1.6 مليار أو حتى 1.8 مليار برميل.

دور المخزون العائم

كشف أنس الحجي أن مخزونات الصين النفطية لم تقتصر على البراميل الموجودة على اليابسة، إذ لجأت المصافي إلى استعمال المخزون العائم، خصوصًا النفط الروسي والإيراني والفنزويلي الموجود على متن سفن بقيت لأوقات طويلة دون تفريغ.

وأوضح أن تسجيل النفط الموجود على السفن يختلف زمنيًا عن استعماله الفعلي، فقد يستغرق ظهور الكمية في البيانات شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، رغم أن المصافي تكون قد استعملتها بالفعل، ما يُصعِّب قياس السحب الحقيقي بدقّة.

وأشار إلى أن مخزونات الصين النفطية العائمة أسهمت -وفق تقديره- بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا، وعند إضافة هذه الكميات إلى السحب من المخزون الفعلي، تقترب الكمية المستعمَلة من 6 ملايين برميل يوميًا.

ناقلات النفط الكبيرة جدًا
ناقلات نفط - الصورة من منصة "تانكرز إنترناشيونال"

وأكد خبير اقتصادات الطاقة أن هذا التقدير لا يعني أن 6 ملايين برميل خرجت كلّها من الاحتياطيات الأرضية، وإنما يعكس مجموع مصادر الإمداد التي عوّضت نقص الواردات، بما فيها المخزون العائم والتغيرات في التخزين والإنتاج والاستهلاك.

وقال، إن مخزونات الصين النفطية كانت جزءًا من صورة أوسع لتفسير حركة السوق، لأن انخفاض الأسعار ارتبط بمجموعة عوامل، بينها تحويل النفط عبر الأنابيب، والسحب من المخزونات الإستراتيجية، وتراجع الطلب الآسيوي بصورة كبيرة.

وأضاف أن الأدلة السابقة على انخفاض الطلب كانت قابلة للنقاش بسبب نقص البيانات المباشرة، لكن الأرقام الجديدة أكدت أن التراجع كان حقيقيًا، وأن التأثير الأكبر جاء من الصين، مع امتداد الانخفاض إلى معظم الأسواق الآسيوية.

ولفت إلى أن قراءة السوق أصبحت أكثر وضوحًا بعدما ظهرت بيانات الاستهلاك والنمو الاقتصادي، إذ لم يعد ممكنًا تفسير تراجع الواردات الصينية بصفته مجرد اعتماد واسع على المخزون، في ظل وجود عوامل أخرى أكثر تأثيرًا.

الفروق بين الهند واليابان

فسّر أنس الحجي أن مخزونات الصين النفطية لم تكن العامل الوحيد وراء اختلاف أداء الأسواق الآسيوية، إذ أظهرت البيانات انخفاض الطلب على النفط في اليابان بنسبة 6.2% خلال الربع الثاني، مقابل 1.1% فقط في الهند.

وأوضح أن الطلب انخفض في كوريا الجنوبية بنسبة 5.8%، وتايلاند 3.5%، وإندونيسيا 2.8%، وماليزيا 2.4%، وفيتنام 4.1%، في حين سجلت بنغلاديش 14.5% وباكستان 18.2%، ما كشفَ تفاوتًا واسعًا بين اقتصادات المنطقة.

وأشار إلى أن مخزونات الصين النفطية تزامنت مع انخفاض الطلب هناك بنسبة 12%، وهي النسبة الكبرى بين الاقتصادات الآسيوية الكبرى التي تناولها، ما جعل السوق الصينية صاحبة التأثير الأبرز في إعادة التوازن بين المعروض والطلب.

وقال أنس الحجي، إن اليابان تعرضت لضغط أكبر بسبب انهيار الينّ، إذ وصلت أسعار النفط المقوّمة بالعملة اليابانية خلال أبريل/نيسان إلى أعلى مستوياتها تاريخيًا، ما أجبر طوكيو على استعمال كميات كبيرة من المخزون الإستراتيجي.

وأضاف أن الهند كانت حالة مختلفة، لأن وارداتها الكبيرة من النفط الروسي بأسعار مخفضة حدّت من أثر ارتفاع الأسعار العالمية، وجعلت انخفاض الطلب لديها أقل بكثير من نظيره في اليابان وعدد من الأسواق الآسيوية.

ناقلات النفط و المشتقات الروسية
ناقلات النفط والمشتقات الروسية - الصورة من Economic times

وأوضح أن مخزونات الصين النفطية الكبيرة منحت بكين قدرة مختلفة على إدارة السوق، في حين لم تكن الهند تمتلك الحجم نفسه من الاحتياطيات التي يمكن استعمالها لتخفيف الضغوط، ولذلك اعتمدت بدرجة أكبر على الخام الروسي منخفض التكلفة.

وكشف الحجي أن واردات الهند من النفط الروسي بلغت مستويات قياسية، ومثّلت نحو 55% من إجمالي وارداتها النفطية، وهو ما ساعدها على تجنُّب انخفاض حادّ في الطلب، رغم الظروف التي دفعت دولًا آسيوية أخرى إلى تقليص مشترياتها.

وأكد أن مخزونات الصين النفطية لا يمكن قراءتها بمعزل عن بقية المتغيرات، مشددًا على أن البيانات الحكومية والدولية أثبتت وجود تراجع حقيقي في الطلب، وأن تباطؤ النمو الاقتصادي كان عاملًا مباشرًا في خفض استهلاك النفط.

وخَلصَ أنس الحجي إلى أن بيانات أوبك ووكالة الطاقة الدولية والحكومات الآسيوية أكدت تراجُع الطلب، مع انتظار صدور بيانات دول أخرى، مشيرًا إلى أن انخفاض النمو الاقتصادي في دول مثل الفلبين يرجّح تسجيل مزيد من التراجع في استهلاك النفط.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق