أمن الطاقة الإقليمي.. بُعد مهم لاتفاقية مكة للدفاع المشترك (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- حرب إيران استهدفت البنية التحتية للطاقة في الخليج وعطّلت الممرات البحرية الحيوية
- السعودية توفر التمويل والعمق الإستراتيجي وأصول الطاقة الرئيسة التي تتطلب الحماية
- المنطقة الشرقية في السعودية تضم معظم البنية التحتية لمعالجة النفط وتصديره
- أمن الإمدادات الإقليمي سيتحسّن إذا أصبحت البنية التحتية للإنتاج والتصدير السعودية أكثر مرونة
يمثّل أمن الطاقة الإقليمي في الشرق الأوسط بُعدًا مهمًا لاتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا، التي وُقِّعت رسميًا يوم 7 أغسطس/آب 2026.
وظهرت هذه الاتفاقية في ظل حرب طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، استهدفت البنية التحتية للطاقة في الخليج العربي وعطّلت الممرات البحرية الحيوية.
وتستند الاتفاقية إلى اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك الموقّعة في سبتمبر/أيلول 2025 بين الرياض وإسلام آباد، التي تَعُدّ أيَّ هجوم على أيٍّ من البلدين بمثابة هجوم على كليهما، وتشمل جميع الوسائل العسكرية. ويضيف هذا الترتيب الثلاثي إلى تركيا قدراتها العسكرية المتكاملة مع حلف الناتو، وقدراتها البحرية والطائرات المسيّرة المتقدمة، وقاعدتها الصناعية الدفاعية.
أمن الطاقة ومعالجة نقاط الضعف
تسهم باكستان بقوات مسلحة ذات خبرة، وقدرات عملياتية، وردع نووي، في حين توفّر السعودية التمويل، والعمق الإستراتيجي، وأصول الطاقة الرئيسة التي تتطلب الحماية.
ومن منظور أمن الطاقة الإقليمي، تسعى الاتفاقية إلى معالجة نقاط الضعف التي تؤثّر في منشآت النفط السعودية، وخطوط الأنابيب التركية ومراكز الطاقة، والطرق البحرية عبر مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.

حماية المنشآت النفطية السعودية
تضم المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية معظم البنية التحتية لمعالجة وتصدير النفط، بما في ذلك بقيق ورأس تنورة.
وواجهت هذه المنشآت تهديدات متكررة من الطائرات المسيّرة والصواريخ من إيران ووكلائها الإقليميين منذ تصاعد الحرب في أواخر فبراير/شباط 2026.
وكشفت عمليات اعتراض الطائرات المسيّرة وتصريحات الحوثيين عن الهجمات عن قصور الدفاعات الحالية، حتى مع التنسيق الأميركي.
وتشمل عمليات الانتشار الباكستانية الممولة سعوديًا -بحسب التقارير- نحو 8 آلاف جندي، ونحو 16 مقاتلة من طراز جيه إف-17، ووحدات طائرات مسيّرة، ونظام دفاع جوي صيني من طراز إتش كيو-9 متمركز بالقرب من المنشآت الحيوية.
وتسهم هذه الأصول في تقليص أوقات الاستجابة وإضافة أجهزة استشعار وصواريخ اعتراضية إلى شبكة الدفاع في المملكة.
ويسمح إطار الدفاع الثنائي بمزيد من عمليات الانتشار إذا اشتد التهديد.
ويمكن لتركيا أن تُكمّل هذا الوجود من خلال أنظمة متطورة غير مأهولة، وتدريب متوافق مع معايير حلف شمال الأطلسي، وتكامل القيادة والسيطرة.
واستنادًا إلى عقد طائرات بايكار المسيّرة لعام 2023 واتفاقيات نقل التقنيات ذات الصلة، يُمكن لأنقرة تعزيز المراقبة والدفاع الموضعي حول مصانع المعالجة ومرافق التخزين ومحطات التصدير، ما يعزز من أمن الطاقة.
ومن شأن التدريبات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية وبنية الدفاع الجوي المتكاملة أن ترفع تكلفة الهجمات التي تستعمل الطائرات المسيّرة أو الصواريخ الباليستية.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يُمكن لهذه الإجراءات القضاء على التهديد تمامًا وحفظ أمن الطاقة، فـ"تكتيكات" الهجوم الجماعي والهجمات المكثفة وكثرة مواقع الإطلاق المحتملة تُبقي على بعض نقاط الضعف.
رغم ذلك، فإن دمج الأفراد والأصول الجوية الباكستانية مع القدرات التقنيّة التركية قد يدعم أمن الطاقة بتوفير حماية أقوى من الأنظمة الوطنية المنفصلة، لا سيما مع تراجع الثقة في الضمانات الأمنية الخارجية.
خطوط أنابيب تركيا ومراكز الطاقة
تُعدّ تركيا دولةً محوريةً لعبور الطاقة ومركزًا رئيسا لها، إذ ينقل خط أنابيب ترك ستريم، بسعة 31.5 مليار متر مكعب، وخط بلو ستريم الغاز الروسي تحت سطح البحر الأسود.
وينقل خط أنابيب تاناب الغاز الأذربيجاني عبر ممر الغاز الجنوبي، في حين يربط خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، ومحطة جيهان النفطية، والبنية التحتية المتنامية للغاز المسال، تركيا بالأسواق الأوروبية والإقليمية. وتعزز هذه الأصول مجتمعةً دور أنقرة بصفتها طريقًا لتنويع مصادر الطاقة عندما تصبح الإمدادات عبر الخليج العربي أقل موثوقية.
وتواجه هذه المنشآت مخاطر غير مباشرة ناجمة عن النزاعات الإقليمية، والتوترات في البحر الأسود، والهجمات الإلكترونية، وارتفاع تكاليف التأمين والتشغيل.
وتدعم اتفاقية الدفاع حمايتها أساسًا من خلال الردع والمراقبة وبناء القدرات، بدلًا من إنشاء قواعد عسكرية أجنبية دائمة.
بدوره، يمكن للتمويل السعودي والخبرة التشغيلية الباكستانية أن يُسهما في تعزيز الأمن، بما في ذلك أمن الطاقة، من خلال توسيع نطاق المراقبة البحرية والجوية التركية لمداخل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود.
ويمكن لبرامج التقنية المشتركة أن تُسرّع إنتاج أجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة وأنظمة الدوريات البحرية المصممة لحماية خطوط الأنابيب والمواني والمحطات؛ ما يدعم أمن الطاقة في تركيا.
وتُثير عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعض التعقيدات، إذ يجب أن تظل التزاماتها بموجب هذا الاتفاق الثلاثي متوافقة مع التزامات الحلف.
وفي الوقت نفسه، يُمكن أن تُسهم تجربة الناتو في تحسين التخطيط، وقابلية التشغيل البيني، والمعايير التشغيلية، وإذا أُديرت الاتفاقية بعناية، يُمكنها أن تُعزز مصداقية تركيا بصفتها بديلًا مستقرًا لنقل الطاقة، وتدعم تطوير روابط الطاقة والنقل عبر بحر قزوين.

الممرات البحرية الإستراتيجية
قبل الحرب، كان مضيق هرمز ينقل ما يقارب خُمس تدفقات النفط والغاز المسال العالمية.
وأدت حرب عام 2026 إلى فترات من شبه الإغلاق، وانخفاض حادّ في حركة الملاحة التجارية، وارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى ما بين 7.5% و10% من قيمة السفينة، مقارنةً بجزء ضئيل من النسبة المئوية في زمن السلم.
وتوسَّع اختلال أمن الطاقة، إذ واجه باب المندب وجنوب البحر الأحمر هجمات الحوثيين وتهديدات الحصار ضد الشحن المرتبط بالسعودية. وتبعًا للمسار والسفينة، ارتفعت أقساط التأمين إلى ما بين 0.5% و3%، في حين زادت أسعار الشحن ورسوم الأمن الإضافية.
لذا؛ يمكن للتعاون البحري الثلاثي أن يُحقق تحسينات محدودة، ولكنها مفيدة.
وتشغّل تركيا وباكستان سفنًا سطحية حديثة وغواصات وأنظمة بحرية غير مأهولة متطورة، في حين تواصل السعودية توسيع قدراتها البحرية.
ويمكن للدوريات المشتركة، ودمج المعلومات الاستخباراتية، وإجراءات المواكبة، والمراقبة البحرية المشتركة أن تقلل من فاعلية الهجمات على ناقلات النفط، وترفع مستوى المضايقات الانتهازية.
بالمثل، يمكن للخبرة العملياتية الباكستانية والتركية، إلى جانب التمويل السعودي وتمركز القوات السعودية، أن تدعم وجودًا مستدامًا بالقرب من باب المندب ومداخل خليج عُمان.
رغم ذلك، لا يُمكن لأيٍّ من القوات البحرية الـ3 تأمين مضيق هرمز بمفردها في مواجهة دولة عازمة تمتلك قدرات منع الوصول والسيطرة على المنطقة.
لذا، تكمن القيمة البحرية الرئيسة للاتفاقية في الردع، والتقييم الظرفي، وتحسين حماية الملاحة البحرية المرتبطة بالتحالف، بدلًا من السيطرة الكاملة على الممرات المائية الحيوية.
التأثيرات في أسعار النفط، وتكاليف الشحن، وأقساط التأمين، وأمن الإمدادات
من شأن تعزيز الدفاعات حول منشآت النفط السعودية أن يقلل من احتمال حدوث اضطراب كبير يشمل أحد أكبر مصدري النفط في العالم؛ ما يخفض جزءًا من علاوة المخاطر الجيوسياسية المتضمنة في أسعار النفط. وإذا رأت الأسواق أن الاتفاقية تُورِّط أعضاءها بشكل أعمق في الحرب، فقد ترتفع الأسعار.
وسيزيد الغموض المحيط بالدور النووي الباكستاني من حساسية السوق للتصعيد.
لذا؛ فإن التأثير الأرجح على المدى القريب هو انخفاض طفيف في المخاطر التي تواجه الإنتاج السعودي، بدلًا من انخفاض كبير في الأسعار.
ستستجيب أسواق الشحن والتأمين بشكل أسرع لتحسين الأمن البحري.
وتُمثل الدوريات الفاعلة، وقواعد الاشتباك الأكثر وضوحًا، وانخفاض عدد الهجمات الناجحة، عوامل قد تشجع شركات التأمين على خفض أقساط مخاطر الحرب، وتقنع شركات الشحن باستئناف مساراتها المعتادة.
من ناحية ثانية، فإن تعزيز الوعي المشترك بالمجال البحري، وترتيبات المواكبة، قد يخفض التكاليف بشكل أسرع من التدابير الوطنية غير المنسّقة.
وسيتحسن أمن الإمدادات الإقليمي إذا أصبحت البنية التحتية للإنتاج والتصدير السعودية أكثر مرونة، واكتسبت خطوط أنابيب تركيا مصداقية بصفتها بدائل موثوقة.
وسيتدهور الوضع، ما ينعكس سلبًا على أمن الطاقة، إذا زادت الاتفاقية من احتمال الحرب، أو شجع على شنّ هجمات على البنية التحتية المرتبطة بالأعضاء الـ3.

المرونة في مواجهة التنافس بين التكتلات وتزايد المخاطر
قد تُعزز الاتفاقية مرونة قطاع الطاقة الإقليمي من خلال تنويع الجهات الأمنية المُشارِكة إلى جانب الولايات المتحدة، ودمج موارد مُتكاملة: التقنية والتصنيع الدفاعي التركي، والخبرة العملياتية الباكستانية، والتمويل السعودي.
وقد تُسهم التزامات الدفاع الجماعي في ردع الهجمات عبر زيادة التكاليف العسكرية والسياسية المُتوقعة لاستهداف البنية التحتية الحيوية لأيّ عضو.
ويمكن لهذا الترتيب نفسه أن يُؤدي إلى تكثيف التنافس بين التكتلات، وإن إضفاء الطابع الرسمي على تكتُّل أمني ذي أغلبية سُنّية يضم دولة نووية قد يُعمّق المخاوف الإيرانية، ويُشجع على الاستعدادات العسكرية المُضادة، ويرفع من حدّة المخاطر المُحتمَلة في الحوادث المستقبلية.
وقد تُصبح البنية التحتية للطاقة هدفًا أكثر جاذبية إذا ما عَدَّ الخصوم الهجمات عليها وسيلةً لفرض تكاليف على التحالف أو لاختبار مصداقيته.
كما قد يُعزز الغموض النووي الردع، ولكنه يُؤدي إلى مخاطر تصعيد غير موجودة في الترتيبات التقليدية البحتة.
ويُمثّل موقف باكستان تحديًا إضافيًا، فقد سعت إسلام آباد إلى الحفاظ على دور الوساطة مع إيران، في حين تُعَدّ شريكًا أمنيًا للسعودية.
وقد تُضعف الالتزامات العسكرية المفرطة تجاه الرياض هذه المرونة، وتُجرّ باكستان إلى حروب تتجاوز مصالحها الإستراتيجية الأساسية.
بصورة عامة، يُرجّح أن تُعزّز الاتفاقية مرونة قطاع الطاقة أكثر من زيادة المخاطر الإجمالية، شريطة أن تظلّ دفاعيًة، وأن تتبنّى أهدافًا بحرية واقعية، وأن تدير الإشارات النووية بعناية.
وستعتمد فاعلية الاتفاقية على تكامل الدفاعات الجوية والصاروخية حول المنشآت السعودية، والقدرة على الحفاظ على وجود بحري موثوق دون توسُّع مفرط، وما إذا كان التحالف سيُسهم في تعزيز أمن الطاقة واستقرار المنطقة أم في زيادة استقطابها.
وفي ظلّ بيئة كشفت فيها الاضطرابات بمضيق هرمز والبحر الأحمر عن هشاشة سلاسل إمداد الطاقة العالمية، فإنّ توفير حماية أفضل لدولة منتجة رئيسة ودولة عبور حيوية سيُسهم إسهامًا ملموسًا في أمن الطاقة، حتى وإن أعاد تشكيل المنافسة الإقليمية.
* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- حل واحد لأزمة مضيق هرمز.. وتفاصيل أحداث مصفاة جازان السعودية (تقرير)
- أرامكو السعودية تعتمد خطة بديلة لتصدير النفط بعد إغلاق مضيق هرمز
- الحجي: إغلاق مضيق هرمز أفقد العالم صادرات 3 مصافٍ خليجية.. وهذه تبعاته
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في النصف الأول 2026 (ملف خاص)
- واردات مصر من الغاز المسال تسجل رقمًا قياسيًا.. ودولة واحدة تؤمّن 92%
- نقل الهيدروجين.. أداة جديدة تحدد أفضل الخيارات (دراسة)





