الحجي: إغلاق مضيق هرمز أفقد العالم صادرات 3 مصافٍ خليجية.. وهذه تبعاته
أحمد بدر

أعاد مضيق هرمز إلى الواجهة أحد أخطر السيناريوهات التي يمكن أن تواجه أسواق الطاقة العالمية، بعدما أدى توقف الملاحة خلال الأزمة إلى فقدان العالم كميات ضخمة من المنتجات النفطية المكررة، وهو ما تسبّب في موجة اضطرابات امتدت سريعًا إلى الأسواق الدولية.
وأشار مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إلى أن كثيرًا من المحللين ركزوا على صادرات النفط الخام، في حين تجاهلوا التأثير الأكبر الناتج عن توقف صادرات المنتجات النفطية القادمة من أكبر مصافي الخليج.
وأوضح أن إغلاق مضيق هرمز لم يؤثر في شحنات الخام وحدها، إنما تسبب أيضًا في اختفاء كميات هائلة من البنزين والديزل ووقود الطائرات والزيوت الصناعية من الأسواق، وهو ما أدى إلى تغيرات واسعة في حركة التجارة وأسعار الوقود حول العالم.
وأضاف الخبير العالمي أن تداعيات الأزمة تجاوزت حدود المنطقة سريعًا، بعدما اتخذت دول كبرى إجراءات لحماية أسواقها المحلية، بالتزامن مع اتجاه عدد كبير من الشركات إلى تخزين المنتجات النفطية بدلًا من بيعها، انتظارًا لمزيد من ارتفاع الأسعار.
وجاءت تصريحات الدكتور أنس الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيّات الطاقة"، قدّمها هذا الثلاثاء على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" ومنصات أخرى بعنوان: "أوجه أزمة الطاقة العالمية.. 3 بحار و3 مصافٍ و3 أسواق".
الأسواق خسرت صادرات 3 مصافٍ عملاقة
قال أنس الحجي إن السبب الأساسي الذي تجاهله كثير من المحللين عند تقييم أزمة الطاقة يتمثّل في توقف صادرات 3 من أكبر المصافي الخليجية، وهي مصفاة الزور الكويتية، ومصفاة الرويس الإماراتية، ومصفاة رأس تنورة السعودية، بعد إغلاق مضيق هرمز.
وأوضح أن هذه المصافي تُعدّ من أكبر وأحدث منشآت التكرير في العالم، وتمثّل مصدرًا رئيسًا لإمدادات المنتجات النفطية للأسواق العالمية، ولذلك فإن توقف صادراتها انعكس سريعًا على ميزان العرض والطلب، وليس على تجارة النفط الخام فقط.
وأضاف أن العالم خسر في الأيام الأولى للأزمة كميات ضخمة من البنزين والديزل ووقود الطائرات، إلى جانب زيوت التشحيم والمنتجات البترولية الأخرى، إلا أن التأثير الأكبر انصب على المنتجات الثلاثة الأكثر استهلاكًا عالميًا.

وأشار أنس الحجي إلى أن توقف صادرات هذه المنتجات تسبب في حالة هلع داخل الأسواق، لأن المستهلكين والمستوردين وجدوا أنفسهم أمام نقص مفاجئ في الإمدادات، في حين احتاجت المصافي البديلة إلى وقت لتعويض جزء محدود من الكميات المفقودة.
وأكد أن مضيق هرمز تحول خلال الأزمة إلى نقطة الاختناق الرئيسية في تجارة المنتجات النفطية، بعدما أدى إغلاقه إلى تعطيل صادرات المصافي الخليجية، وهو ما أحدث اضطرابًا واسعًا تجاوز تأثيره خسارة شحنات النفط الخام وحدها.
ولفت إلى أن تجاهل هذه الحقيقة دفع كثيرًا من المحللين إلى التقليل من حجم الأزمة في بدايتها، رغم أن أسواق المنتجات النفطية كانت الأكثر تعرضًا للصدمات، مقارنة بأسواق الخام التي تمتلك بدائل نقل وإمدادات أكبر نسبيًا.
واختتم هذا المحور بتأكيده أن فهم الأزمة يبدأ من إدراك الدور المحوري للمصافي الثلاث، لأن فقدان صادراتها كان الشرارة الأولى التي أطلقت سلسلة من الاضطرابات السعرية والتجارية امتدت إلى مختلف أنحاء العالم.
الدول الكبرى تقيّد الصادرات
قال أنس الحجي إن الأزمة لم تتوقف عند خسارة المنتجات النفطية القادمة من المصافي الخليجية، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا بعدما سارعت عدة دول كبرى إلى اتخاذ إجراءات هدفت إلى حماية الأسواق المحلية من أي نقص محتمل في الإمدادات.
وأوضح أن الصين، بصفتها واحدة من أكبر مصدّري المنتجات النفطية في العالم، فرضت حظرًا كاملًا على تصدير هذه المنتجات، في خطوة هدفت إلى ضمان تلبية الطلب المحلي، لكنها زادت الضغوط على الأسواق العالمية بعد أزمة مضيق هرمز.
وأضاف أن الهند، التي تمتلك كذلك طاقات تكرير ضخمة، لم تلجأ إلى الحظر الكامل، لكنها فرضت ضرائب على صادرات المنتجات النفطية، وهو ما قلّص الكميات المتاحة للتصدير ورفع تكاليف الإمدادات بالنسبة إلى العديد من الدول المستوردة.

وأشار أنس الحجي إلى أن كوريا الجنوبية اتخذت مسارًا مختلفًا؛ إذ فرضت قيودًا على الشركات المنتجة، وألزمتها بتوجيه جزء كبير من الإنتاج إلى الأسواق الداخلية، مع السماح بتصدير الكميات الفائضة فقط، لتجنّب حدوث نقص محلي.
وأكد أن مضيق هرمز كان الشرارة الأولى للأزمة، لكن القرارات التي اتخذتها الدول الكبرى ضاعفت آثارها، بعدما انخفضت الكميات المتاحة للتجارة الدولية بصورة أكبر، مقارنة بما سببه توقف صادرات المصافي الخليجية وحدها.
ولفت إلى أن الأسواق دخلت في حالة هلع واسعة، بعدما توقع المتعاملون استمرار ارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات، وهو ما دفع كثيرًا من التجار إلى تأجيل عمليات البيع والاحتفاظ بالمخزونات لتحقيق مكاسب أكبر لاحقًا.
كما أشار الحجي إلى أن عمليات التخزين والاحتكار أدت إلى تفاقم النقص في المنتجات النفطية، لأن كميات كبيرة بقيت خارج الأسواق، الأمر الذي سرّع وتيرة ارتفاع الأسعار، ورسخ حالة عدم اليقين في التجارة العالمية.
مسار الناقلات وارتفاع الأسعار
قال أنس الحجي إن حالة الارتفاع المستمر في الأسعار دفعت العديد من التجار إلى إعادة بيع الشحنات وهي في عرض البحر، موضحًا أن ناقلة تحمل الديزل كانت متجهة من الهند إلى جنوب أفريقيا غيّرت وجهتها أكثر من مرة بسبب تغير المشترين.
وأوضح أن الناقلة، بعدما اقتربت من سواحل شرق أفريقيا، اشترتها جهة في سنغافورة، فغيّرت مسارها شمالًا، ثم انتقلت ملكيتها لاحقًا إلى شركة صينية، قبل أن تشتريها شركة يابانية، فواصلت رحلتها نحو اليابان.
وأضاف أن هذه الواقعة لم تكن حالة فردية، بل تكررت مع مئات السفن التي كانت تحمل الديزل والبنزين ووقود الطائرات والغاز المسال والغازات السائلة، في ظل السباق العالمي للحصول على الإمدادات بعد أزمة مضيق هرمز.

ولفت أنس الحجي إلى أن استمرار تغيير وجهات السفن أدى إلى بقاء كميات ضخمة من المنتجات النفطية عائمة في البحار، بدلًا من وصولها إلى الأسواق المستهدفة، وهو ما زاد حجم النقص الفعلي في الإمدادات العالمية.
وأكد أن مضيق هرمز لم يتسبب فقط في تعطيل التجارة، إنما أطلق سلسلة متتابعة من الاضطرابات اللوجستية، انعكست على حركة السفن وأسواق الوقود، وأسهمت في تسجيل مستويات تاريخية لأسعار العديد من المنتجات النفطية.
وأشار إلى أن أسعار النفط في اليابان بلغت أعلى مستوياتها التاريخية بالين، كما سجلت أسعار الديزل ووقود الطائرات في أوروبا مستويات قياسية، في حين ارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.
واختتم الحجي بتأكيده أن المخاطر ما تزال تمتد إلى مضيق باب المندب، فالناقلات التي تعبره حاليًا وتحمل النفط السعودي معظمها أجنبية، في حين يثير استهدافها المحتمل مخاوف من كارثة بيئية وتعطيل جديد لحركة التجارة العالمية.
يأتي ذلك، وفق الدكتور أنس الحجي، في وقت تواصل فيه المملكة العربية السعودية تصدير ما بين 4.5 و5 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام، وذلك بعد التعافي الجزئي من أزمة إغلاق مضيق هرمز، التي ما تزال تشكّل تهديدًا.
موضوعات متعلقة..
- أنس الحجي: صناعة النفط تواجه تراجع الكفاءات.. والذكاء الاصطناعي لن يحل الأزمة
- أنس الحجي: إغلاق مضيق هرمز مؤثر في الذكاء الاصطناعي والوقود الحيوي
- الذكاء الاصطناعي بقطاع الطاقة في 2025.. 5 دول عربية تتصدر التحول
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
المصدر:





