التقاريرتقارير الهيدروجينرئيسيةهيدروجين

حرق الهيدروجين الرمادي.. هل يُسهم في إزالة الكربون من قطاع الكهرباء؟ (تقرير)

نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • التحول من حرق الغاز الطبيعي إلى حرق الهيدروجين الرمادي لا يُقلل الانبعاثات
  • نظام خلية وقود بغشاء التبادل البروتوني يحقق كفاءة تُقارب 55%
  • الفجوة تتقلّص مع ارتفاع أسعار الكربون وانخفاض تكاليف إنتاج الهيدروجين الأخضر
  • تحويل الهيدروجين إلى خلايا وقود يتفوّق على الاحتراق بغض النظر عن لون الهيدروجين

يؤدي حرق الهيدروجين الرمادي في توربين غازي لتوليد ميغاواط واحد من القدرة الكهربائية الصافية إلى إنتاج نحو 857 كيلوغرامًا من ثاني أكسيد الكربون/ساعة، مقارنةً بـ577 كيلوغرامًا/ساعة عند حرق الغاز الطبيعي عند مستوى الإنتاج نفسه.

وينتج الهيدروجين الرمادي، عبر إعادة تشكيل الميثان بالبخار دون احتجاز الكربون، ما بين 9 و11 كيلوغرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوغرام من الهيدروجين المُنتَج، وفقًا لما اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

لذا فإن أي قرار سياسي أو متعلق بالبنية التحتية بالتحوّل من حرق الغاز الطبيعي إلى حرق الهيدروجين الرمادي لا يُقلل الانبعاثات، بل يزيدها بنحو 50%، مع إضافة تكلفة إنتاج الهيدروجين وتعقيده وتخزينه وتوزيعه.

وتُعد هذه هي النتيجة الأكثر دقة من تحليل السيناريو الديناميكي الحراري الذي نشره باحثون من جامعة إسطنبول أطلس وجامعة إسطنبول جيليشيم في أغسطس/آب 2026، ولها آثار مباشرة في طريقة توجيه استثمارات الهيدروجين في السياقات الصناعية وتوليد الكهرباء.

إنتاج الطاقة الكهربائية الصافية

تقارن الدراسة 5 سيناريوهات عند حد ثابت لإنتاج الطاقة الكهربائية الصافية يبلغ ميغاواط واحدًا، بحسب تقرير نشرته منصة "إنرجي نيوز".

ويشمل ذلك احتراق الغاز الطبيعي بصفته مرجعًا، واحتراق الهيدروجين الرمادي، واستعمال الهيدروجين الرمادي في خلية وقود بغشاء تبادل بروتوني، واحتراق الهيدروجين الأخضر، واستعمال الهيدروجين الأخضر في خلية وقود بغشاء تبادل بروتوني.

ويُعدّ اختيار تثبيت الإنتاج بدلًا من مدخلات الوقود ذا أهمية بالغة، لأنه يُجبر على إجراء مقارنة عادلة لكمية الموارد التي يتطلّبها كل مسار لإنتاج العمل المفيد نفسه.

وتُظهر النتائج أن المسار الذي يجمع بين الهيدروجين الأخضر والتوليد باستعمال خلية وقود بغشاء تبادل بروتوني يحقق أقل بصمة كربونية وأعلى كفاءة ديناميكية حرارية بين جميع السيناريوهات المدروسة.

رغم ذلك، فإن الوصول إلى هذه النتيجة يمر عبر تسلسل نشر للبنية التحتية والتكنولوجيا لا تتوافق معه أولويات الاستثمار الحالية في قطاع الهيدروجين بصورة متسقة.

معدات إعادة تشكيل الميثان بالبخار في مصفاة الجبيل النفطية العملاقة في السعودية
معدات إعادة تشكيل الميثان بالبخار في مصفاة الجبيل النفطية العملاقة في السعودية - الصورة: من توتال إنرجي

ما الذي يُضيفه تحليل الإكسرجي إلى حسابات الكربون؟

تُحدد كفاءة الطاقة، وفقًا للقانون الأول للديناميكا الحرارية، نسبة الوقود المُدخل الذي يتحول إلى طاقة كهربائية مُفيدة.

بدوره، يحقق نظام احتراق الغاز الطبيعي كفاءة طاقة تُقارب 35%، في حين يحقق نظام خلية وقود بغشاء التبادل البروتوني كفاءة تُقارب 55%.

وتُرجّح هذه الأرقام كفة خلية الوقود بصورة ملحوظة، لكنها لا تُغطي الصورة الكاملة لاستعمال الموارد.

ويُحدد تحليل الإكسرجي (الطاقة المتاحة في النظام)، المُستند إلى القانون الثاني للديناميكا الحرارية، مقدار الطاقة النظرية القصوى المُهدرة في الوقود نتيجةً للتفاعلات اللاعكوسية في أثناء التحويل، خصوصًا من خلال توليد التدفق في عمليات الاحتراق ذات درجات الحرارة العالية.

وبالنسبة إلى نظام الغاز الطبيعي المرجعي بقدرة 1 ميغاواط، تبلغ طاقة الإكسرجي المُدخلة 2.97 ميغاواط، وكفاءة طاقة الإكسرجي 33.7%، ما يعني أن 66.3% من الطاقة النظرية للوقود تُهدر بدلًا من تحويلها إلى كهرباء مفيدة.

وبالنسبة إلى نظام خلايا وقود الهيدروجين الأخضر بتقنية غشاء تبادل البروتونات، تبلغ طاقة الإكسرجي المُدخلة 2.15 ميغاواط، وكفاءة طاقة الإكسرجي 46.5%، ما يُقابله فقدان 53.5% من طاقة الإكسرجي.

ويعكس انخفاض فقدان طاقة الإكسرجي بنسبة 42% بين النظامَين الميزة الديناميكية الحرارية الأساسية للمسار الكهروكيميائي؛ إذ تتجنّب خلايا وقود بغشاء تبادل بروتوني عمليات اللاعكوسية الكبيرة المرتبطة بالاحتراق عند درجات الحرارة العالية، وما يتبعه من تحويل الحرارة إلى شغل محدود بقانون كارنو.

وهي لا تخضع لقيد فارق درجات الحرارة الذي يحد من كفاءة أي محرك حراري.

ونتيجةً لذلك، يتطلّب نظام خلايا وقود الهيدروجين الأخضر كمية وقود أقل بنسبة 36% تقريبًا من احتراق الغاز الطبيعي لإنتاج القدرة الكهربائية نفسه.

ومع تكاليف إنتاج الهيدروجين الأخضر الحالية التي تتراوح بين 5 و8 يوروات (5.76 و9.22 دولارًا) للكيلوغرام في أوروبا، تُعوض ميزة الكفاءة هذه جزئيًا فرق التكلفة مقارنةً بالغاز الطبيعي، وإن لم تُلغِه تمامًا في ظل أسعار الكربون السائدة.

وتتقلّص الفجوة بصورة أسرع مع ارتفاع أسعار الكربون وانخفاض تكاليف إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهو المسار الذي يفترضه كل من مراجعة الهيدروجين الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية وأهداف الهيدروجين المحدثة للمفوضية الأوروبية.

مصيدة الهيدروجين الرمادي

إن النتيجة الأكثر صلة بالسياسة في مقارنة السيناريوهات ليست تفوق الهيدروجين الأخضر مع خلايا الوقود، وهذه النتيجة متوقعة وموثقة جيدًا.

وتتمثّل النتيجة الأكثر إثارة للقلق في مدى ضعف أداء احتراق الهيدروجين الرمادي، مقارنة بكل من خط الأساس للغاز الطبيعي وبديل خلية وقود الهيدروجين الرمادي.

في غضون ذلك، فإن احتراق الهيدروجين الرمادي، بمعدل 857 كيلوغرامًا من ثاني أكسيد الكربون/ساعة لإنتاج ميغاواط واحدة، يتجاوز خط الأساس للغاز الطبيعي بمقدار 280 كيلوغرامًا من ثاني أكسيد الكربون/ساعة.

والآلية واضحة ومباشرة: إن إنتاج الهيدروجين من الميثان عن طريق إعادة تشكيل الميثان بالبخار دون احتجاز الكربون هو في حد ذاته عملية كثيفة استهلاك الطاقة.

وتؤدي هذه التقنية إلى انبعاث الكربون، وحرق الهيدروجين الناتج بكفاءة طاقة تتراوح بين 30% و40% يؤدي إلى تدمير جزء كبير من القيمة الحرارية التي استُخرجت من الغاز الطبيعي في المقام الأول.

والسبب الوحيد لمتابعة هذا المسار هو إذا كان يُعتقد أن الاستثمار في البنية التحتية للاحتراق ضروري قبل توفر إمدادات الهيدروجين الأخضر، ويمكن تحويل البنية التحتية الحالية لاحقًا إلى إمدادات الهيدروجين الأخضر.

وتعتمد هذه الحجة على التكلفة والجدول الزمني لتوافر الهيدروجين الأخضر ومصداقية التزام التحويل.

ويُعد مسار خلايا وقود الهيدروجين الرمادي، عند نحو 545 كيلوغرامًا من ثاني أكسيد الكربون/ساعة، أفضل بصورة طفيفة من خط الأساس للغاز الطبيعي في إجمالي الانبعاثات، ولكن ليس لأن الهيدروجين أنظف عند نقطة الاستعمال.

وهو خيار أفضل، لأن كفاءة التحويل الأعلى لخلية الوقود تتطلّب كمية أقل من الهيدروجين ليُنتج ويُستعمل للناتج الكهربائي نفسه، وبالتالي تكون الانبعاثات الأولية الناتجة عن إنتاج الهيدروجين أقل في المقابل. وهذه صورة ضعيفة من صور خفض الانبعاثات، وتعتمد بصورة كاملة على عدم احتساب احتجاز الكربون الذي تفشل تقنيات احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه في توفيره، ويختفي تمامًا إذا استُعملت حدود دورة حياة البئر بدلًا من تقييم الكربون المبسط.

تحويل الهيدروجين إلى خلايا وقود

يُظهر النمط الثابت في جميع السيناريوهات الـ5 أن تحويل الهيدروجين إلى خلايا وقود يتفوّق على الاحتراق بغض النظر عن لون الهيدروجين.

وتنتج عن احتراق الهيدروجين الأخضر انبعاثات مباشرة شبه معدومة، ولكنه يحقق كفاءة طاقة متاحة تتراوح بين 30 و40% فقط، ما يهدر أكثر من 60% من الطاقة الديناميكية الحرارية الكامنة في الهيدروجين الأخضر، التي تتطلّب كميات كبيرة من الكهرباء المتجددة لإنتاجها.

أما الهيدروجين الأخضر المُنتَج عبر التحليل الكهربائي بكفاءة تتراوح بين 65 و75% تقريبًا، ثم احتراقه بكفاءة 35%، فيمثّل دورة كاملة من الكهرباء المتجددة إلى طاقة كهربائية مفيدة بكفاءة إجمالية تتراوح بين 23 و26% تقريبًا.

في المقابل، تحقق الكهرباء المتجددة نفسها المُوَصَّلة مباشرةً إلى المستهلك تحويلًا بنسبة 100% بحكم التعريف، وعند توجيهها عبر محلل كهربائي وخلية وقود بغشاء تبادل بروتوني، تصل كفاءة الدورة الكاملة إلى نحو 36%.

ويُشير هذا إلى أن برامج مزج الهيدروجين في توربينات الغاز، التي تتبناها العديد من شركات المرافق والمشغلون الصناعيون الأوروبيون، تُمثل استثمارًا في البنية التحتية والامتثال التنظيمي، ما يُرسخ عدم الكفاءة الديناميكية الحرارية.

فمزيج الهيدروجين بنسبة 20% في توربينات الغاز الطبيعي يُحقّق خفضًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7% تقريبًا من مرحلة الاحتراق، مع تحسين طفيف جدًا في كفاءة الطاقة المتاحة لعملية التحويل، نظرًا إلى هيمنة اللاعكوسية الحرارية للاحتراق بغض النظر عن نسبة الهيدروجين.

وفي حال كون الهدف هو خفض الانبعاثات وتحسين الاستدامة الديناميكية الحرارية في آنٍ واحد، فإن جدوى الاستثمار في تعديل الاحتراق التدريجي تُصبح ضعيفة مقارنةً بجدوى نشر خلايا الوقود على نطاق واسع، بحسب تقرير اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر في بلدة هارجافالتا بفنلندا
مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر في بلدة هارجافالتا بفنلندا - الصورة من صن فاير

أين يحدث الفقد الحقيقي في كفاءة أنظمة الهيدروجين الأخضر؟

يكشف تحليل مخطط سانكي في الدراسة عن أنه حتى في أفضل سيناريو أداء، وهو الهيدروجين الأخضر مع خلية وقود بغشاء تبادل بروتوني، يتركز فقدان الطاقة المتاحة في مرحلة الإنتاج وليس في مرحلة التحويل.

وينطوي التحليل الكهربائي نفسه على خسائر ديناميكية حرارية كبيرة: تتراوح كفاءة الطاقة في أجهزة التحليل الكهربائي حاليًا بين 65% و75% تقريبًا، وكفاءة الطاقة المتاحة بين 55% و70% تقريبًا، وذلك تبعًا لظروف التشغيل.

ويُحوّل جزء كبير من مدخلات الكهرباء المتجددة إلى حرارة مهدرة بدلًا من الطاقة الكيميائية المخزنة في الهيدروجين.

ولا تُؤخذ هذه الخسارة في المراحل الأولية في الحسبان عند حساب كفاءات مرحلة التحويل التي تُهيمن على النقاش العام حول أداء تكنولوجيا الهيدروجين.

وتبدو خلية وقود بغشاء تبادل بروتوني التي تحقق كفاءة كهربائية بنسبة 55% منافسة للغاية لتوربين غازي بكفاءة 35%، ولكن نطاق النظام ذا الصلة لتقييم إزالة الكربون يشمل السلسلة الكاملة من مدخلات الكهرباء المتجددة إلى القدرة الكهربائي النهائي.

وفق هذا الحد، يتميز نظام خلايا وقود الهيدروجين الأخضر بكفاءة دورة كاملة لا تحقق جدوى إلا في سياقات محددة، حيث يتعذّر نقل الكهرباء أو تخزينها في بطاريات بتكلفة أقل، وحيث يخدم الهيدروجين تطبيقات متعددة تشمل المواد الخام الصناعية أو التدفئة بالإضافة إلى الكهرباء.

ويؤكد مؤلفو الدراسة أن استعمال الهيدروجين وحده لا يضمن إزالة الكربون بفاعلية، وأن التقييمات القائمة على الطاقة وحدها غير كافية لتحديد المسارات التي تحقق الاستدامة الديناميكية الحرارية جنبًا إلى جنب مع خفض الانبعاثات.

إن توسيع هذا الإطار ليشمل التحليل الاقتصادي الحراري الذي يدمج حساب التكاليف مع قياس فقدان الطاقة المتاحة، من شأنه أن يسمح بترجمة أكثر مباشرة لاختلافات الأداء الديناميكي الحراري إلى توجيهات استثمارية وسياساتية.

وما يزال هذا التكامل عملًا مستقبليًا، لكن الأساس الديناميكي الحراري الذي حُدّد هنا يوفّر قدرًا كافيًا من التحديد للتمييز بين إستراتيجيات نشر الهيدروجين الفاعلة وتلك التي تُعد في المقام الأول أدوات للامتثال التنظيمي.

موضوعات متعلقة..

نرشح لكم..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق