تكنو طاقةتقارير التكنو طاقةتقارير الهيدروجينرئيسيةهيدروجين

إنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب.. دراسة تكشف التصميم الأمثل لخفض التكلفة

داليا الهمشري

قد يشهد إنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب زخمًا متزايدًا، مدفوعًا بوفرة موارد طاقتي الشمس والرياح، إلى جانب إستراتيجية وطنية تستهدف ترسيخ مكانة المملكة مركزًا إقليميًا لإنتاج الوقود النظيف وتصديره إلى الأسواق العالمية، ولا سيما الأوروبية.

وفي هذا الإطار، تتواصل الأبحاث العلمية لتطوير نماذج أكثر كفاءة للهيدروجين الأخضر، بما يضمن تعظيم الاستفادة من موارد الطاقة المتجددة المتاحة، وهو ما تناولته أطروحة دكتوراه حديثة ناقشت أداء منظومة هجينة لإنتاج الهيدروجين في 5 مواقع مغربية مختلفة.

وناقش الباحث في كلية العلوم بجامعة شعيب الدكالي بمدينة الجديدة، الصديق الصباحي، أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في تخصص هندسة أنظمة الطاقة، بعنوان: "نمذجة ومحاكاة نظام متعدد التقنيات لإنتاج الهيدروجين وتخزينه واستعماله بوصفه ناقلًا للطاقة".

وأُنجزت الأطروحة في إطار مختبر علوم هندسة الطاقة بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالجديدة، بالتعاون مع معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة "إيريسن".

وبعد مناقشة الأطروحة -التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- أمام لجنة التحكيم، مُنح الباحث شهادة الدكتوراه بميزة "مشرف جدًا"، وهي أعلى مرتبة تمنحها الجامعات المغربية.

نموذج لإنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب

تعتمد الدراسة على نمذجة أداء وحدة تجريبية مصغرة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بقدرة اسمية تبلغ 20 كيلوواط، ودمجها في منظومة هجينة تجمع بين الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح، مع تقييم أدائها الفني والاقتصادي في 5 مواقع مغربية.

وتعتمد الوحدة تقنية التحليل الكهربائي القاعدي للماء، وتُغذّى بالكهرباء المولدة من منظومة هجينة تضم الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، إلى جانب بطارية لتخزين الكهرباء.

إحدى الوحدات التجريبية لإنتاج الهيدروجين الأخضر المعتمدة في الدراسة لتقييم أداء المنظومة الهجينة في المغرب
إحدى الوحدات التجريبية لإنتاج الهيدروجين الأخضر المعتمدة في الدراسة لتقييم أداء المنظومة الهجينة في المغرب

وينطلق البحث من تحديد التصميم وآلية التشغيل المثلى لمنظومة إنتاج الهيدروجين الأخضر في ظل التذبذب الطبيعي لموارد طاقتي الشمس والرياح، بما يحقق توازنًا بين كمية الإنتاج، وعامل تشغيل المحلل الكهربائي، وأحجام تجهيزات إنتاج الكهرباء وتخزينها، والتكلفة النهائية لإنتاج كل كيلوغرام من الهيدروجين.

نموذج تجريبي متكامل

اعتمدت الأطروحة على نموذج كهروكيميائي شبه تجريبي للمحلل الكهربائي القاعدي، يصف منحنى الاستقطاب والكفاءة الفارادية وإنتاج الهيدروجين الأخضر، إلى جانب تأثير ظروف التشغيل والتدهور التدريجي في الأداء.

واستندت الدراسة إلى الخصائص الفنية لوحدة تجريبية حقيقية بقدرة 20 كيلوواط من طراز (McPhy PIEL-M M5.1)، الموجودة في منصة (Green Energy Park) بمدينة بنغرير، والتي تبلغ قدرتها القصوى لإنتاج الهيدروجين الأخضر نحو 3.4 أمتار مكعبة معيارية في الساعة.

كما دُمج النموذج الكهروكيميائي ضمن نموذج شامل لمنظومة هجينة تضم الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، وبطارية ليثيوم-أيون، وإلكترونيات القدرة.

واعتمدت الدراسة على محاكاة زمنية بدقة ساعة واحدة، استنادًا إلى بيانات مناخية لعام 2023، شملت الإشعاع الشمسي، وسرعة الرياح، ودرجة الحرارة، ومتغيرات مناخية أخرى.

ولتحديد الأحجام المثلى لمكونات المنظومة، استُعملت خوارزمية التحسين بأسراب الجسيمات (PSO)، بهدف خفض التكلفة المستوية لإنتاج الهيدروجين (LCOH).

مقارنة بين 5 مواقع مغربية

شملت الدراسة 5 مواقع، هي: بنغرير، والجديدة، والعيون، وطانطان، والداخلة، بهدف تقييم تأثير اختلاف الموارد الشمسية والريحية في أداء المنظومة وتكلفتها.

وامتدّ التقييم الاقتصادي إلى 25 عامًا، مع احتساب تكاليف الاستثمار والتشغيل والاستبدال، إلى جانب تأثير تدهور المحلل الكهربائي واستبدال حزمته عند بلوغ عدد ساعات التشغيل المحددة.

واقتصر نطاق الدراسة على تكلفة إنتاج الهيدروجين عند مخرج المحلل الكهربائي، دون احتساب مراحل الضغط والتخزين والنقل والتوزيع والاستهلاك النهائي.

وأظهرت النتائج أن مدينة الداخلة سجلت أقل تكلفة مستوية لإنتاج الهيدروجين بين المواقع المدروسة، بلغت نحو 3.18 دولارًا لكل كيلوغرام، عند عامل تشغيل أمثل للمحلل الكهربائي بلغ 50.85%.

وأرجعت الدراسة هذه النتيجة إلى التكامل بين موردي طاقتي الشمس والرياح في الداخلة، بما يسهم في تحسين تغذية المحلل الكهربائي وتقليل الحاجة إلى تجهيزات إضافية مرتفعة التكلفة.

تشغيل المحلل الكهربائي

أوضحت النتائج أن السعي إلى تشغيل المحلل الكهربائي بصورة شبه مستمرة قد يتطلب زيادة كبيرة في قدرات إنتاج الكهرباء وتخزينها، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع التكلفة الإجمالية للمشروع بدلًا من خفضها.

وتراوحت عوامل التشغيل المثلى، بحسب الموقع وجودة الموارد المتجددة، بين نحو 27% و51%، مما يؤكد أن جودة مصدري الطاقة من الشمس والرياح وتكاملهما تمثّل عاملًا حاسمًا في تحديد تكلفة إنتاج الهيدروجين، وأن ارتفاع الإشعاع الشمسي وحده لا يكفي لتقييم ملاءمة أيّ موقع.

كما أظهرت سيناريوهات الدراسة أن خفض عامل التشغيل المستهدف من 100% إلى 70% يمكن أن يقلل التكلفة المستوية لإنتاج الهيدروجين بنسبة تتراوح بين 39.6% و69.5%، مقابل انخفاض إجمالي الإنتاج من 69.09 طنًا إلى 48.96 طنًا، أي بنسبة 29.13%.

وبيّن تحليل الحساسية أن تكلفة البطاريات، وأسعار الألواح الشمسية، ومعدل الخصم، كانت العوامل الأكثر تأثيرًا في التكلفة المستوية لإنتاج الهيدروجين الأخضر، في حين ظل تأثير تكلفة المحلل الكهربائي محدودًا نسبيًا، إذ لم يتجاوز 0.5 دولار لكل كيلوغرام، وبقيت مساهمته في هيكل التكلفة أقل من 3% في سيناريو التشغيل المستمر.

كما أظهرت الدراسة أن خفض عامل التشغيل يمكن أن يؤخر استبدال حزمة المحلل الكهربائي إلى العام الـ13، نتيجة انخفاض ساعات التشغيل المتراكمة.

القيمة العلمية والتطبيقية

تتمثل القيمة العلمية للأطروحة في الربط بين نموذج كهروكيميائي شبه تجريبي للمحلل الكهربائي القاعدي ونموذج تحسين تقني واقتصادي لمنظومة هجينة متكاملة، بما يسمح بتمثيل الأداء الحقيقي للمحلل الكهربائي وتأثير التدهور والاستبدال في حساب التكلفة المستوية لإنتاج الهيدروجين.

كما تتيح المنهجية تحليل العلاقة بين إنتاج الكهرباء المتجددة وتخزينها وتشغيل المحلل الكهربائي وإنتاج الهيدروجين والتكلفة النهائية للمنظومة.

الباحث الصديق الصباحي خلال مناقشة أطروحة الدكتوراه حول إنتاج الهيدروجين الأخضر أمام لجنة التحكيم بجامعة شعيب الدكالي
الباحث الصديق الصباحي خلال مناقشة أطروحة الدكتوراه أمام لجنة التحكيم بجامعة شعيب الدكالي

وعلى المستوى التطبيقي، توفر الأطروحة إطارًا يمكن الاستفادة منه في دراسات ما قبل الجدوى، ومقارنة المواقع، وتحديد الأحجام المثلى لمكونات مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر الصغيرة والمتوسطة، مع إمكان تكييف النموذج وفق تغير أسعار المعدات، أو شروط التمويل، أو البيانات المناخية، أو الخصائص الفنية للمحللات الكهربائية.

وتخلص الدراسة إلى أن إنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب لا يعتمد فقط على وفرة الموارد المتجددة، بل يتطلب تصميمًا متكاملًا يوازن بين الموقع المختار، وعامل تشغيل المحلل الكهربائي، وحجم منظومة الكهرباء والتخزين، للوصول إلى أقل تكلفة ممكنة مع الحفاظ على كفاءة الإنتاج.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق