أنسيات الطاقةأسعار النفطالتقاريرتقارير النفطسلايدر الرئيسيةنفط

لماذا خفّضت أرامكو أسعار النفط السعودي في أغسطس؟ أنس الحجي يجيب

أحمد بدر

شهد قرار شركة أرامكو السعودية خفض أسعار البيع الرسمية للخام العربي الخفيف تساؤلات واسعة بالأسواق، بعدما ربطه محللون بتطورات سياسية أو مؤشرات على ضعف الطلب، في حين تكشف قراءة آليات التسعير عن أن القرار يرتبط بعوامل تجارية ولوجستية.

وأشار مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إلى أن كثيرًا من التفسيرات لقرار خفض الأسعار جاءت نتيجة سوء فهم طبيعة تسعير النفط السعودي، وآلية تحديد العلاوات الشهرية مقارنة بالخامات المتداولة عالميًا.

وأوضح أن قراءة قرارات أرامكو تتطلّب فهمًا دقيقًا لاختلاف نظام تسويق النفط السعودي عن خامات برنت وغرب تكساس ودبي وعمان؛ إذ تعتمد الشركة بصورة رئيسة على العقود طويلة الأجل، وليس على التداول في الأسواق الفورية أو المستقبلية.

وأضاف أن التغيّر الأخير في أسعار البيع الرسمية لا يمثّل حرب أسعار، ولا يعكس وجود فائض كبير في السوق، بل يعبّر عن استجابة تجارية مؤقتة فرضتها ظروف تدفق الإمدادات بعد إعادة فتح الملاحة عبر مضيق هرمز وخروج كميات كبيرة من النفط دفعة واحدة.

جاءت تصريحات أنس الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيّات الطاقة"، التي قدّمها هذا الأسبوع على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان: "هل تنهار أسعار النفط؟ ما دور الصين واليابان؟ وهل تصبح أزمة هرمز دائمة؟".

أسعار النفط السعودي

قال أنس الحجي إن أسعار النفط السعودي لا يمكن فهمها من خلال مقارنة مباشرة مع خام برنت أو غرب تكساس، لأن السعودية لا تمتلك خامًا معياريًا متداولًا في الأسواق الفورية، بل تعتمد على تسويق إنتاجها عبر عقود طويلة الأجل مع عملائها الرئيسين.

وأوضح أن أرامكو تعلن بصورة معتادة أسعار البيع الرسمية في اليوم الخامس من كل شهر تقريبًا، وتحددها استنادًا إلى متوسط أسعار خامَي دبي وعمان، ثم تضيف أو تخصم علاوة تختلف باختلاف ظروف السوق واتجاهات العرض والطلب.

وأضاف أن عدم وجود خام سعودي معياري للتداول لا يمثّل نقطة ضعف كما يعتقد البعض، بل يعكس قوة التسويق، لأن الإنتاج يُباع بعقود مستقرة، وهو ما يقلّل الحاجة إلى المنافسة اليومية داخل الأسواق الفورية العالمية.

صادرات النفط السعودي

وأشار أنس الحجي إلى أن العلاوة السعرية ارتفعت بصورة كبيرة عندما أُغلق مضيق هرمز واضطرت السعودية إلى نقل النفط عبر خطوط الأنابيب، وهو ما رفع تكاليف الإمدادات، بالتزامن مع نقص المعروض وارتفاع الأسعار بصورة حادة.

وأكد أن أرامكو رفعت، حينها، العلاوة بنحو 19 دولارًا إلى 20 دولارًا فوق متوسط خامَي دبي وعمان، لذلك كان النفط السعودي يُباع بأسعار أعلى بكثير من خامات القياس العالمية خلال تلك الفترة الاستثنائية.

ولفت إلى أن كثيرًا من المحللين ركزوا على أسعار برنت وغرب تكساس، ولم يلاحظوا أن الخامات المتوسطة الحامضة في الأسواق الفعلية كانت تُتداول عند مستويات مرتفعة للغاية، في حين استمر النفط السعودي فوقها بفضل تلك العلاوة.

وشدّد على أن التخفيض الأخير لم يكن خصمًا مباشرًا من السعر العالمي، بل جاء نتيجة إزالة جزء كبير من العلاوة السابقة، حتى أصبح النفط السعودي يُباع بخصم يقارب دولارًا ونصف الدولار مقارنة بمتوسط خامَي دبي وعمان.

أسباب خفض أسعار الخام العربي الخفيف

قال أنس الحجي إن أرامكو لم تبدأ حرب أسعار كما روّج البعض، لأن هذا النوع من الحروب له مؤشرات معروفة، مثل التخفيضات الضخمة بالتزامن مع زيادة كبيرة في الإنتاج، وهي عناصر لم تظهر إطلاقًا في القرار الأخير.

وأوضح أن المقارنة الصحيحة تكون مع ما جرى في مارس/آذار 2020، عندما خُفّضت الأسعار بأكثر من 10 دولارات دون الأسعار العالمية، مع إعلان رفع الإنتاج إلى نحو 12 مليون برميل يوميًا، وهو ما لم يحدث حاليًا.

وأضاف أن إعادة فتح مضيق هرمز أدت إلى خروج جميع الناقلات التي كانت عالقة في الخليج خلال فترة الإغلاق، ما تسبّب في تدفق كميات كبيرة من النفط إلى الأسواق خلال وقت قصير للغاية.

صادرات النفط السعودي

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن إيران امتنعت كذلك عن تصدير جزء من إنتاجها عدة أسابيع انتظارًا لتطورات المفاوضات، بهدف بيع النفط لاحقًا دون الخصومات الكبيرة التي كانت تقدّمها خلال فترة التوترات والعقوبات.

وأكد أن أرامكو لم تتخذ قرارها استجابة لأي خلاف سياسي أو منافسة مع دول أخرى، بل لأن السوق شهدت تدفقًا متزامنًا لكميات كبيرة من النفط، الأمر الذي فرض واقعًا تجاريًا جديدًا على المنتجين.

ولفت إلى أن أكثر من 50 مليون برميل من النفط العائم الإيراني، إلى جانب الشحنات المحتجزة في الخليج، خرجت جميعها تقريبًا في توقيت متقارب، وهو ما أدى إلى ضغط واضح على حركة الشراء والنقل البحري.

وشدّد على أن تفسير القرار بوصفه عقوبة لدولة معينة أو ردًا على تطورات داخل تحالف أوبك+ لا يستند إلى معطيات السوق، لأن الأساس الحقيقي للقرار يرتبط بحركة التجارة والنقل والإمدادات.

حركة ناقلات النفط

قال الدكتور أنس الحجي إن أرامكو واجهت مشكلة تشغيلية تتعلّق بحركة الناقلات، لأن استمرار خروج السفن المحملة بالنفط دون عودة سفن فارغة سيؤدي تدريجيًا إلى صعوبة استمرار عمليات الشحن والإنتاج بصورة طبيعية.

وأوضح أن توقف الناقلات عن العودة يعني عدم توافر سعة كافية لتحميل الإنتاج الجديد، وهو ما قد يُجبر المنتجين على تقليص الإنتاج مؤقتًا، مع ما يترتب على ذلك من تكاليف تشغيلية مرتفعة.

وأضاف أن خفض السعر في هذه الحالة يصبح وسيلة تجارية لتحفيز المشترين على تسلّم الشحنات بسرعة، بما يضمن استمرار دوران الأسطول البحري وتجنّب تراكم المخزونات أو توقف الإنتاج.

ناقلات النفط السعودية
إحدى ناقلات النفط من أسطول شركة البحري السعودية - الصورة من موقع الشركة

ولفت أنس الحجي إلى أن أرامكو اتخذت قرارًا ينسجم مع قواعد الأعمال التجارية البحتة؛ إذ إن أي شركة خاصة كانت ستلجأ إلى الخيار نفسه لتقليل الخسائر التشغيلية والمحافظة على انسيابية الصادرات.

وأكد أن الهدف لم يكن الضغط على المنافسين أو تغيير موازين السوق، بل تجنّب تكاليف أكبر قد تنجم عن تعطُّل الناقلات أو اضطرار الحقول إلى خفض الإنتاج بسبب نقص السفن المتاحة.

وأشار إلى أن القراءة الاقتصادية للقرار تختلف تمامًا عن التفسيرات السياسية المتداولة، لأن الاعتبارات اللوجستية وسرعة تصريف الشحنات كانتا هما العاملَيْن الأكثر تأثيرًا في تعديل أسعار البيع الرسمية.

واختتم مؤكدًا أن قرار أرامكو يعكس استجابة مباشرة لظروف السوق وحركة الناقلات بعد إعادة فتح مضيق هرمز، وليس بداية حرب أسعار أو مؤشرًا على انهيار الطلب العالمي، كما ذهب إليه بعض المحللين.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق