التقاريرتقارير الطاقة النوويةرئيسيةطاقة نووية

الطاقة النووية في أفريقيا.. نهج ثلاثي المراحل يمهد لبناء البنية التحتية (تقرير)

نوار صبح

يعتمد نشر محطات الطاقة النووية في أفريقيا على نهج ثلاثي المراحل يمهّد لبناء البنية التحتية اللازمة بما يتناسب مع قدرات شبكات الكهرباء في القارة السمراء، وبالنظر إلى أن هذه التقنية تُعد عامل تمكين للتصنيع فقد استقطبت اهتمام 22 دولة أفريقية.

ويُعدّ بدء برنامج للطاقة النووية مشروعًا ضخمًا يتطلّب التزامًا وطنيًا يمتد على مدى 100 عام على الأقل، ولتوجيه الدول خلال هذه العملية، وضعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية نهج المراحل، وهو إطار إدارة مرحلي مصمّم لبناء البنية التحتية "الصلبة" و"الناعمة" اللازمة لبرنامج آمن ومستدام.

ويهدف هذا النهج إلى ضمان عدم إغفال أي عامل حاسم، بدءًا من استقرار الشبكة وصولًا إلى القوانين التنظيمية، وتقدم الوكالة الدولية للطاقة الذرية مساعدة مصممة خصوصًا للدول الجديدة من خلال آليات محددة، مع كون أفريقيا المنطقة الرائدة في دعم البنية التحتية للوكالة، بحسب تقرير طالعته منصة الطاقة المتخصصة.

واعتمادًا على هذا النهج، تُنظّم الوكالة الدولية للطاقة الذرية تطوير برنامج نووي في 3 مراحل متميزة (مع 19 قضية تتعلّق بالبنية التحتية).

مراحل نشر محطات الطاقة النووية في أفريقيا

المرحلة الأولى من مراحل نشر الطاقة النووية في أفريقيا: خلال هذه المرحلة، تُجري الدولة دراسات جدوى لتحديد مدى ملاءمة الطاقة النووية لمزيج الكهرباء الوطني لديها.

وعادةً ما تُنشأ مؤسسة تنفيذية لبرنامج الطاقة النووية (NEPIO) لتنسيق هذه الأنشطة التمهيدية، بحسب تقرير حديث نشرته مجلة إي إس آي أفريكا.

المرحلة الثانية: عند اتخاذ قرار نهائي، يتحول التركيز إلى إنشاء مؤسسات رئيسة، مثل هيئة تنظيمية مستقلة ومالك/مشغل مستقبلي.

والهدف هو تطوير البنية التحتية اللازمة لطرح العطاءات أو التفاوض على العقود.

المرحلة الثالثة: تتضمّن مرحلة التطوير النهائية البناء الفعلي وتشغيل محطة الطاقة النووية.

محطة كويبرغ للطاقة النووية في جنوب أفريقيا
محطة كويبرغ للطاقة النووية في جنوب أفريقيا - الصورة من إسكوم

هل تُعدّ المفاعلات المعيارية الصغيرة حلًا مُصمّمًا خصوصًا لشبكات الكهرباء الأفريقية؟

على الرغم من أن محطات الطاقة النووية التقليدية واسعة النطاق تُنتج كميات هائلة من الكهرباء فإنها لا تُناسب دائمًا جميع السياقات الوطنية.

وتُعد المفاعلات المعيارية الصغيرة تقنية متعددة الاستعمالات، ويُنظر إليها بصورة متزايدة على أنها الحل الأمثل لشبكات الكهرباء الأفريقية.

وتتمثّل إحدى العقبات التقنية الرئيسة التي تواجه الطاقة النووية في حجم شبكات الكهرباء الوطنية وقوتها.

من ناحية ثانية، غالبًا ما تُنتج المفاعلات التقليدية 1000 ميغاواط أو أكثر، وهو ما قد يُرهق الأنظمة الأصغر حجمًا أو الأقل استقرارًا التي تحتاج إلى أنظمة احتياطية.

وتُقدّم المفاعلات المعيارية الصغيرة، المصممة عادةً لإنتاج ما يصل إلى 300 ميغاواط لكل وحدة، توافقًا أفضل بكثير مع هذه الشبكات الأصغر حجمًا.

ويسمح إنتاجها الأصغر للدول بإضافة قدرة إنتاجية تدريجيًا بما يتناسب مع البنية التحتية القائمة.

وعلى الرغم من أن روسيا (مفاعل أكاديميك لومونوسوف العائم ذو الماء المضغوط بقدرة 70 ميغاواط) والصين (مفاعل الحصى عالي الحرارة بقدرة 210 ميغاواط) هما الدولتان الوحيدتان اللتان تشغلان حاليًا مفاعلات نووية صغيرة الحجم تجارية.

إلا أن أكثر من 100 تصميم قيد البحث والتطوير على مستوى العالم. ويشمل ذلك مفاعل الاختبار الياباني عالي الحرارة المبرد بالغاز.

دور موارد اليورانيوم

تُعدّ أفريقيا مسهمًا رئيسًا عالميًا في سلسلة إمداد اليورانيوم (التي تُمثّل حجر الزاوية في تحقيق أمن الطاقة)؛ ​​إذ تُسهم بنسبة 14% من الإنتاج العالمي.

تصنيف منتجي اليورانيوم في أفريقيا لعام 2022:

  • ناميبيا: المركز الثالث بنسبة 11.34% من الإنتاج العالمي.
  • النيجر: المركز السابع بنسبة 4.08% من الإنتاج العالمي.
  • جنوب أفريقيا: المركز العاشر بنسبة 0.40% من الإنتاج العالمي.

وتكمن جاذبية المفاعلات النووية الصغيرة في أنها تزيل عقبة التمويل التي تواجه المشروعات النووية واسعة النطاق، خصوصًا في الاقتصادات ذات القيود المالية.

وتدعم هذه الإستراتيجية التوسع التدريجي؛ إذ يمكن للدولة نشر وحدة واحدة وتحقيق إيرادات في أثناء بناء الوحدات اللاحقة.

ويُسهم هذا النهج المتدرج في تقليل تحديات التمويل والمخاطر المرتبطة بمشروعات البناء الضخمة متعددة السنوات.

مفاعل أكاديميك لومونوسوف العائم
مفاعل أكاديميك لومونوسوف العائم - الصورة من روساتوم

مرونة المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية

صُمّمت المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية لتكون مرنة، ويمكن نشرها في مناطق تفتقر إلى بنية تحتية للشبكة الكهربائية لتزويد عمليات التعدين النائية والمراكز الزراعية والصناعية بالكهرباء.

وإلى جانب توليد الكهرباء، يمكن لهذه المفاعلات توفير خدمات التدفئة والتبريد وتحلية المياه، وفقًا لما اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

وتُعد المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية مثالية لإعادة استعمال محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم بعد إيقاف تشغيلها.

ومن خلال استعمال المواقع القائمة، يمكن للدول البناء على استثماراتها السابقة في ربط الشبكات الكهربائية وبنية التبريد التحتية، ما يقلّل تكلفة إنشاء محطات نووية جديدة.

ويشير مصطلح الوحدات المعيارية في المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية إلى تصنيعها في المصنع ونقلها إلى الموقع للتجميع.

ويهدف هذا التحول نحو نموذج خط التجميع، على غرار تصنيع السيارات أو الطائرات، إلى تحقيق وفورات الحجم. بالنسبة للدول الأفريقية يَعِد هذا بتسريع عملية النشر وتقليل مخاطر البناء في الموقع.

ولتحقيق المزيد من هذه المزايا، تستكشف الدول الأفريقية إمكان إنشاء قوائم طلبات إقليمية.

من خلال تشكيل تحالف، يمكن للدول المجاورة زيادة أحجام الطلبات، ما يجعل المشروعات أكثر جدوى للبائعين من خلال الجمع بين الموارد المالية والبشرية.

مخاطر المواد المقلّدة والمزورة

مع ازدياد عولمة سلاسل التوريد، يرتفع خطر دخول مواد مقلدة ومزورة ومشبوهة إلى المنشآت النووية. ويتفاقم هذا الخطر عند شراء قطع الغيار بصورة عاجلة من الوسطاء أو الموردين الفرعيين بدلًا من الشركات المصنعة الأصلية.

بالإضافة إلى ذلك، يواجه القطاع خسارة العديد من الشركات المصنعة الأصلية، ما يؤدي إلى تقادم المكونات الحيوية.

وتشكّل التغييرات التصميمية غير المُبلّغ عنها عقبة بالغة الأهمية، ففي عصر التحديثات الرقمية السريعة والمكونات التي تعتمد على البرمجيات، قد تُعرّض التغييرات التي يُجريها الموردون دون إبلاغ المشغلين بها سلامة وموثوقية المحطة بأكملها للخطر.

وفي صناعة الطائرات، تجلى ذلك عندما أُغفل نظام التحكم الآلي في طيران طائرة بوينغ 737 ماكس، المصمم لمواجهة ميل الطائرة إلى الارتفاع في بعض الحالات، من أدلة طاقم الطيران وتدريب الطيارين، ما جعل الأطقم عاجزة عن التعرف على عطل النظام أو الاستجابة له بصورة صحيحة.

ومن المخاوف المستقبلية أن تزيد المفاعلات النووية الصغيرة من تعقيد سلسلة التوريد، إذ صُمّمت هذه التقنية للتصنيع في المصانع والتجميع المعياري.

إزاء ذلك، يعمل المجتمع النووي على توحيد المتطلبات التنظيمية من خلال مبادرات مثل مبادرة التنسيق والتوحيد القياسي النووي التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

والهدف هو وضع مناهج مشتركة للإشراف على المنتجات التجارية وقبولها، ما يتيح الإنتاج الضخم للوحدات في مختلف الدول.

عملية تركيب وعاء المفاعل رقم 1 بمحطة الضبعة للطاقة النووية في مصر
عملية تركيب وعاء المفاعل رقم 1 بمحطة الضبعة للطاقة النووية في مصر - الصورة من روساتوم

تجاوز التكاليف الباهظة

للتغلب على عوائق التكلفة الكبيرة، تستكشف الدول الأفريقية آليات تمويل مبتكرة.

ومن الأمثلة على ذلك استعمال القروض الحكومية والقروض الميسرة من الدول المورّدة.

ويستفيد مشروع محطة الضبعة النووية في مصر من قرض ميسّر كبير من روسيا الاتحادية بأسعار فائدة وفترات سداد مناسبة.

وتتمثّل إستراتيجية واعدة أخرى في إنشاء "سجلات طلبات" أو تحالفات إقليمية. فمن خلال تجميع الموارد المالية وزيادة حجم الطلبات على تقنيات مثل المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، يمكن للدول المجاورة توزيع مخاطر الاستثمار وتحقيق وفورات الحجم.

إلى جانب ذلك، رسّخ اتفاق تاريخي في عام 2025 شراكة بين البنك الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية لدعم الاستعمال المسؤول للطاقة النووية لأغراض التنمية.

ومن المتوقع أن يكون هذا التعاون بمثابة حافز، يفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصادات الأفريقية ذات الموارد المالية المحدودة للوصول إلى الموارد المالية المباشرة وأدوات تخفيف المخاطر -مثل ضمانات القروض والتأمين ضد المخاطر السياسية- اللازمة لجعل المشروعات النووية جذابة للقطاع الخاص.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق