تكنو طاقةتقارير التكنو طاقةتقارير الطاقة المتجددةسلايدر الرئيسيةطاقة متجددة

خبير: الطاقة الحرارية الأرضية تخفض استهلاك الكهرباء والمياه في الزراعة

داليا الهمشري

تُعدّ الطاقة الحرارية الأرضية واحدة من أبرز مصادر الطاقة المتجددة التي تحظى باهتمام متزايد عالميًا؛ لما توفره من حلول مستدامة لتوليد الطاقة والتدفئة والتبريد، اعتمادًا على الحرارة المخزّنة في باطن الأرض.

وتمتاز هذه التقنية بقدرتها على العمل بصورة مستقرة على مدار العام، بعيدًا عن تقلبات الطقس والعوامل المناخية التي تؤثر في بعض مصادر الطاقة المتجددة الأخرى.

وفي القطاع الزراعي، تبرز أهمية الطاقة الحرارية الأرضية بوصفها خيارًا واعدًا لتحسين كفاءة الطاقة وخفض استهلاك الكهرباء والمياه داخل البيوت الزراعية المحمية، خاصة في المناطق الحارة والجافة.

كما تتيح هذه التقنية توفير بيئة مناسبة لنمو المحاصيل الزراعية على مدار العام، بما يدعم الأمن الغذائي ويعزّز استدامة الإنتاج الزراعي ويخفّض الاعتماد على أنظمة التبريد والتدفئة التقليدية مرتفعة التكلفة.

وفي هذا الإطار، كشف خبير الطاقة المتجددة والأستاذ في قسم الهندسة الميكانيكية بجامعة ذي قار العراقية الدكتور مشتاق إسماعيل الإبراهيمي، في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، عن نتائج تجربة توضح إمكان توظيف الطاقة الحرارية الأرضية في تبريد وتدفئة البيوت الزراعية المحمية، بما يُسهم في خفض استهلاك الكهرباء والمياه وتحسين كفاءة الإنتاج الزراعي.

تطور تقنيات الزراعة

قال الإبراهيمي إن الفاكهة والخضراوات والمحاصيل الزراعية المختلفة تحتاج إلى ظروف مناخية محددة كي تنمو بصورة سليمة، لذلك تُصنّف بعض المحاصيل على أنها صيفية وأخرى شتوية، وفق درجات الحرارة المناسبة لكل منها.

وأوضح أن التطور الكبير الذي شهدته تقنيات الزراعة المحمية خلال الأعوام الأخيرة أتاح إنتاج معظم أنواع المحاصيل الزراعية على مدار العام، من خلال توفير الظروف البيئية الملائمة داخل البيوت الزراعية المحمية بغض النظر عن الفصل أو الظروف المناخية الخارجية.

وأضاف أن هذه البيوت الزراعية تحتاج إلى التبريد خلال فصل الصيف والتدفئة خلال فصل الشتاء للحفاظ على بيئة مناسبة لنمو النباتات، إلا أن الوسائل التقليدية المستعملة -حاليًا- تعتمد غالبًا على مبردات الهواء أو أنظمة التبريد التبخيري المعروفة بالتبريد الصحراوي.

وأشار إلى أن هذه الأنظمة تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء اللازمة لتشغيلها، فضلًا عن استهلاكها كميات كبيرة من المياه المستعملة في عمليات التبخير، مما يرفع تكاليف التشغيل ويزيد الأعباء على المزارعين، خصوصًا في المناطق التي تعاني شح الموارد المائية أو ارتفاع أسعار الكهرباء.

تجربة لإستغلال الطاقة الحرارية الأرضية في قطاع الزراعة

ولفت إلى أن مشكلة ارتفاع درجات الحرارة داخل البيوت الزراعية المحمية ترتبط بطبيعة تصميمها؛ إذ إن الأغطية البلاستيكية أو الزجاجية الشفافة تسمح بمرور أشعة الشمس إلى الداخل، في حين تحدّ من خروج الحرارة مرة أخرى إلى الخارج، ما يؤدي إلى تراكمها داخل الحيز الزراعي فيما يُعرف بتأثير البيت الزجاجي.

وأوضح أن هذا التأثير يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل البيت الزراعي إلى مستويات تفوق بدرجة كبيرة درجات حرارة الهواء الخارجي، وهو ما يجعل الحاجة إلى أنظمة تبريد فاعلة أمرًا ضروريًا للحفاظ على الإنتاج الزراعي.

استغلال الطاقة الحرارية الجوفية

قال الدكتور مشتاق الإبراهيمي إنه سعى إلى معالجة هذه المشكلة من خلال استغلال الطاقة الحرارية الأرضية، وهي أحد مصادر الطاقة المتجددة المتوافرة بصورة طبيعية في باطن الأرض، مشيرًا إلى أن الفكرة الأساسية تعتمد على حقيقة علمية مهمة تتمثّل في أن درجة حرارة التربة عند أعماق معينة تبقى شبه ثابتة طوال العام.

وأضاف الإبراهيمي -خلال تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن القياسات والدراسات السابقة أظهرت أن درجة حرارة التربة على عمق يتراوح بين 3 و3.5 مترًا لا تتأثر بصورة كبيرة بالتغيرات المناخية الموسمية، سواء في الصيف أو الشتاء، وهو ما يجعلها مصدرًا مناسبًا يمكن الاستفادة منه في عمليات التبريد والتدفئة.

وبيّن أن التجربة اعتمدت على تصميم مبادل حراري أرضي يتكون من شبكة من الأنابيب المدفونة داخل التربة على هذا العمق، بحيث يُسحب الهواء من داخل البيت الزراعي ويُمرّر عبر هذه الأنابيب قبل إعادته إلى الداخل بعد تعديل درجة حرارته.

وأوضح أن المرحلة الأولى من الدراسة ركزت على تحديد العمق الأنسب لاستغلال الطاقة الحرارية الأرضية، لذلك جرى تثبيت مجموعة من المجسات الحرارية في مواقع مختلفة داخل التربة لقياس درجات الحرارة على أعماق متعددة.

وأشار إلى أن القياسات شملت سطح التربة وأعماق نصف متر ومتر ومترين و2.5 مترًا وصولًا إلى عمق 3.5 مترًا، وذلك بهدف دراسة التغيرات الحرارية بدقة وتحديد العمق الذي يتمتع بأعلى درجة من الاستقرار الحراري.

آلية عمل بسيطة

أوضح الإبراهيمي أن التجربة أُجريت في مدينة الناصرية جنوب العراق، حيث رُصِدت درجات حرارة التربة خلال فترات زمنية مختلفة للتأكد من ثباتها وإمكان الاعتماد عليها في تشغيل المنظومة.

وأضاف أن النتائج أظهرت أن درجة حرارة التربة عند عمق يتراوح بين 3 و3.5 مترًا بلغت نحو 26.4 درجة مئوية، وظلت مستقرة تقريبًا طوال العام، وهو ما يؤكد أن هذا العمق يمكن أن يمثّل خزانًا حراريًا طبيعيًا يمكن الاستفادة منه في التطبيقات الزراعية.

وأوضح أن آلية عمل المنظومة بسيطة نسبيًا؛ إذ يُسحب الهواء الساخن من داخل البيت الزراعي بوساطة مروحة، ثم يُمرّر عبر شبكة الأنابيب المدفونة داخل التربة.

وأشار إلى أن الهواء يفقد جزءًا من حرارته في أثناء مروره داخل الأنابيب نتيجة انتقال الحرارة إلى التربة المحيطة، ثم يُعاد ضخه مرة أخرى إلى داخل البيت الزراعي بعد انخفاض درجة حرارته.

ولفت إلى أن نتائج التجربة كانت مشجعة للغاية؛ إذ سجل الهواء الخارج من المبادل الحراري الأرضي درجات حرارة تراوحت بين 32.9 و33 درجة مئوية.

وأضاف أن هذه النتائج تحققت في وقت كانت فيه درجات الحرارة الخارجية تتراوح بين 42.8 و43 درجة مئوية، مع توقع وصولها إلى نحو 50 درجة مئوية خلال ساعات الذروة الصيفية.

وأكد أن خفض درجة حرارة الهواء بنحو 10 درجات مئوية تقريبًا يُعد مؤشرًا مهمًا على كفاءة النظام وقدرته على توفير بيئة أكثر ملاءمة لنمو النباتات داخل البيوت الزراعية المحمية.

وأوضح أن غالبية الخضراوات والفواكه والمحاصيل الزراعية تنمو بصورة جيدة ضمن درجات حرارة تقع في الثلاثينيات المئوية، مع اختلاف المتطلبات من محصول إلى آخر، لذلك فإن الوصول إلى درجات حرارة تتراوح بين 32 و33 درجة مئوية يمثّل مستوى مناسبًا لتحقيق حمل التبريد المطلوب.

مزايا النظام

أشار الدكتور مشتاق الإبراهيمي -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- إلى أن إحدى أهم مزايا النظام تتمثّل في انخفاض استهلاكه للكهرباء مقارنة بالأنظمة التقليدية؛ إذ لا يحتاج سوى إلى الطاقة اللازمة لتشغيل المراوح المسؤولة عن تدوير الهواء.

وأضاف أن المنظومة لا تعتمد على ضواغط تبريد أو معدات كهربائية ذات استهلاك مرتفع للطاقة، بل تعتمد بصورة أساسية على الخصائص الحرارية الطبيعية للتربة.

وأوضح أن هذه الميزة تجعل التقنية مناسبة للمناطق الزراعية النائية التي تعاني ضعف البنية التحتية الكهربائية أو عدم استقرار التغذية الكهربائية.

الطاقة الحرارية الأرضية

وأشار إلى إمكان تشغيل المراوح باستعمال أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وهو ما يسمح بدمج مصدرَيْن من مصادر الطاقة المتجددة في منظومة واحدة تشمل الطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الأرضية.

وأضاف أن تشغيل النظام بالطاقة الشمسية لا يتطلب أعدادًا كبيرة من الألواح، نظرًا إلى محدودية استهلاك المراوح للكهرباء مقارنة بالأنظمة التقليدية.

وقال إن التجربة الحالية استعملت بطارية لتشغيل المروحة بسبب طبيعة موقع التنفيذ، إلا أن الاعتماد على الطاقة الشمسية يظل خيارًا عمليًا واقتصاديًا، خاصة في العراق والدول العربية التي تتمتع بمعدلات سطوع شمسي مرتفعة.

وأوضح أن تصميم مثل هذه الأنظمة يعتمد على عدد من المعايير الهندسية، من بينها مساحة البيت الزراعي وموقعه الجغرافي ونوع المحاصيل المزروعة داخله والحمل الحراري المطلوب توفيره.

وأضاف أن عملية التصميم تشمل تحديد أقطار الأنابيب وأطوالها وعددها وطريقة توزيعها داخل التربة، فضلًا عن تحديد معدلات تدفق الهواء وسعة المراوح اللازمة لتحقيق مستوى التبريد المطلوب.

وأشار إلى أن هذه الحسابات تتيح الوصول إلى منظومة قادرة على تحقيق أعلى كفاءة ممكنة بأقل استهلاك للطاقة وأقل تكلفة تشغيلية.

استعمال المبادل الحراري

أكد الإبراهيمي أن فوائد الطاقة الحرارية الأرضية لا تقتصر على التبريد خلال فصل الصيف، بل تمتد -أيضًا- إلى التدفئة خلال فصل الشتاء.

وأوضح أنه عندما تنخفض درجات حرارة الهواء الخارجي إلى مستويات متدنية قد تصل إلى الصفر المئوي أو أقل في بعض المناطق، تبقى درجة حرارة التربة عند عمق 3 إلى 3.5 مترًا مستقرة عند نحو 26 درجة مئوية.

وأضاف أن هذه الخاصية تسمح باستعمال المبادل الحراري الأرضي لتدفئة الهواء قبل إدخاله إلى البيت الزراعي؛ ما يساعد في الحفاظ على درجات حرارة مناسبة لنمو النباتات خلال فصل الشتاء دون الحاجة إلى استهلاك كميات كبيرة من الوقود أو الكهرباء.

وأكد الإبراهيمي أن الطاقة الحرارية الأرضية تمثّل موردًا متجددًا ومتوافرًا يمكن استغلاله بسهولة في البيوت الزراعية المحمية، سواء لأغراض التبريد أو التدفئة، مشيرًا إلى أن هذه التقنية تجمع بين البساطة وقلة التكلفة وسهولة التطبيق، فضلًا عن دورها في خفض استهلاك الطاقة والمياه وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية وتعزيز استدامة الإنتاج الزراعي وحماية البيئة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق