المقالاترئيسيةكهرباءمقالات الكهرباء

أزمة الكهرباء في العراق تتفاقم.. هل تحلّها سفن التوليد التركية؟ (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • العراق يواجه نقصًا حادًا إضافيًا في الكهرباء صيف عام 2026
  • العراق تعاقد لأول مرة على سفينتين لتوليد الكهرباء في أغسطس/آب 2025
  • السفن متعددة الوقود تعمل بالغاز الطبيعي أو الغاز المسال أو زيت الوقود الثقيل
  • ارتفاع معدل حرق الغاز في العراق يجعل تبرير الأزمة أكثر صعوبة

من المتوقع أن تتفاقم أزمة الكهرباء في العراق صيف هذا العام، وأن تصل ذروة الطلب إلى 40-55 غيغاواط، بينما ما يزال العرض المتاح أقرب إلى 29 غيغاواط، ما يترك عجزًا لا يقل عن 11 غيغاواط.

وقد أدت عقود من الحرب، ونقص الاستثمار، وتهالك البنية التحتية، وفقدان الكهرباء في شبكات النقل الذي يتجاوز 40%، والاعتماد على الغاز الإيراني، إلى إضعاف شبكة الكهرباء الوطنية.

ومع ارتفاع درجات الحرارة، قد تؤدي انقطاعات التيار الكهربائي مجددًا إلى تأجيج الغضب الشعبي في بلد ما يزال عاجزًا عن توفير كهرباء موثوقة رغم احتياطياته الهائلة من النفط والغاز.

وفي ظل أزمة الكهرباء في العراق تُقدِّم سفن كارباورشيب التركية (Karpowership) حلًا سريعًا ومتنقلًا، وإن كان مؤقتًا، لبغداد.

دور سفن توليد الكهرباء التركية

من المتوقع أن تبدأ إحدى سفن توليد الكهرباء التركية -وهي كارادينيز باورشيب أونور سلطان، أو وحدات مماثلة مثل أوركا سلطان- عملياتها في مدينة البصرة، أو تستأنفها في غضون أيام من منتصف مايو/أيار 2026، بعد تمديد العقود بشكل عاجل.

وتعاقد العراق لأول مرة على سفينتين لتوليد الكهرباء في أغسطس/آب 2025، بقدرة تصل إلى 590 ميغاواط، أي ما يقارب 300 ميغاواط لكل منهما، في ميناءَي خور الزبير وأم قصر بالبصرة، وكانت مدة العقد الأولية 71 يومًا، مع إمكان التمديد.

وتعمل هذه السفن متعددة الوقود بالغاز الطبيعي أو الغاز المسال أو زيت الوقود الثقيل، وترتبط بالشبكة بسرعة تفوق بكثير سرعة محطات توليد الكهرباء البرية.

وبالنسبة لبغداد، فإن هذه السفن ليست حلًا جذريًا بقدر ما هي حل مؤقت خلال فصل الصيف.

سفينة توليد الكهرباء التركية كارادينيز باورشيب أونور سلطان
سفينة توليد الكهرباء التركية كارادينيز باورشيب أونور سلطان – الصورة من كارباورشيب

أزمة الكهرباء في العراق: جذورها الهيكلية والجيوسياسية

لا يقتصر الأمر على نقص القدرة في قطاع الكهرباء العراقي، بل يعاني من ضعف الصيانة، ونقص الوقود، وسوء التحصيل، والسرقة، وخسائر فادحة في الشبكة.

في المقابل، تبدو القدرة المركبة على الورق أفضل مما هي عليه في الواقع.

بدورها، تسدّ مولدات الديزل الخاصة النقص، ولكن بتكلفة اقتصادية وبيئية باهظة، مع خلق اقتصاد غير رسمي للكهرباء بقيمة مليارات الدولارات.

وتبقى أكبر نقاط ضعف البلاد اعتمادها على واردات الغاز والكهرباء الإيرانية، التي غالبًا ما كانت تغطي ما بين 20 و40% من ذروة احتياجات الكهرباء.

وقد أدت العقوبات الأميركية، والحرب الإقليمية، والهجمات على البنية التحتية الإيرانية، ونزاعات الدفع إلى تعطيل هذه التدفقات مرارًا وتكرارًا.

وبحلول أوائل عام 2026، انخفضت واردات الغاز الإيرانية، بحسب التقارير، إلى نحو 15-18 مليون متر مكعب يوميًا، وهو أقل بكثير من حاجة العراق المقدرة بنحو 50 مليون متر مكعب.

لذا، لا يمكن تجاهل المفارقة، رغم أن الحكومات تبدو بارعة في تجاهل الأمور الواضحة أمامها: فالعراق ما يزال يحرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب لإنتاج النفط، في حين يستورد الغاز من دولة مجاورة خاضعة للعقوبات.

وتهدف مشروعات تشارك فيها شركات مثل سيمنس، وجنرال إلكتريك فيرنوفا، وتوتال إنرجي، وغيرها، إلى توسيع نطاق توليد الكهرباء واستغلال المزيد من الغاز المحلي، لكن التأخيرات، ونقص التمويل، والمخاوف الأمنية تعني أنها لن تُنقذ شبكة الكهرباء قبل صيف 2026.

الدور الإستراتيجي التركي في مجال الكهرباء

لا يقتصر دور سفن كارباورشيب في العراق على كونه صفقة تجارية، بل ينسجم مع مساعي تركيا الأوسع نطاقًا لتحويل صادرات الكهرباء والبنية التحتية والخدمات اللوجستية إلى نفوذ إقليمي.

وبالنظر إلى امتلاكها أسطولًا عالميًا من سفن توليد الكهرباء يتجاوز 8 غيغاواط، يُمكن لتركيا تسويق نفسها مزودًا للكهرباء في حالات الطوارئ، وليس مجرد دولة عبور.

بالنسبة لأنقرة، يُعزز نشر هذه السفن في العراق العلاقات مع بغداد، ويفتح في الوقت نفسه قناة أخرى للتأثير الاقتصادي.

ويأتي ذلك في ظل سعي البلدين لاستكشاف تعاون أوسع في مجال الطاقة، بما في ذلك تدفقات النفط عبر خط أنابيب كركوك-جيهان، وإمكان ربط خطوط الكهرباء.

أمّا بالنسبة للعراق، فتُتيح سفن توليد الكهرباء التركية وسيلة لتقليل الاعتماد على إيران، وهو هدف شجعته واشنطن لسنوات.

ولذلك، تُمثّل سفن توليد الكهرباء نقطة التقاء بين الحاجة التجارية والإستراتيجية الجيوسياسية، فتركيا تجني إيرادات، وتُبرز تقنياتها في مجال الكهرباء، وتكتسب نفوذًا في دولة مجاورة ذات أهمية بالغة.

من جانبه، يحصل العراق على الكهرباء التي هو في أمسّ الحاجة إليها دون انتظار سنوات لبناء محطات جديدة.

في غضون ذلك، يستفيد كلا الجانبين، وإن لم يكن بالتساوي، ولا يخلو الأمر من المخاطر.

سفينة توليد الكهرباء التركية أورهان علي خان في ميناء أم قصر بالعراق
سفينة توليد الكهرباء التركية أورهان علي خان في ميناء أم قصر بالعراق – الصورة من رويترز

خيارات الحكومة العراقية: تدابير طارئة وخيارات أصعب

لا تملك بغداد سوى خيارات قليلة سهلة، إذ يمكن لمحطات توليد الكهرباء العائمة أن توفر مئات الميغاواط بسرعة، ولا تتطلب سوى بنية تحتية أولية محدودة.

ويمكن للعراق أن يسعى إلى زيادة الواردات قصيرة الأجل من تركيا أو مورّدين آخرين، بما في ذلك توسيع واردات الشبكة التي بلغت سابقًا نحو 300 ميغاواط، ويمكن أن ترتفع أكثر.

إزاء ذلك، يبقى التنويع ضروريًا، وقد بحث العراق استيراد الغاز من قطر وعُمان وتركمانستان، وبنية تحتية للغاز المسال في البصرة، وربط الشبكة مع دول مجلس التعاون الخليجي والأردن.

ويمكن لهذه المسارات أن تقلل الاعتماد على إيران، لكن لا يمكن توسيع نطاق أيٍّ منها بين عشية وضحاها. من ناحية ثانية، يوفر توليد الكهرباء محليًا الحل الدائم الوحيد، ويحتاج العراق إلى استخلاص المزيد من الغاز المحروق، وإعادة تأهيل المحطات القائمة، وتوسيع قدرة الطاقة الشمسية، وتحسين النقل.

ويمكن للاتفاقيات الدولية أن تضيف قدرة كبيرة بحلول عام 2028، لكن سجلّ العراق في هذا المجال غير منتظم.

وتُعدّ أصعب الإصلاحات سياسية، إذ ما تزال التعرفات مدعومة بشكل كبير، ومعدلات التحصيل ضعيفة، والخسائر مرتفعة، وتعمل شركات توليد الكهرباء من القطاع الخاص في منطقة رمادية لا يملك العديد من الفاعلين حافزًا كبيرًا لتفكيكها.

إن رفع الأسعار أو فرض الدفع من شأنه تحسين الوضع المالي للقطاع، ولكنه قد يُثير غضبًا شعبيًا في بلدٍ تُثير فيه أزمة نقص الكهرباء احتجاجاتٍ حاليًا، ويتعين على بغداد تحقيق التوازن بين طهران وأنقرة وواشنطن.

في هذا الإطار، فإن تقليل الاعتماد على الطاقة الإيرانية يُرضي الولايات المتحدة ويُفسح المجال أمام الشركات التركية والغربية، ولكنه يُنذر بتوتر العلاقات مع إيران، التي ما تزال تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي عميق داخل العراق.

الآثار الجيوسياسية

تُظهر سفن توليد الكهرباء التركية كيف أصبحت أزمة الكهرباء في العراق قضية إقليمية.

فبالنسبة لأنقرة، تُعمّق هذه السفن العلاقات مع بغداد، وقد تدعم تعاونًا أوسع في مجالات التجارة والأمن ونزاعات المياه وملف حزب العمال الكردستاني.

أمّا بالنسبة لبغداد، فهي تُتيح لها وسيلة للحدّ من تأثُّرها بانقطاعات الإمدادات الإيرانية والغموض المرتبط بالعقوبات.

رغم ذلك، تبقى المخاطر واضحة، فسفن توليد الكهرباء مكلفة من حيث الإيجار والتزويد بالوقود، وتعتمد على الوقود الأحفوري، ويمكن أن تُبدّل شكلًا من أشكال تبعية الطاقة بآخر.

وإذا انخفضت إيرادات النفط، فقد يواجه العراق صعوبة في تلبية احتياجاته من هذه الواردات الطارئة.

تبرير أزمة الكهرباء في العراق

إن ارتفاع معدل حرق الغاز في العراق يجعل تبرير أزمة الكهرباء في العراق أكثر صعوبة.

وتحرق البلاد كميات كبيرة من الغاز المصاحب لإنتاج النفط، في حين يستورد الغاز لتشغيل محطات توليد الكهرباء.

وهذا ليس مجرد خلل تقني، بل هو تناقض سياسي واقتصادي، فاستغلال هذا الغاز من شأنه أن يقلل الهدر والانبعاثات، ويعزز توليد الكهرباء محليًا، ويمنح بغداد مزيدًا من السيطرة على إمداداتها من الكهرباء.

وتُؤثّر مشكلة حرق الغاز في الجانب الجيوسياسي لقطاع الكهرباء، وما دام العراق عاجزًا عن معالجة غازه واستعماله، فإنه سيظل عرضة لضغوط إيران وتركيا والولايات المتحدة وأسواق الطاقة العالمية.

ومن شأن الحدّ من حرق الغاز أن يقلل من أهمية الواردات الطارئة، بما فيها سفن توليد الكهرباء التركية، في مواجهة تحديات الصيف.

وبهذا المعنى، لا يُعدّ استخلاص الغاز مجرد إصلاح للطاقة، بل هو مسألة سيادة.

محطة بسماية الكهربائية العاملة بالغاز في العاصمة العراقية
محطة بسماية الكهربائية العاملة بالغاز في العاصمة العراقية – الصورة من جي إي فيرنوفا

محطات الكهرباء العائمة

قد تُخفف محطات الكهرباء العائمة من حدّة أزمة الصيف، لكنها لن تُعيد بناء شبكة الكهرباء العراقية.

ومن دون استخلاص الغاز، وتحديث الشبكة، وتعزيز الحوكمة، وإصلاح التعرفات الجمركية، وتحسين تحصيل الرسوم، سيستمر العراق في الاعتماد على الاستئجار لمواجهة الأزمات.

لذا، تُقدّم محطات الكهرباء العائمة التركية للعراق حلًا مؤقتًا مفيدًا، لا إستراتيجية.

وقد تُحدّ هذه المحطات من انقطاعات التيار الكهربائي هذا الصيف، وتُشير إلى تعميق علاقات الطاقة بين تركيا والعراق، لكنها لا تُغيّر من جوهر المشكلة.

وما لم تستغل بغداد هذا الحل المؤقت لدفع عجلة الإصلاح، ستُصبح هذه السفن رمزًا آخر لفشل العراق في تحويل ثروته الطاقية إلى أمن طاقة.

ويكمن الاختبار الحقيقي فيما إذا كانت الحكومة ستتعامل مع هذه الفرصة بصفتها أكثر من مجرد إدارة لأزمة الكهرباء في العراق.

وتحتاج البلاد إلى استخلاص الغاز الذي تهدره حاليًا، وحماية الاستثمارات من الفساد والتدخل السياسي، وتحديث شبكة الكهرباء التي تفقد قدرتها قبل وصولها إلى المستهلكين.

وإذا حوّلت بغداد محطات الكهرباء العائمة التركية إلى جسر نحو تنويع مصادر الطاقة، فقد تخدم هذه الصفقة غرضًا إستراتيجيًا، وإلا، فستكون مجرد حل ترقيعي مكلف آخر لنظام ينهار أمام أعين الجميع.

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق