صفقة الغاز بين مصر والجزائر ودلالتها الإستراتيجية (مقال)
أحمد بدر

تفرض صفقة الغاز بين مصر والجزائر نفسها بوصفها واحدة من أبرز التحركات العربية في قطاع الطاقة خلال 2026، خاصةً مع تصاعد الاضطرابات المرتبطة بإمدادات شرق المتوسط، وعودة ملف أمن الطاقة إلى صدارة الأولويات الاقتصادية والسياسية داخل المنطقة العربية.
وجاء التحرك الجزائري تجاه القاهرة بعد توقُّف تدفقات الغاز الإسرائيلي نهاية فبراير/شباط 2026، نتيجة إغلاق احترازي لعدد من الحقول وتفعيل بند القوة القاهرة، وهو ما تسبَّب في ضغوط واسعة على منظومات الكهرباء والصناعة وأسواق الوقود في البلدين.
وأعادت صفقة الغاز بين مصر والجزائر تسليط الضوء على أهمية التكامل العربي في قطاع الطاقة، خصوصًا مع اعتماد القاهرة على واردات الغاز لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، التي ارتفعت إلى نحو 2.1 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال أوقات الذروة الصيفية الأخيرة.
وتكتسب التحركات الحالية أهمية إضافية؛ لأن الجزائر تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات الغاز في أفريقيا، إلى جانب قدرات تصديرية كبيرة عبر محطات الغاز المسال وخطوط الأنابيب، في حين تسعى مصر إلى الحفاظ على مكانتها مركزًا إقليميًا لتجارة الطاقة وتداولها في شرق المتوسط.
أزمة الغاز الإسرائيلي تعيد ترتيب التحالفات
أظهرت أزمة توقُّف الغاز الإسرائيلي في ربيع 2026 هشاشة الاعتماد على مصدر واحد للإمدادات، بعدما أُغلقت حقول رئيسة، أبرزها حقل ليفياثان، لمدة قاربت 34 يومًا، قبل استئناف الضخ مجددًا مساء الثالث من أبريل/نيسان، ولكن ما تزال أزمة الإمدادات قائمة.
وبرزت صفقة الغاز بين مصر والجزائر خلال تلك التطورات بوصفها أحد الخيارات الواقعية لتعويض جزء من النقص، خاصةً أن مصر كانت تستورد قبل الأزمة ما بين مليار و1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا من الغاز الإسرائيلي الموجّه لمحطات الكهرباء والصناعة.
وكانت مصادر مطّلعة قد كشفت أن الجزائر أبدت استعدادها لتوفير شحنات غاز مسال إلى مصر والأردن ضمن تفاهمات تجارية وسياسية محتملة، مع التأكيد أن الأمر لا يرتبط بمِنح مجانية، بل بعقود وتفاهمات طويلة الأجل تخضع لاعتبارات السوق.

وتزامنَ ذلك مع تحرُّك مصري عاجل للتعاقد على نحو 15 شحنة غاز مسال خلال أبريل/نيسان 2026، في وقت ارتفعت فيه تكلفة الشحنة الواحدة إلى قرابة 80 مليون دولار، مقارنة بنحو 48 مليون دولار فقط خلال فبراير/شباط الماضي.
وتعكس صفقة الغاز بين مصر والجزائر إدراكًا متزايدًا لدى القاهرة بأهمية تنويع مصادر الإمداد، خصوصًا أن الإنتاج المحلي المصري تراجع إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يوميًا، مقابل احتياجات يومية تصل إلى 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع صيفًا إلى 7.2 مليارًا.
وتتمتع الجزائر بمرونة كبيرة في تصدير الغاز، سواء عبر منشآت التسييل أو خطوط الأنابيب المتجهة إلى أوروبا، وهو ما يمنحها قدرة على المناورة التجارية والسياسية، خاصةً مع تصاعد الطلب العالمي على الغاز منذ اندلاع أزمات الطاقة الدولية الأخيرة.
كما أن استئناف تدفقات الغاز الإسرائيلي عبر حقلي تمار وليفياثان خفَّف الضغوط مؤقتًا على القاهرة وعمّان، لكنه لم يُنهِ الحاجة إلى بناء شراكات بديلة، خصوصًا مع استمرار المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بشرق المتوسط وأسواق الطاقة العالمية المتقلبة.
التعاون النفطي والغازي بين القاهرة والجزائر
لم تتوقف العلاقات الطاقية بين البلدين عند ملف الغاز فقط، إذ شهد مايو/أيار 2026 توقيع اتفاقات جديدة بين القاهرة والجزائر شملت شراء النفط الخام الجزائري، إلى جانب تطوير حقل حاسي بير ركايز باستثمارات تُقدَّر بنحو مليار دولار.
وتعزز صفقة الغاز بين مصر والجزائر مسارًا أوسع من التعاون الإستراتيجي، خاصةً بعد إشراف وزير المحروقات الجزائري محمد عرقاب ووزير البترول المصري كريم بدوي، يوم 5 مايو/أيار 2026، على توقيع عقد تطوير المشروع النفطي المشترك رسميًا في الجزائر.
ويُعدّ حقل حاسي بير ركايز أحد المشروعات المهمة داخل الجزائر، إذ تستهدف المرحلة الثانية من تطويره إنشاء وحدة معالجة مركزية للنفط الخام بطاقة تصل إلى 31.5 ألف برميل يوميًا، إلى جانب مرافق لمعالجة الغاز المصاحب والمياه المنتجة من الحقل.
ويمتدّ تنفيذ المشروع لنحو 39 شهرًا، ما يعكس حجم التعقيدات الفنية والاستثمارات المطلوبة لتطوير الحقول البرية الصحراوية، خاصةً مع الحاجة إلى بنية تحتية متكاملة تشمل خطوط نقل ومرافق تخزين ومعالجة تدعم خطط رفع الإنتاج مستقبلًا.

كما تعكس صفقة الغاز بين مصر والجزائر رغبة مشتركة في تعزيز الاستثمارات العربية البينية داخل قطاع الطاقة، مع توسيع حضور الشركات الوطنية، وعلى رأسها سوناطراك الجزائرية والهيئة المصرية العامة للبترول، في مشروعات إقليمية ذات طابع إستراتيجي طويل الأمد.
وشهدت الزيارة المصرية الأخيرة إلى الجزائر توقيع مذكرة تفاهم لشراء النفط الخام الجزائري، بهدف توفير إمدادات مستقرة للسوق المصرية، ودعم عمليات التكرير المحلية، خصوصًا مع تنامي الطلب على الوقود والمنتجات النفطية داخل البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وتسعى القاهرة من خلال هذه التفاهمات إلى ترسيخ دورها مركزًا إقليميًا لتداول الطاقة، مستفيدةً من بنيتها التحتية المتطورة، التي تشمل محطات إسالة الغاز في إدكو ودمياط، إضافة إلى شبكة واسعة من خطوط النقل والمواني ومحطات التكرير الحديثة.
جذور تاريخية ودلالات إستراتيجية أوسع
لا تُعدّ العلاقات الغازيّة بين البلدين وليدة الظروف الحالية، إذ تعود المفاوضات الرسمية بين القاهرة والجزائر بشأن استيراد الغاز المسال إلى عام 2014، عندما واجهت مصر أزمة حادة في الإمدادات وارتفاعًا كبيرًا في الطلب المحلي على الكهرباء.
وتكشف صفقة الغاز بين مصر والجزائر -آنذاك- أن التعاون الطاقي بين البلدين يستند إلى تراكم سياسي واقتصادي طويل، بدأ بمفاوضات قادتها الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" مع شركة سوناطراك الجزائرية قبل أكثر من 12 عامًا.
وقادت شركة إيجاس -حينها- جولات تفاوضية مكثّفة مع الجزائر، تناولت الكميات والأسعار وآليات التوريد، إضافة إلى ترتيبات استقبال الغاز المسال بميناء العين السخنة وتحويله إلى صورته الغازية الطبيعية داخل مصر.
وكانت القاهرة قد توصلت في ذلك الوقت إلى اتفاق مبدئي لاستيراد 12 شحنة غاز مسال من الجزائر، غير أنّ تعثُّر المفاوضات المرتبطة بسفينة إعادة التغويز النرويجية تسبَّب في تأخير تنفيذ الاتفاق وعدم وصول الشحنات خلال الموعد المخطط آنذاك.

لذلك، تحمل صفقة الغاز بين مصر والجزائر أبعادًا سياسية تتجاوز الاعتبارات التجارية المباشرة، إذ تعكس رغبة عربية في بناء منظومة تعاون إقليمي تقلل الاعتماد على المصادر الخارجية، وتمنح الدول العربية هامشًا أكبر في إدارة أمنها الطاقي مستقبلًا.
كما أن التقارب الحالي يتزامن مع تحولات مهمة في سوق الغاز العالمية، أبرزها ارتفاع الطلب الأوروبي على الغاز الأفريقي، وتزايد المنافسة على الشحنات الفورية، وهو ما يمنح الجزائر فرصة لتعزيز نفوذها التصديري والإستراتيجي داخل المنطقة وخارجها.
وفي المحصلة، تبدو التحركات المصرية الجزائرية مرشّحة للتوسع خلال السنوات المقبلة، سواء عبر الغاز أو النفط أو مشروعات التطوير المشتركة، خاصةً أن التحديات المرتبطة بالطاقة أصبحت عاملًا رئيسًا في صياغة التحالفات الاقتصادية والسياسية داخل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
موضوعات متعلقة..
- سوناطراك الجزائرية وبتروجت المصرية تخططان للتنقيب عن النفط في أفريقيا (خاص)
- شبكات خطوط أنابيب الغاز في أفريقيا.. الجزائر ومصر بالصدارة (تقرير)
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





