الهيدروجين المسال ورسم خريطة الطاقة العالمية.. لماذا يتفوق على الغاز؟ (مقال)
د. صلاح مهدي

يبرز الهيدروجين المسال بوصفه نقطة مهمة، في عالم لم تعد فيه الأزمات الجيوسياسية استثناءً، بل سمة متكررة، إذ لم يعد أمن الطاقة ملفًا اقتصاديًا أو بيئيًا فحسب، بل أصبح عنصرًا محوريًا في معادلة الأمن القومي والسيادة الوطنية.
فالتقلبات في سلاسل الإمداد، وإغلاق الممرات البحرية، واستعمال الطاقة أداة ضغط سياسي، كشفت هشاشة النظام العالمي القائم، وأعادت طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للدول أن تؤمّن احتياجاتها من الطاقة بعيدًا عن تقلبات الخارج؟
في هذا السياق، يبرز الهيدروجين المسال (LH2)، بوصفه أحد أبرز الأدوات المرشحة لإعادة تشكيل منظومة الطاقة العالمية.
ولا تكمن أهميته في كونه وقودًا منخفض الانبعاثات فقط، بل في كونه يقدّم نموذجًا مختلفًا لإنتاج وتداول الطاقة، يقوم على القدرة الصناعية والتكنولوجية، لا على الجغرافيا والموارد الطبيعية.
نظام يعتمد على القدرة
النظام الحالي للطاقة مبني على حقيقة واحدة: الموارد توجد في أماكن محددة، ولهذا يظل النفط والغاز مرتبطَين بجغرافيا معقّدة، وتمرّ نسبة كبيرة من الإمدادات عبر ممرات حسّاسة مثل مضيق هرمز.
فتظل الدول المستوردة عُرضةً للتقلبات والضغوط. حتى الغاز الطبيعي المسال (LNG)، رغم مرونته النسبية، لم يخرج من هذا المنطق، بل أعاد تشكيله دون أن يكسره.
أمّا الهيدروجين المسال فيقدّم تحولًا مختلفًا جوهريًا؛ إذ هو لا يُستخرَج بل يُصنَّع.
فبدلًا من حقول النفط والغاز، يحتاج الهيدروجين المسال إلى 3 مدخلات فقط: الكهرباء، والماء، والتكنولوجيا.
وهذا ما يفتح الباب أمام نموذج جديد كليًا لطاقة تُبنى على القدرة الإنتاجية، وليس على الجغرافيا.

لماذا الهيدروجين المسال تحديدًا؟
التحدي الأساس للهيدروجين لا يكمن في إنتاجه بل في نقله؛ فكثافته في حالته الغازية منخفضة للغاية، مما يجعل نقله لمسافات طويلة أمرًا غير اقتصادي.
هنا يأتي دور التسييل، الذي يُضاعف الكثافة نحو 800 مرة، ويُحوّل الهيدروجين إلى سلعة عالمية قابلة للشحن والتداول عبر الممرات البحرية.
وعلى صعيد الكفاءة التقنية، شهد القطاع تقدمًا ملموسًا؛ إذ انخفض استهلاك الطاقة في عملية التسييل من نحو 35 - 20 كيلوواط/ساعة لكل كيلوغرام قبل سنوات، إلى ما بين 8 و10 كيلوواط/ساعة حاليًا، وذلك بفضل استثمارات شركات متخصصة في هذا المجال مثل Chart Industries.
بمعنى آخر، العائق التقني الذي كان يحدّ من انتشار الهيدروجين المسال بدأ يتراجع بشكل واضح.
التحدي الحقيقي: البنية التحتية
رغم التقدم التكنولوجي، فإن التحدي الأكبر اليوم لم يعد في الإنتاج أو التسييل، بل في بناء منظومة متكاملة للنقل والتخزين والتداول. فالعالم ما يزال بحاجة إلى:
- ناقلات متخصصة.
- مواني تصدير واستقبال.
- أنظمة تخزين فائقة البرودة.
والمفارقة اللافتة أن هذا هو النظام ذاته الذي واجهه الغاز الطبيعي المسال في بداياته، حين كانت البنية التحتية شبه معدومة، والتكاليف مرتفعة، والمشككون كثيرون.
واليوم، تُشكّل سوق الغاز الطبيعي المسال منظومة عالمية ضخمة. والهيدروجين المسال يقف الآن عند نقطة الانطلاق نفسها، مع فارق واحد: التحول قد يحدث بوتيرة أسرع مما توقّعه أحد.
من النظرية إلى الواقع
التحول بدأ بالفعل على أرض الواقع، وتتجلى ملامحه في مبادرات متعددة حول العالم.
فميناء أمستردام يطوّر بنية تحتية للهيدروجين المسال لدعم مستقبل النقل الثقيل، في حين تعتمد شركة إيرباص على الهيدروجين المسال في تطوير طائرات المستقبل.
وتعمل شركة إيكولوج على بناء ناقلات وسلاسل إمداد للهيدروجين المسال، في حين تسعى شركة كاواساكي اليابانية لبناء ناقلات متخصصة وتوسيع منظومة الإمداد الدولية.
أمّا ميناء الدقم في سلطنة عُمان، فيتّجه بخطوات حثيثة ليكون مركزًا إقليميًا لتصدير الهيدروجين.
الصين -أيضًا- بدأت خطوات جادة في هذا المجال، فمنذ أسابيع قليلة افتُتِحَت أكبر محطة تمويل للهيدروجين المسال، وهو المشروع الذي موّلته شركه سينوبك، وهي إحدى أهم شركات الطاقة وأكبرها في الصين.
وهذه ليست تجارب معزولة، بل إشارات مبكرة لنظام طاقة عالمي جديد آخذ في التشكّل.

الجغرافيا الجديدة: من سيقود السوق؟
إذا كان النفط قد رسم خريطة الطاقة في القرن الماضي، فإن الهيدروجين قد يعيد رسمها، لكن بمعايير مختلفة.
في المنطقة العربية، تبرز دول عدّة بوصفها لاعبًا رئيسًا، وهي:
- مصر: بفضل موقعها الإستراتيجي وقربها من أوروبا.
- المغرب: بإمكاناته الكبيرة في طاقة الرياح.
- سلطنة عمان: بموقعها خارج مضيق هرمز.
- السعودية: بمشاريعها الضخمة وقدراتها التمويلية.
وفي العموم, تمتلك المنطقة العربية مقومات استثنائية تجعلها في مقدمة المرشحين لقيادة منظومة الهيدروجين العالمية، سواء من حيث الإنتاج أو التصدير.
فإلى جانب احتياطياتها النفطية والغازية الضخمة التي تُشكّل قاعدة للهيدروجين الأزرق، تزخر المنطقة بشمس مشرقة طوال العام ورياح واعدة تُتيح إنتاج الهيدروجين الأخضر بتكلفة منخفضة، فضلًا عن موقعها الجغرافي المتوسط بين 3 قارات.
وعلى المستوى العالمي:
- أستراليا مرشّحة لتكون مصدرًا رئيسًا للهيدروجين.
- النرويج بخبرتها في الطاقة البحرية ومواردها من الطافة المتجددة.
- البرازيل بمواردها المتجددة ومواردها من الطافة المتجددة، خاصةً الكهرومائية منها.
كما تبرز دول أفريقية مثل ناميبيا. وهذا التنوع يشير إلى أن سوق الهيدروجين ستكون أكثر انتشارًا وتنافسًا من أيّ سوق طاقة سابقة.
مقارنة التكلفة: الهيدروجين المسال أم خطوط الأنابيب أم الأمونيا؟
يُطرح هذا السؤال كثيرًا في النقاشات المتعلقة بمستقبل نقل الهيدروجين، والإجابة ليست مطلقة، بل تتوقف على 3 عوامل:
- المسافة.
- حجم الكميات.
- البنية التحتية المتاحة.
وتظل خطوط الأنابيب الخيار الأقل تكلفة في المسافات القصيرة، لكنها تفتقر إلى المرونة وتعتمد على استقرار سياسي طويل الأمد.

كما أنها ليست بالخيار الأمثل لنقل الهيدرجين عبر المحيطات، ويبقي أحد أهم التحديات هو تنفيذ هذه المشروعات التي تُمدَّد لسنوات طويلة قد تمتد لأكثر من 10 و 15 عامًا.
وتوفّر الأمونيا حلًا عمليًا للنقل بفضل بُنيتها التحتية الحالية، لكنها تتطلب عمليات تحويل إضافية تؤدي إلى خسائر في الكفاءة، وهو ما يؤثّر في النهاية في اقتصادات هذا الخيار.
أمّا الهيدروجين المسال، فقد أصبح -بفضل التقدم الكبير في تقنيات التسييل ورفع الكفاءة- خيارًا متقدمًا، ليس فقط من حيث المرونة في النقل العالمي، بل أيضًا من حيث السهولة التشغيلية والجدوى الاقتصادية على المدى المتوسط.
ومع تحسُّن الكفاءة وانخفاض استهلاك الطاقة، بدأ الهيدروجين المسال يقترب من أن يكون الحل الأكثر توازنًا بين التكلفة والأداء، خاصةً في التطبيقات التي تتطلب استعمالًا مباشرًا دون تحويلات كيميائية إضافية.
كما يتمتع الهيدروجين المسال بميزة بيئية مهمة مقارنةً ببعض البدائل مثل الأمونيا، إذ لا ينتج عنه انبعاثات ملوثة مثل أكاسيد النيتروجين (NOx) عند الاستعمال، وهو ما يعزز جاذبيته في القطاعات التي تخضع لضغوط تنظيمية متزايدة.
ومع ذلك، لا يبقى التحدي الرئيس اليوم في التكنولوجيا أو الكفاءة، بل في القدرة على التوسع التجاري.
فالعالم ما يزال يفتقر إلى عدد كافٍ من ناقلات الهيدروجين المسال، إضافة إلى محدودية البنية التحتية من مواني ومحطات تصدير واستقبال وأنظمة تخزين متخصصة.
هذه الفجوة في سلاسل الإمداد هي ما يحدد سرعة انتشار الهيدروجين المسال عالميًا، وهي التحدي الحقيقي الذي يواجهه القطاع في المرحلة الحالية.
الخلاصة
التحول نحو الهيدروجين المسال لا يتعلق فقط بتبنّي وقود جديد، بل بإعادة صياغة منظومة الطاقة بالكامل.
فبينما يظل الغاز الطبيعي المسال جزءًا مهمًا من النظام الحالي، يبقى مرتبطًا بمنطق الجغرافيا.
أمّا الهيدروجين المسال، فيقدّم نموذجًا مختلفًا يقوم على القدرة والمرونة والاستقلال.
وفي عالم يتّسم بعدم اليقين، قد لا يكون السعر هو العامل الحاسم، بل القدرة على ضمان الإمدادات.
وعليه، فإن السؤال لم يعد: هل سيأتي الهيدروجين؟ بل: من سيبني البنية التحتية أولًا؟ ومن سيقود هذا التحول؟
الدكتور صلاح مهدي، المدير التنفيذي لقطاع الهيدروجين في شركة شارت إندستريز
هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة
موضوعات متعلقة..
- دايملر الألمانية تؤجل إنتاج شاحنات الهيدروجين المسال
- إنجاز جديد في تخزين الهيدروجين المسال لتشغيل الطائرات
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في الربع الأول 2026 (ملف خاص)
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





