بعد الخفض الكبير بأسعار النفط العراقي.. أنس الحجي: الوضع أكثر تعقيدًا
أحمد بدر

يشهد النفط العراقي تحولات حادة في ظل التوترات الجيوسياسية، ما يطرح تساؤلات عميقة حول جدوى التخفيضات السعرية في بيئة تعاني اختناقات تصديرية، ويعكس حالة ارتباك في الأسواق العالمية المرتبطة بأمن الممرات البحرية الحيوية.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن ما يحدث في العراق لا يمكن فصله عن تعقيدات المشهد الإقليمي، خاصةً مع تداخل العوامل السياسية والعسكرية التي تعرقل تدفقات الطاقة بشكل غير مسبوق.
وأشار إلى أن الحسومات السعرية التي يقدّمها العراق بنحو 30 دولارًا للبرميل، لا تعكس قوة تفاوضية، بل تعكس أزمة حقيقية في تصريف الإنتاج، إذ إن النفط العراقي يواجه قيودًا لوجستية وأمنية تحدّ من وصوله إلى الأسواق، رغم الحاجة العالمية إلى الإمدادات.
وأضاف أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أو تعثُّر الملاحة فيه يخلق واقعًا جديدًا، تصبح فيه الأسعار غير ذات معنى إذا تعذَّر النقل، وهو ما يجعل أيّ حسومات يقدّمها المنتجون، دون تأثير فعلي بحركة التجارة النفطية.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، بعنوان: "هرمز وآثاره العالمية.. تضخُّم وركود اقتصادي وضربة لأسواق النفط".
وضع الصادرات العراقية
قال أنس الحجي، إن وضع الصادرات العراقية أصبح أكثر تعقيدًا، حيث تراجعت الكميات بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الماضية، ما جعل النفط العراقي يعتمد على منافذ محدودة للغاية، لا تلبي احتياجات السوق العالمية.
وأوضح أن التصدير عبر الشمال لا يتجاوز 200 ألف برميل يوميًا، إضافة إلى كميات ضئيلة تمرّ عبر سوريا إلى ميناء بانياس، وهو ما لا يمكن عَدُّه حلًا مستدامًا لأزمة تصدير مستمرة ومتفاقمة.
كما أشار إلى أن هذه القيود تجعل العراق في وضع اقتصادي هش، إذ يعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، ما يعني أن أيّ تعطُّل في الصادرات ينعكس فورًا على الاستقرار المالي للدولة.

ولفت أنس الحجي إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بالبنية التحتية، بل تمتدّ إلى غياب الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما يُضعف قدرة العراق على اتخاذ قرارات إستراتيجية طويلة المدى في قطاع الطاقة.
بالإضافة إلى ذلك -وفق الحجي- فإن التخفيضات السعرية الحالية لا تعالج جوهر المشكلة، لأن السوق لا تحتاج فقط إلى أسعار منخفضة، بل إلى ضمانات وصول، وهو ما يفتقر إليه النفط العراقي في الظروف الحالية.
وشدد أنس الحجي على أن استمرار هذا الوضع قد يدفع بغداد إلى اللجوء لخيارات غير تقليدية، لكنها قد تحمل مخاطر إضافية على المدى الطويل، سواء من الناحية الاقتصادية أو الجيوسياسية.
علاقة مضيق هرمز بتسعير النفط
أشار أنس الحجي إلى علاقة مضيق هرمز بتسعير النفط، قائلًا، إن الربط بينهما يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات، لأن المشكلة الأساسية ليست في السعر، بل في القدرة على إيصال النفط إلى المشترين.
وأوضح أن إغلاق المضيق أو تعثُّر الملاحة فيه يعني عمليًا أن أيّ برميل نفط، مهما كان سعره، لن يصل إلى وجهته، وهو ما يُفقد التخفيضات قيمتها الاقتصادية والتجارية بالكامل.
كما لفت إلى أن هذا الواقع يخلق مفارقة غريبة، حيث يعرض العراق النفط العراقي بأسعار منخفضة، في حين إن المشترين غير قادرين على استلامه بسبب القيود المفروضة على المرور البحري.

وأكد أنس الحجي أن المواقف الدولية، خاصةً الأميركية، تثير تساؤلات حول جدّية الجهود المبذولة لإعادة فتح المضيق، في ظل تصريحات متناقضة حول الوضع الأمني والقدرات البحرية في المنطقة.
في الوقت نفسه، قال الحجي، إن غياب التأمين البحري يشكّل عقبة رئيسة، إذ إن شركات الشحن لن تخاطر بسفنها في منطقة غير آمنة، حتى مع وجود ممرات بديلة أو إرشادات إلكترونية.
ولفت خبير اقتصادات الطاقة إلى أن استمرار هذا الغموض يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق، ويجعل من الصعب على المنتجين والمستهلكين اتخاذ قرارات واضحة بشأن الإمدادات المستقبلية.
شراء النفط بأسعار منخفضة
قال الدكتور أنس الحجي، إن من بين السيناريوهات المطروحة إمكان قيام أطراف إقليمية بشراء النفط بأسعار منخفضة، ثم إعادة بيعه في الأسواق العالمية، مستفيدةً من قدرتها على تجاوز القيود المفروضة.
وأوضح أن إيران قد تكون طرفًا محوريًا في هذا السياق، مُرجعًا ذلك إلى قدرتها على نقل النفط من خلال مضيق هرمز بالرغم من التوترات، وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية استغلال الفارق السعري.
كما أشار مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة إلى أن هذا السيناريو يعني أن النفط العراقي قد لا يصل مباشرة إلى المشترين النهائيين، بل يمرّ عبر وسطاء يحققون أرباحًا كبيرة نتيجة فروق الأسعار.

بالإضافة إلى ذلك -وفق أنس الحجي- فإن هذا الوضع يعكس خللًا في هيكل السوق، حيث تتحول الأزمة من مشكلة إمدادات إلى فرصة للمضاربة والاستفادة من الفجوات الجيوسياسية.
وأكد أن غياب الشفافية في مثل هذه العمليات يزيد من تعقيد المشهد الحالي، ويجعل من الصعب تتبُّع مسارات النفط أو تحديد المستفيدين الحقيقيين من هذه الترتيبات.
واختتم الدكتور أنس الحجي تصريحاته بالإشارة إلى أن استمرار هذه الظروف قد يعيد تشكيل خريطة تجارة النفط في المنطقة، ويمنح بعض اللاعبين نفوذًا أكبر على حساب المنتجين التقليديين.
موضوعات متعلقة..
- تخزين النفط العراقي بالخارج.. فرص ضائعة ومليارات مفقودة (مقال)
- صادرات النفط العراقي عبر تركيا قد ترتفع إلى 600 ألف برميل يوميًا
- وكالة الطاقة الدولية تقترح طريقًا جديدًا لصادرات النفط العراقي.. بديل مضيق هرمز
اقرأ أيضًا..
- تقارير وملفات خاصة من وحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
المصدر:





