انسحاب الإمارات من أوبك.. الغاز هو الهدف الإستراتيجي (مقال)
أحمد شوقي*

- انسحاب الإمارات من أوبك تَحوُّل جوهري في الإستراتيجية الوطنية للطاقة.
- الانسحاب يدعم أهداف الإمارات لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز.
- الإمارات تعتمد على الواردات في توفير 25% من احتياجاتها من الغاز.
- تَقدُّم كبير في خفض حصة الغاز بمزيج توليد الكهرباء الإماراتي.
- عوائد النفط تدعم خطط أدنوك في تطوير موارد الغاز غير التقليدي.
أثار انسحاب الإمارات من أوبك ضجة في أسواق النفط العالمية، مستندًا إلى رغبة البلاد في زيادة إمدادات النفط بعد انتهاء أزمة مضيق هرمز، لكن يظهر في الخلفية هدف آخر لا يقلّ أهمية، وهو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز.
في 1 مايو/أيّار 2026 خرجت الإمارات رسميًا من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ بهدف التركيز على مصلحتها الوطنية واستغلال قدراتها الحالية والمستقبلية في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، بعد تحررها من القيود الإنتاجية الخاصة بالتحالف.
ورغم أن النفط هو المحرك المالي والتشغيلي وراء انسحاب الإمارات من أوبك مع استهداف البلاد الوصول بالطاقة الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يوميًا بحلول 2027، فإن زيادة إنتاج الغاز الهدف الإستراتيجي مع تزايد الطلب عليه عالميًا.
وتستهدف الإمارات تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز بحلول 2030، ووقف الواردات من قطر بحلول عام 2032، وهو موعد انتهاء صلاحية عقد الاستيراد عبر خط أنابيب دولفين، ومن ثم التحول إلى مُصدِّر صافٍ.
وتعتمد الإمارات على قطر في توفير 1.9 مليار قدم مكعبة يوميًا، كما تستورد الغاز المسال -إمارة دبي تحديدًا- لتلبية ذروة الطلب خلال الصيف.
وفضلًا عن الهدف المحلي، تستهدف البلاد تعزيز صادراتها من الغاز المسال إلى 3 أضعاف القدرة الحالية عبر مشروع الرويس، الذي تبلغ طاقته 9.6 مليون طن سنويًا.
ومع رغبة الإمارات في زيادة إنتاج النفط بعد الانسحاب من أوبك، يبرز سؤال مهم: هل يمكن لهذا التوسع أن يقودها لتحقيق أهداف الغاز؟
كيف يدعم انسحاب الإمارات من أوبك أهداف الغاز؟
قد يسهم انسحاب الإمارات من أوبك في تحقيق أهدافها المتعلقة بالغاز عبر مسارين رئيسين:
- معظم إنتاج الغاز الإماراتي يكون مصاحبًا للنفط، ومن ثم فإن الاستفادة من الطاقة الإنتاجية الفائضة للنفط تعني زيادة إنتاج الغاز بتكلفة منخفضة.
- تعزيز عوائد النفط مع زيادة الصادرات يساعد في تمويل مشروعات الغاز غير التقليدي المكلفة للغاية.
نجحت الإمارات بخفض استعمال الغاز في توليد الكهرباء، فقد تراجعت حصته في المزيج من 100% على مدى عقود إلى 68% حاليًا، وذلك عبر استثمارات متنوعة في الطاقة المتجددة والطاقة النووية.
وحاليًا تُلبّي محطات براكة للطاقة النووية بقدرة 5.6 غيغاواط نحو 25% من احتياجات الكهرباء في الإمارات، لتوفر مليار قدم مكعبة يوميًا من الغاز، فضلًا عن طفرة الطاقة الشمسية، حيث تستهدف البلاد مضاعفة قدرة المصادر المتجددة 3 مرات بحلول 2030، من نحو 8 غيغاواط -حاليًا.
وأمام النجاح الملحوظ في خفض استهلاك الغاز لتوليد الكهرباء، ما تزال البلاد تكافح لتحقيق الزيادة المرجوة في الإنتاج، وهو الجانب الأهم في معادلة تحقيق الاكتفاء الذاتي، خصوصًا مع النمو الصناعي المستمر الذي يرفع الطلب في القطاعات الأخرى العملاقة في البلاد مثل التكرير والبتروكيماويات.
ومع بقاء أقل من 5 سنوات على مستهدفات الغاز، كان قرار انسحاب الإمارات من أوبك اقتصاديًا في المقام الأول يرتكز على تغليب المصلحة الوطنية في تعزيز إنتاج النفط والغاز.
ومنذ إعلان الإستراتيجية الوطنية للطاقة في عام 2017 متضمنةً هدف الاكتفاء الذاتي، لم يشهد إنتاج الإمارات من الغاز زيادات سنوية كبيرة، ليبلغ 60.1 مليار متر مكعب (5.8 مليار قدم مكعبة يوميًا) في 2025، دون تغيير ملحوظ عن مستواه في 2016، كما يوضح الرسم أدناه من بيانات أوبك:

وتأثَّر إنتاج الغاز المصاحب بتخفيضات تحالف أوبك+ لإنتاج النفط خلال السنوات الـ5 الأخيرة، التي استهدفت ضبط توازن السوق في ظل أزمات الطاقة ومخاوف التباطؤ الاقتصادي العالمي، لذلك ترى الإمارات الآن ضرورة إطلاق العنان لقدراتها الإنتاجية دون التقيّد بحصص معينة من أجل تحقيق أهدافها الوطنية، خصوصًا مع الاستثمارات الهائلة التي يشهدها القطاع.
في المقابل، واصل الطلب على الغاز نموه، ليصل إلى 77.86 مليار متر مكعب (7.5 مليار قدم مكعبة يوميًا) العام الماضي، ما يدفع البلاد لتلبية 25% من احتياجاتها عبر الاستيراد، فضلًا عن أن تشغيل مشروع الرويس للغاز المسال بحلول 2028 سيحتاج إلى كميات كبيرة من غاز التغذية للوفاء بالتزامات البلاد تجاه عملائها في الخارج.
انسحاب الإمارات من أوبك وتعزيز العوائد النفطية
إلى جانب الغاز المصاحب، يدعم المسار الثاني -أيضًا- السبب الاقتصادي لقرار انسحاب الإمارات من أوبك المتمثل في تعزيز العوائد النفطية في ظل التوسع الاستثماري الهائل لشركة أدنوك الإماراتية التي تحوّلت من شركة نفط وطنية إلى شركة طاقة عالمية.
ومع توقُّع استمرار ارتفاع أسعار النفط لعدّة أشهر حتى بعد إعادة فتح مضيق هرمز، وتزامنًا مع تعزيز الصادرات وزيادة الحصة السوقية، ستحقق البلاد عوائد كبيرة يمكن لأدنوك استغلالها في تسريع تطوير مشروعات الغاز الحامض والصخري المكلفة للغاية.
وتحتاج أدنوك لاستثمار أكثر من 40 مليار دولار لتحقيق هدف الاكتفاء الذاتي من الغاز، بحسب تقديرات سابقة لشركة الأبحاث وود ماكنزي، وهو ما يتجاوز نصف الإيرادات السنوية لصادرات النفط الإماراتية في الأعوام الـ3 الأخيرة.
ترتكز مستهدفات الإمارات على تطوير الغاز الحامض وغير التقليدي إلى جانب مشروعات الأغطية الغازية، وكلّها مُكلفة:
- تطوير حقلي "الحيل" و"غشا"
يُعدّ أكبر مشروع للغاز الحامض في العالم، ويستهدف إنتاج 1.5 مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول 2030، على 3 مراحل.
وتمضي أدنوك قدمًا في هذا المشروع رغم التحديات التقنية والمالية، لأن الغاز عالي الحموضة يحتوي على كبريتيد الهيدروجين، وهو غاز سامّ، ويتسبب -أيضًا- في تآكل معادن رئيسة، لذا يجب فصله في أثناء الاستخراج ومعالجته، وهذه الخطوات الإضافية تزيد من تكلفة استغلال هذه الموارد وصعوبتها.

- الغاز غير التقليدي في امتياز حوض الذياب
بدأت أدنوك إنتاج أول كمية غاز غير تقليدي من هذا الامتياز الواقع في منطقة الرويس، لكنها ما تزال تحتاج إلى المزيد من الاستثمارات للوصول إلى المستهدف البالغ مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول 2030.
- الأغطية الغازية في حقلي أم الشيف وباب
تطوير هذه الموارد -أيضًا- ليس سهلًا، لأنها عبارة عن غاز طبيعي موجود فوق طبقات النفط، والإنتاج المتزامن للنفط والغاز معقّد بطبيعته، لكن استعملت أدنوك أحدث التقنيات، ورفعت قدرة إنتاج الغاز في حقل باب إلى 1.5 مليار قدم مكعبة يوميًا.
كما تواصل الشركة تطوير احتياطيات حقل جبل علي المكتشف عام 2020، باحتياطيات 80 تريليون قدم مكعبة، لدعم هدف الاكتفاء الذاتي.
وتشير هذه المشروعات الضخمة والتوسع الاستثماري الهائل في النفط والغاز إلى أن انسحاب الإمارات من أوبك لم يكن مفاجئًا، في ظل سعيها لتعظيم العوائد من استثماراتها، وهو ما يتعارض بطبيعته مع تخفيضات الإنتاج التي كانت تلتزم بها ضمن أوبك وتحالف أوبك+ وفق متطلبات السوق.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى أن زيادة إنتاج النفط هي فقط الهدف من قرار مغادرة منظمة أوبك، بل -أيضًا- وسيلة داعمة تمهّد الطريق أمام الإمارات للتحول من مستورد للغاز إلى مُصدِّر صافٍ.
أحمد شوقي - مدير وحدة أبحاث الطاقة.
*هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
نرشّح لكم..





