إنتاج سلطنة عمان من النفط وكيفية إدارة الاحتياطيات.. تحليل لنموذج استثنائي
وحدة أبحاث الطاقة - أحمد عمار

- خُمس إنتاج النفط العُماني يرتكز على تقنيات الاستخلاص المعزز في 2026
- الحقول المنتجة في سلطنة عمان تسجل أعلى مستوى منذ عقد
- "استبدال الإنتاج" إحدى إستراتيجيات استدامة احتياطيات النفط العماني
- الريامي يوضح أهمية اكتشاف حصيرة لقطاع النفط العماني
حافظ إنتاج سلطنة عمان من النفط على مستويات مرتفعة رغم ندرة الاكتشافات الكبرى وثبات الاحتياطيات، لتُقدّم البلاد نموذجًا استثنائيًا في إدارة الإمدادات عبر التوسع في توظيف تقنيات متقدمة، مكّنتها من إطالة عمر حقولها المتقادمة والوصول إلى مكامن معقدة.
وبحسب تحليل وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن)، يرتكز إنتاج النفط العُماني بشكل متزايد على مشروعات الاستخلاص المعزز؛ إذ تستهدف البلاد أن يشكّل هذا النوع نحو 20% من إجمالي الإمدادات خلال العام الجاري (2026)، مقارنة بـ15% فقط في 2021.
وتعكس السياسة النفطية العُمانية إدراكًا لأهمية هذه التقنيات في دعم استقرار الإنتاج على المدى الطويل، وهو ما يفسّر قدرة السلطنة على تثبيت أقدامها في سوق الطاقة العالمية رغم التحديات الجيولوجية الصعبة.
يأتي ذلك بالتوازي مع طرح مناطق امتياز جديدة بإمكانات جيولوجية واعدة، لفتح باب التنافس بين شركات النفط المحلية والعالمية، لتشهد البلاد -مؤخرًا- إعلان اكتشاف نفطي باحتياطيات 380 مليون برميل.
معادلة استدامة إنتاج سلطنة عمان من النفط
في قراءة فنية، أكد الخبير والمستشار بشؤون الطاقة في سلطنة عُمان، مدير عام التسويق بوزارة الطاقة والمعادن سابقًا، علي بن عبدالله الريامي، أن إنتاج سلطنة عمان من النفط الخام والمكثفات حافظ على مستويات مستقرة تتجاوز المليون برميل يوميًا على مدار سنوات عديدة.
وأرجع الريامي -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة- هذا الاستقرار إلى استمرار السلطنة في الاستثمار بقطاع المنبع (الاستكشاف والإنتاج) حتى في أصعب الظروف الاقتصادية مثل أزمة جائحة كورونا، بجانب استمرار عمليات حفر الآبار الاستكشافية في مناطق الامتياز المختلفة، وهو ما ضمن استدامة الإنتاج النفطي ونموّه.
وأوضح الخبير العُماني أن إستراتيجية بلاده منذ دخولها العصر النفطي ترتكز على معادلة دقيقة تربط بين حجم الإنتاج والاحتياطي المؤكد، وهي "استبدال ما يُنتج"، بمعنى أن كل برميل ينتج يقابله إضافة برميل في الاحتياطي المؤكد، الذي يستقر حول مستويات 5 مليارات برميل منذ سنوات.
وتابع: "بهذه الطريقة لم تكتفِ السلطنة بالحفاظ على مستوى الإنتاج، ولكن أيضًا إضافة احتياطيات مقبولة وإطالة سنوات الإنتاج".
ومع ندرة الاكتشافات الكبيرة مؤخرًا، أشار الريامي إلى أن الاعتماد انتقل إلى توظيف التقنيات المتقدمة والمسوحات الزلزالية ثلاثي الأبعاد لإضافة احتياطيات من مكامن موجودة، مع التميز العالمي في استعمال تقنيات الاستخلاص المعزز لمواجهة الطبيعة الجيولوجية المعقدة للمكامن العمانية.
ديناميكيات إنتاج سلطنة عمان من النفط
تعكس بيانات إنتاج سلطنة عمان من النفط خلال العامين الأخيرين قدرة على الموازنة بين الحفاظ على مستويات إنتاج مرتفعة والالتزامات ضمن تحالف أوبك+.
ووفقًا لبيانات منظمة أوبك، سجل إنتاج الخام العماني 777 ألف برميل يوميًا خلال عام 2025، مقارنة بـ766 ألف برميل يوميًا في عام 2024.
واستمر هذا الزخم خلال الربع الأول من 2026، حيث قفز متوسط إنتاج الخام ليتجاوز حاجز 800 ألف برميل يوميًا، مدعومًا بخطط التحالف للتخلص التدريجي من التخفيضات الطوعية، رغم التذبذبات المؤقتة التي شهدها شهر مارس/آذار الماضي نتيجة تصاعد الحرب الإيرانية.
وجاء تحسُّن الإنتاج العماني ثمرة لالتزام السلطنة بخطة 8 دول في "أوبك+" لإعادة التخفيضات الطوعية، التي نُفِّذت عبر مرحلتين:
- المرحلة الأولى: اكتملت في سبتمبر/أيلول 2025، مع عودة كاملة لـ2.2 مليون برميل يوميًا للأسواق.
- المرحلة الثانية: انطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وشهدت تعليقًا مؤقتًا في الربع الأول من 2026 لضمان توازن السوق، قبل زيادة الإمدادات بدءًا من أبريل/نيسان الجاري بمعدل 206 آلاف برميل يوميًا، وستستمر كذلك في مايو/أيار 2026.
وبحسب تلك الخطط، من المستهدف الوصول بإنتاج الخام إلى 816 ألف برميل يوميًا خلال الشهر الجاري، و821 ألفًا في مايو/أيار المقبل.
وتاريخيًا، تُظهر الأرقام الرسمية أن إنتاج سلطنة عمان من النفط الخام والمكثفات سجّل ذروة إنتاج تاريخية في عام 2022 عند 1.064 مليون برميل يوميًا، قبل أن ينخفض قليلًا في الأعوام التالية مع تخفيضات أوبك+، كما يرسم الرسم أدناه:

كيف تترجم الأرقام إستراتيجية عُمان؟
تأكيدًا لما أشار إليه "الريامي"، جاء الحفاظ على مستوى إنتاج سلطنة عمان من النفط انعكاسًا لطفرة في عدد الحقول المنتجة، الذي سجل أعلى مستوى على مدار عقد كامل.
ووفقًا لبيانات رسمية رصدتها وحدة أبحاث الطاقة، قفز عدد الحقول المنتجة للنفط والغاز إلى 475 حقلًا، بزيادة سنوية تتجاوز 17% مقارنة بعام 2023؛ وذلك بفضل تكثيف برنامج الحفر الذي شهد 73 بئرًا استكشافية جديدة (54 للنفط و19 للغاز).
وتجسيدًا للتميز العماني في تحويل التحديات الجيولوجية إلى فرص ابتكارية، طبّقت الحكومة مصفوفة متكاملة من الحلول التقنية التي حولت الحقول الناضجة إلى مكامن إنتاجية مستمرة، ومن أبرز هذه النماذج:
- الحقن المستمر بالبخار: كما في حقل "مخيزنة" (الامتياز 53)، الذي يعدّ من أكبر مشروعات النفط الثقيل عالميًا بإنتاج تجاوز 680 مليون برميل.
- الدمج مع الطاقة المتجددة: عبر مشروع "مرآة" للطاقة الشمسية في حقل أمل، لتقليل الانبعاثات وتوفير استهلاك الغاز.
- الحقن بالبوليمر: في المكامن الرملية مثل حقول "مرمول" و"نمر" لتحسين حركة السوائل وزيادة كفاءة الاستخلاص.
- التقنيات المتقدمة للمكامن الكربونية: مثل التصريف بالجاذبية بمساعدة البخار في حقل قرن علم، وحقن الغاز الحمضي في حقل هرويل، وهي حلول أدت لزيادة معدلات الاستخلاص بنسب تتراوح بين 10 و20%.
ولا تتوقف الطموحات العمانية عند هذا الحدّ، بل تمتد لتجربة حلول ثورية؛ إذ وقّعت السلطنة مؤخرًا اتفاقية مع شركتين، لدراسة جدوى إنتاج النفط الخام الثقيل في المربع 71 باستعمال تقنية التسخين الكهربائي المتقدمة.
ويوضح الرسم البياني التالي عدد حقول النفط والغاز المنتجة في سلطنة عمان خلال (2015 - 2024):

تكوين حصيرة.. هل يفتح آفاقًا جديدة للاكتشافات؟
في خطوة تعكس حيوية قطاع الاستكشاف الوطني، نجحت شركة مسار بتروليوم العُمانية في تحقيق اكتشاف نفطي بمنطقة الامتياز رقم 7، وتحديدًا في تكوين "حصيرة".
ويتميز هذا الاكتشاف بكونه من النوع "الخفيف" بكثافة 44 درجة، مع احتياطيات قابلة للاستخراج تُقدَّر بنحو 100 إلى 380 مليون برميل.
وتعليقًا على هذا التطور، يرى الخبير علي بن عبدالله الريامي أن أهمية هذا الإنجاز تكمن في قدرة شركة ناشئة من القطاع الخاص العماني على التعامل مع تكوينات جيولوجية معقّدة وعميقة.
وأوضح الريامي إلى منصة الطاقة أن تكوين حصيرة ليس اكتشافًا جديدًا بحدّ ذاته، فهو امتداد لمكامن معروفة وموجودة، وتنتج منها عدّة شركات، إلّا أن النجاح الحقيقي يتمثل في الوصول إلى هذه المكامن في منطقة الامتياز رقم 7 وعلى أعماق كبيرة إلى حدٍّ ما تصل إلى 4 آلاف متر.
وأشار إلى أن هذا النجاح الفني يمنح إشارات إيجابية للقطاع، مؤكدًا أن النتائج التي حققتها شركة مسار بتروليوم تُبشّر بوجود مكامن غير مكتشفة في مناطق أخرى.
واختتم الريامي تصريحاته بالتأكيد أن هذا الاكتشاف، رغم كونه ضمن سياق العمليات المألوفة في قطاع النفط، فإنه يمثّل دفعة قوية لشركة مسار وللصناعة الوطنية، لأنه يبرهن على إمكان استغلال موارد الطاقة في المكامن الصعبة عبر التوظيف الصحيح للتقنيات الحديثة.
موضوعات متعلقة..
- اكتشاف نفط في سلطنة عمان باحتياطيات 380 مليون برميل
- إنتاج سلطنة عمان من النفط في 2025.. هل تحافظ على حصتها في أوبك+؟
- صادرات سلطنة عمان من النفط ترتفع 20% منذ بدء الحرب.. وتذهب لدولة واحدة
اقرأ أيضًا..
- اختلاف كبير في توقعات الطلب على النفط وسط تداعيات الحرب
- من أغلق مضيق هرمز؟ أنس الحجي يفجر مفاجأة بشأن "البترودولار"
- أرخص أسعار الكهرباء في العالم.. 4 دول عربية بقائمة الـ10 الأوائل (تقرير)
المصادر:
- إنتاج سلطنة عمان من النفط، بيانات رسمية ومنظمة أوبك
- عدد الحقول المنتجة وتقنيات استخلاص النفط، من وزارة الطاقة العمانية





