الغاز الجزائري بين روسيا وقطر.. كيف تساعد أوروبا نفسها؟ (مقال)
مدير وحدة أبحاث الطاقة.. أحمد شوقي

- زيارات مسؤولي الدول الأوروبية لطلب الغاز الجزائري لن تقدّم نتائج مبشّرة
- نقص الكميات المتاحة للتصدير يعرقل قدرة الجزائر على تلبية الطلب الأوروبي
- توقُّف الغاز المسال القطري لسنوات يضع إيطاليا في مأزق كبير
- الغاز الجزائري لن يعوض إمدادات قطر في السوق الأوروبية لأسباب معروفة
- على أوروبا مساعدة نفسها بتبنّي خطة إستراتيجية تجاه الغاز الجزائري
من جديد يتهافت الأوروبيون على الغاز الجزائري، وتتوالى زيارات المسؤولين، في تكرار لمشهد ما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وتراجع إمدادات موسكو، لكن دون نتائج تُذكَر حتى الآن.
ومع حرب إيران وفقدان الغاز القطري، استقبلت الجزائر الأسبوع الماضي رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، ومن بعدها وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس، وكان القاسم المشترك هو تعزيز إمدادات الغاز، وهو ما يصطدم للمرة الثانية بالقدرة الجزائرية المحدودة على زيادة الصادرات.
وكرّر المسؤولون الأوروبيون تأكيدهم أن الجزائر مورد موثوق ومستقر للغاز ورغبتهم في تعزيز الشراكات الإستراتيجية، غير أن هذا الحراك الدبلوماسي المتكرر يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يكفي التعويل على الشراكات والتصريحات لتعويض نقص الإمدادات، أم أن الأمر يتطلب خطة إستراتيجية نحو استثمارات أعمق تعالج جذور المشكلة، وتعزز التعاون بما يخدم مصالح الجانبين؟
ومثلما تناولنا في مقال خلال فبراير/شباط الماضي، كيف يمكن للجزائر ملء فراغ الغاز الروسي، الآن ومع توقُّف الإمدادات القطرية أيضًا، تضاعفت أهمية الغاز الجزائري، ما يستدعي تحركات واقعية للشركات الأوروبية لتعزيز الاستثمار في الجزائر، خاصةً مع تحسُّن البيئة الاستثمارية في البلاد.
وأعلنت شركة قطر للطاقة حالة القوة القاهرة على عقود طويلة الأجل مع 4 دول، منها إيطاليا، لمدة تصل إلى 5 سنوات، مع تضرُّر منشأة رأس لفان لأضرار جسيمة جراء الهجمات الصاروخية، ما وضع الدولة الأوروبية في مأزق كبير.
هل يُعوّض الغاز الجزائري الإمدادات القطرية؟
الجزائر ثاني أكبر مصدر للغاز عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي، والثالث عند جمع الغاز عبر الأنابيب والمسال معًا، حيث تُزوّد الاتحاد بنحو 12.3% من إجمالي احتياجاته، ما يعادل 38.6 مليار متر مكعب خلال 2025، كما يرصد الرسم التالي:

وبصفة خاصة، يؤمّن الغاز الجزائري 35% من واردات الغاز الإيطالية، ونحو 30% من احتياجات إسبانيا، وهذه الحصة، رغم استقرارها في السنوات الأخيرة، باتت لا غنى عنها للدول الأوروبية وخاصة إيطاليا، التي يبدو أنها ستفقد الإمدادات القطرية لعدّة سنوات.
ورغم أن الغاز القطري شكّل 35% من واردات الغاز المسال الإيطالية في 2025 البالغة 14.7 مليون طن، فإنها أكثر تضررًا من إسبانيا جراء الحرب الدائرة، حيث تستورد الأخيرة كميات تقل عن مليون طن سنويًا في الأعوام الأخيرة، إلّا أن الدولتين يرغبان في تأمين إمدادات بأسعار أقل بعيدًا الارتفاع الحالي في السوق الفورية.
ورفعت الجزائر صادراتها من الغاز عبر الأنابيب بنسبة 2.8% خلال الشهر الأول لحرب إيران، لتصل إلى 98 مليون متر مكعب يوميًا، مقارنة مع 95.3 مليونًا في فبراير/شباط 2026، لكن هذه الكميات ضمن عقود طويلة الأجل، وحتى صادرات الغاز المسال لم تُظهر أيّ تغيير استثنائي.
وذهبت غالبية هذه الزيادة المحدودة إلى إيطاليا، عبر خط أنابيب ترانسميد، في الوقت الذي تقف فيه الصادرات إلى إسبانيا عبر خط ميدغاز عند 28 مليون متر مكعب يوميًا، مع الحديث عن إمكان زيادة الإمدادات إلى مدريد لتبلغ 32 مليونًا.
وباختصار، الجزائر لن تُعوّض نقص الغاز القطري في السوق الأوروبية، بسبب قلة الكميات المتاحة للتصدير، وبمقارنة بسيطة نجد أن قطر صدّرت 8.6 مليون طن من الغاز المسال إلى أوروبا في 2025، وهو ما يقترب من إجمالي الصادرات الجزائرية التي انخفضت إلى 9.5 مليونًا.
وهذا يعني أن الجزائر بحاجة إلى مضاعفة شحناتها تقريبًا لملء فراغ الإمدادات القطرية، وهو أمر غير ممكن على المدى القصير، وحتى لو توفرت كميات إضافية في الوقت الحالي فإنها، مثل بقية الموردين، سترجّح بيعها بأسعار السوق الفورية المرتفعة بفعل الحرب.
كيف تساعد الدول الأوروبية نفسها والجزائر معًا؟
أثبتت أزمتا روسيا وقطر أهمية الغاز الجزائري لأمن الطاقة الأوروبي، وفي الوقت نفسه، كشفت محدودية قدرة الجزائر على تلبية الطلب، في ظل تحديات متراكمة تشمل ارتفاع الاستهلاك المحلي، واستمرار حرق الغاز، وتقادم البنية التحتية من الحقول ومحطات الإسالة التي تعمل بنصف طاقتها.
ومن ثم، فإنّ سدّ هذه الفجوة لا يبدو ممكنًا دون انخراط أوروبي حقيقي عبر استثمارات وشراكات لنقل الخبرات، بدل الاكتفاء بالتصريحات حول أهمية الشراكة مع الجزائر.
والسبب هنا محدودية الإمدادات وليس نقص الموارد، فالجزائر تمتلك احتياطيات من الغاز التقليدي 4.5 تريليون متر مكعب ونحو 20 تريليونًا من الغاز الصخري في المرتبة الثالثة عالميًا -كما يرصد الرسم أدناه-، وهي فرصة استثمارية وإستراتيجية لم تستغلها الشركات الأوروبية بالشكل الكافي حتى الآن.

ويمكن للدول الأوروبية المساعدة في إطلاق العنان لهذه الموارد عبر مساريين رئيسين:
أولًا: تعزيز الاستثمارات في قطاع الغاز الصخري والبحري
لا يخفى على أحد تحركات الولايات المتحدة المباشرة وغير المباشرة لترسيخ دور الغاز المسال الأميركي في السوق الأوروبية بصفة خاصة، والعقوبات على الغاز المسال الروسي بعد حرب أوكرانيا وتداعيات حرب إيران، أكبر دليل على ذلك.
وبعدما نحّت الولايات المتحدة غالبية صادرات الغاز الروسي جانبًا عن أوروبا، يبدو أنها تريد أن تُحكِم سيطرتها على ما يمكن أن نسميه "مفتاح اللعبة" لتأمين أمن الإمدادات الأوروبية مستقبلًا، من خلال الاستثمار في الغاز الصخري الجزائري.
وفي ظل غياب نسبي للشركات الأوروبية الكبرى ذات العلاقات التاريخية مع الجزائر، تعمل شركتا إكسون موبيل وشيفرون الأميركيتان على إبرام صفقات لتطوير هذه الموارد، في انتظار تجاوز التحديات البيئية والتقنية.
وهنا تبرز أهمية أن تعزز الشركات الأوروبية استثماراتها في استكشاف الغاز الجزائري بالتعاون مع سوناطراك، وعدم ترك المساحة فارغة للشركات الأميركية، وهو ما أشارت إليه رئيسة وزراء إيطاليا في زيارتها الأخيرة بضرورة التعاون في مجالات مثل الغاز الصخري أو الاستكشاف البحري.
فلم يعد توسيع الحضور الأوروبي في الجزائر فرصة اقتصادية فقط، بل ضرورة إستراتيجية للحفاظ على أمن الطاقة للقارة العجوز.
ووفّر قانون المحروقات الأخير في الجزائر حوافز ضريبية ومرونة تعاقدية ومشاركة أفضل في الأرباح، قد تكسر من تردّد الشركات الأوروبية في الاستثمار.
وضمن جولة التراخيص الناجحة في عام 2025، وقّعت شركتا إيني الإيطالية وتوتال إنرجي الفرنسية اثنتين من 5 اتفاقيات استكشاف رئيسة للنفط والغاز مع سوناطراك، وشاركت إكسون موبيل وشيفرون وسينوبك الصينية في الـ3 اتفاقيات الأخرى.
ويجب أن تبني الشركات الأوروبية على هذه الاستثمارات، خصوصًا مع نية الجزائر إطلاق مناقصة للتنقيب عن النفط والغاز تتضمن 7 مناطق خلال الشهر الجاري، على أن يدعمها الاتحاد الأوروبي -أكبر شريك تجاري للجزائر- عبر تسهيل السياسات المالية والتمويلية، وتقديم ضمانات الصادرات، بما يقلل المخاطر ويشجع الاستثمار، بعيدًا عن الشعارات الخضراء غير الواقعية.
ثانيًا: تقديم الدعم لتعزيز الطاقة المتجددة وتقليل حرق الغاز
رغم أهمية التعاون الأوروبي مع سوناطراك لتطوير موارد الغاز الجزائري، فلن تتوفر كميات أكبر للتصدير، ما لم تكبح البلاد جماح الاستهلاك المحلي، الذي ارتفع 40% في السنوات الـ10 الأخيرة متجاوزةً 50 مليار متر مكعب سنويًا (نصف الإنتاج)، والخسائر الكبيرة الناجمة عن حرق الغاز، الذي يتجاوز 8 مليارات متر مكعب.
وهذا يقودنا للمسار الثاني للاستثمار الأوروبي في الجزائر، عبر تقديم الدعم التقني من نقل التقنيات وخلافه لتطوير مشروعات الطاقة المتجددة، خاصةً الطاقة الشمسية التي تتمتع البلاد بإمكانات كبيرة منها.
وأبزر مثال على ذلك برنامج "طاقاتي 2" الذي أطلقته وزارة الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة في 2025 بتمويل مشترك بين الاتحاد الأوروبي وألمانيا بقيمة 28 مليون يورو (32 مليون دولار)، ويمتد تنفيذه إلى عام 2029.
ويدعم هذا المشروع تحول الطاقة في الجزائر مع التركيز على بناء القدرات المؤسساتية والتقنية في الطاقة المتجددة، وتهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ مشروعاتها إلى جانب تطوير الهيدروجين الأخضر.
من شأن هذه البرامج أن توفر المزيد من الغاز الجزائري للتصدير، وتُقلّص نسبة استعماله في توليد الكهرباء من 99% حاليًا.
وبعد كل هذه الإجراءات الأوروبية والجزائرية تستطيع الجزائر تحقيق زيادة معتبرة في الصادرات، ويمكن وقتها التفكير في إعادة إحياء خط أنابيب "غالسي" إلى إيطاليا أو الاستغلال الكامل لمحطات الإسالة.

نرشح لكم..
- تغطية خاصة لآثار الحرب على إيران في أسواق الطاقة
-
مسح لأسعار الوقود في 8 دول عربية منذ بدء الحرب.. ارتفاعات تصل لـ86%





