هل تخفض الطاقة المتجددة انبعاثات قطاع التعدين؟ مصر نموذجًا (تقرير)
نوار صبح
- عمليات التعدين حول العالم تُشير إلى تبنّيها حلول الطاقة المتجددة
- شركات التعدين تتجه بشكل متزايد إلى استكشاف تقنيات الطاقة المتجددة استجابةً لتوقعات السوق المتغيرة
- شركات التعدين من جميع الأحجام تستثمر في التقنيات النظيفة والخضراء وتُطبّقها في عملياتها
تُمثّل الطاقة المتجددة، على اختلاف مصادرها، خيارًا واعدًا لدى قطاع التعدين، بهدف توظيفها لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في بيئة عمل غالبًا ما تكون خارج نطاق خدمات الشبكة الكهربائية.
وتتجه شركات التعدين بشكل متزايد إلى استكشاف تقنيات الطاقة النظيفة استجابةً لتوقعات السوق المتغيرة وتوفير بديل مستدام وفعّال من حيث التكلفة، ما يحسّن أمن الطاقة ويقلل من تكاليف التشغيل على المدى الطويل.
وتُسهم هذه الاستجابة في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، والحدّ من مخاطر إمدادات الكهرباء، والتخفيف من تقلبات أسعار الوقود الأحفوري، والامتثال للوائح العالمية المتطورة، مثل آلية تعديل حدود الكربون لدى الاتحاد الأوروبي، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
وعلى الرغم من أنها ليست من صميم أعمالها، فإن شركات التعدين من جميع الأحجام تستثمر في تقنيات الطاقة المتجددة النظيفة والخضراء وتُطبّقها في عملياتها لتحقيق الجدوى الاقتصادية والتزامًا بأهداف الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية.
انبعاثات قطاع التعدين
أصبحت تقنيات الطاقة المتجددة جزءًا لا يتجزأ من عمليات خفض انبعاثات قطاع التعدين في جميع أنحاء العالم، بدءًا من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وصولًا إلى الطاقة الكهرومائية وتخزين الكهرباء بالبطاريات.
على سبيل المثال، تعتمد مصاهر شركة فالي في إندونيسيا كليًا على الطاقة الكهرومائية، وفي تشيلي، تحوّل منجم زالديفار للنحاس إلى استعمال الطاقة المتجددة بنسبة 100% في يوليو/حزيران 2020.
ورغم أن عمليات التعدين في أفريقيا غالبًا ما تقع في مناطق نائية تفتقر إلى البنية التحتية، فإنها تقود نهضة في مجال التكنولوجيا المستدامة المصممة خصوصًا لتناسب الظروف المحلية.

العقبات التقنية والاقتصادية
على الرغم من هذا الاهتمام المتزايد، فإن دمج مصادر الطاقة المتجددة -أيًا كان نوعها- في عمليات التعدين يطرح تحديات كبيرة.
من الناحية التقنية، تتطلب عمليات التعدين إمدادًا مستمرًا بالكهرباء، إلّا أنّ تقطُّع مصادر الطاقة المتجددة يُضفي قدرًا من الضبابية.
ويُسهم ارتفاع التكاليف الرأسمالية الأولية لهذه الأنظمة بجعل شركات التعدين مترددة في تبنّيها، في حين تُشكّل تحديات الموقع والتركيب عائقًا تقنيًا كبيرًا.
وقال الخبير لدى شركة "ديسنترال إنرجي" (Decentral Energy)، بول ميلر، لمجلة "إي إس آي أفريكا": إن "اختيار المواقع المناسبة يُمثّل تحديًا آخر، فغالبًا ما تستقر المجتمعات المحلية على الأرض، وتُخصَّص معظم الأراضي المسطحة الشاغرة القريبة لمرافق تخزين المخلفات".
وأضاف ميلر: "لعلّ الأمر الأكثر صعوبة هو عندما يكون عمر المنجم المتبقي قصيرًا نسبيًا، حيث ستعيش محطة الطاقة المتجددة لمدة أطول من عمر المنجم نفسه، ما يُعقّد ترتيبات التمويل".
وهناك تحديات أخرى لا يُمكن التغلب عليها ولا تُبرر الاستثمار، مثل كون المناجم غير مؤهلة ائتمانيًا، أو تفتقر إلى التمويل اللازم، أو يكون عمرها الافتراضي قصيرًا جدًا.
إزاء ذلك، ينصح ميلر ببناء محطات الكهرباء في المناجم، مع تصميمها لتكون جاهزة لنقل الكهرباء عبر الشبكة، بحيث إذا أُغلِق المنجم، وهو المستهلك المحلي للكهرباء، يمكن نقل الكهرباء إلى مكان آخر عبر الشبكة.
وأشار ميلر إلى أن المناجم التي تبنّت تقنيات الطاقة المتجددة قد تعلمت دروسًا من طول مدة إتمام عمليات الشراء وتشغيل محطات الكهرباء بقدرة ميغاواط. وأضاف: "إن توفير 5% من التكلفة خلال عملية شراء تستغرق 3 سنوات أقل بكثير من الخسارة الناتجة عن طول المدة".

دراسة حالة مصرية: منجم السكري للذهب
في أبريل/نيسان 2023، افتُتح منجم السكري للذهب في مصر محطة طاقة شمسية بقدرة 36 ميغاواط، بالإضافة إلى نظام تخزين الكهرباء بالبطاريات بقدرة 7.5 ميغاواط، لتزويد المنجم بالكهرباء.
منذ أوائل سبتمبر/أيلول 2022، تُنتج محطة الطاقة الشمسية باستمرار 36 ميغاواط تيار مستمر (السعة الاسمية)، مُحوّلةً إلى 30 ميغاواط من الطاقة الشمسية.
ويُعدّ منجم السكري أول منجم حديث واسع النطاق في مصر، وتخدمه شبكة طرق معبدة، وشبكة كهرباء مستقلة، وطاقة شمسية، وخط أنابيب مياه بطول 25 كيلومترًا مُغذّى من البحر الأحمر، بحسب متابعة منصة الطاقة المتخصصة.
وتقع المحطة في الصحراء الشرقية، وهي منطقة تتمتع بأعلى معدلات الإشعاع الشمسي لنحو 10 ساعات يوميًا.
وأسهم التحوّل إلى هذا المصدر للطاقة المتجددة في تقليل التعرّض لتقلبات أسعار الوقود، حيث وفّرت عملية التشغيل ما يصل إلى 70 ألف لتر من الديزل يوميًا، وخفّضت استهلاك الديزل بمعدل 22 مليون لتر سنويًا.
ويُعادل هذا الانخفاض وفورات سنوية محتملة في التكاليف تصل إلى 20 مليون دولار أميركي بأسعار الديزل لعام 2023.
خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري
من المتوقع أن تُسهم محطة الطاقة الشمسية بمنجم السكري للذهب في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بمقدار 60 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وما يتبع ذلك من انخفاض في كمية الديزل المنقولة بالشاحنات إلى الموقع، التي تستعمل مركبات تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي.
وتجري حاليًا مناقشات مستمرة لتقييم جدوى استعمال شبكة الكهرباء المصرية في منجم السكري.
ولتحقيق هذه الغاية، يجري تواصل فعّال مع الحكومة ومنتجي الكهرباء المستقلين.
من ناحية ثانية، استُلِمَت مقترحات أولية لتزويد منجم السكري بـ 30-50 ميغاواط من كهرباء الشبكة، وحُدِّدَ إمكان الاستغناء عن استعمال الديزل لتوليد الكهرباء في المنجم.
ويُتيح الحدّ الأدنى من كهرباء الشبكة البالغ 30 ميغاواط، بالإضافة إلى طاقة الطاقة الشمسية الحالية البالغة 30 ميغاواط، إمكان التشغيل خلال ساعات النهار دون الحاجة إلى توليد أيّ كهرباء من الديزل، ويُعوّض بشكل كبير استهلاك الديزل خلال ساعات الليل.
ويشير قرب الموقع من شبكة الكهرباء والبنية التحتية القائمة إلى انخفاض كثافة رأس المال.
وتُولّد شبكة الكهرباء المصرية الكهرباء من الغاز الطبيعي ومزيج من مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الكهرومائية والشمسية وطاقة الرياح، ما يتيح فرصةً لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من مشروع السكري.
وفي إطار الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، يجري العمل على مشروع تعليمي لإنشاء مدرسة للتعدين في مصر، بمبادرة من شركة "سنتامين" (Centamin)، وتستمر تحت إدارة شركة أنغلوغولد أشانتي (AngloGold Ashanti).
وسيركّز هذا المشروع على تزويد الشباب المصري بالمهارات الأساسية في مجال التعدين، ما يعزز الخبرات المحلية ويسهم في التنمية المستدامة لهذا القطاع.
موضوعات متعلقة..
- إبيردرولا تتخلص من استثمارات الطاقة المتجددة البرية في فرنسا
- دراسة مصرية تقترح دمج مصادر الطاقة المتجددة لتحويل المخلفات الزراعية إلى كهرباء
- رحلة الطاقة المتجددة في 8 دول عربية خلال 2025.. 4 رسوم بيانية
اقرأ أيضًا..
- أسعار الوقود في مصر.. لماذا تتجاهل الحكومة الخيارات البديلة؟ (مقال)
- خاص - أسعار النفط وسيناريو الـ150 دولارًا.. خريطة توقعات كاملة من 8 خبراء
- منشآت الطاقة في الخليج.. كيف يُربك استهدافها من إيران الأسواق العالمية؟ (مقال)
المصدر:
- ابتكارات الطاقة الشمسية وتخزينها في قطاع التعدين للحد من البصمة الكربونية، من مجلة "إي إس آي أفريكا"





