رسوم إزالة الكربون من النقل البحري.. هل تتحول إلى موجة تضخّم عالمية؟ (تقرير)
نوار صبح
- النقل البحري يطلق غرامات من ثاني أكسيد الكربون لكل طن كيلومتر وليس كيلوغرامات
- أوروبا وسّعت حاليًا نطاق نظام تداول الانبعاثات ليشمل النقل البحري
- تأثير التضخم الكلي يعتمد على مدى إسهام الشحن في أسعار المستهلك النهائية
- النقل البحري يُمثّل للعديد من السلع المصنّعة ما بين 1% و3% من سعر التجزئة
تأخذ جهود إزالة الكربون من النقل البحري في الحسبان التداعيات الاقتصادية التي قد تتحملها السفن والمستهلكون، في ظل اللوائح التنفيذية المرتبطة بالوقود والانبعاثات.
وفي هذا السياق، يطرح المراقبون تساؤلًا محوريًا: إذا واصلت أوروبا رفع أسعار الكربون، ووضع صناع السياسات مستويات عند 150 أو 300 يورو (177.13 أو 354.25 دولارًا)، أو حتى أعلى، لكل طن من ثاني أكسيد الكربون ضمن خططهم طويلة الأجل، فهل يتحوّل النقل البحري إلى عامل تضخمي ضاغط على الاقتصاد العالمي؟
ويمتد التساؤل إلى تأثير إزالة الكربون من النقل البحري في تكلفة كل سلعة تعبر المحيطات، بحسب ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
الإجابة المختصرة: ليس بالضرورة. أما الإجابة التحليلية فتتطلّب حسابات دقيقة، وفصل تكلفة طن الوقود عن تكلفة طن البضائع.
*(يورو = 1.18 دولارًا أميركيًا).
انبعاثات النقل البحري
ينبعث من قطاع النقل البحري غرامات من ثاني أكسيد الكربون لكل طن/كيلومتر، وليس كيلوغرامات، ما يعكس كفاءة نسبية في كثافة الانبعاثات مقارنة بوسائل نقل أخرى.
ويبلغ المتوسط العالمي شائع الاستعمال للنقل البحري في أعالي البحار نحو 5.8 غرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل طن/كيلومتر، وهو ناتج عن انبعاث ما يقارب 859 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون على مسافة 148 مليار طن/كيلومتر، وفقًا لمنهجية مبادرة مسار التحول (Transition Pathway Initiative).
وعند احتساب سعر 73 يورو لكل طن من ثاني أكسيد الكربون، فإن ذلك يعادل 0.000423 يورو لكل طن/كيلومتر. وبضرب المسافة بين ميناءي شنغهاي وروتردام في 19 ألفًا و400 كيلومتر، يصبح إجمالي انبعاثات الكربون نحو 4.1 يورو للطن الواحد من البضائع.
وحتى لو ارتفعت انبعاثات الكربون إلى 300 يورو، فإن هذا المبلغ يصل إلى نحو 16.9 يورو للطن.
بالنسبة إلى حاوية مليئة بالبضائع بقيمة 50 ألف دولار للطن، فإن هذا يُعدّ هامش خطأ إحصائي.
وحتى مع خام الحديد بسعر 100 يورو للطن، فإن الزيادة تُشكّل نحو 15% على تكلفة الشحن، وليس على قيمة البضائع، علمًا بأن تكلفة الشحن ليست سوى جزء من تكلفة التسليم.

نظام تداول الانبعاثات في أوروبا
وسّعت أوروبا، حاليًا، نطاق نظام تداول الانبعاثات ليشمل النقل البحري، إذ تُغطّى الرحلات داخل الاتحاد الأوروبي بنسبة 100%.
أما الرحلات بين ميناء داخل الاتحاد الأوروبي وآخر خارجه، فتُغطّى بنسبة 50% فقط في الجزء البحري. ووفقًا للمفوضية الأوروبية، ستصل متطلبات تسلّم الانبعاثات تدريجيًا إلى 100% بحلول عام 2026، وفق متابعات القطاع لدى منصة الطاقة المتخصصة.
وهذا يعني أن السفينة التي تنقل البضائع من آسيا إلى أوروبا تدفع انبعاثات الكربون على نصف المسافة إلى أوروبا، وعلى كامل انبعاثات الكربون على أي حركة داخل الاتحاد الأوروبي.
ومع معامل انبعاثات وقود يبلغ 3.114 طنًا من ثاني أكسيد الكربون لكل طن من وقود السفن منخفض الكبريت (VLSFO)، فإن إضافة 73 يورو لكل طن من ثاني أكسيد الكربون تزيد نحو 227 يورو لكل طن من الوقود للرحلات داخل الاتحاد الأوروبي، ونحو 114 يورو لكل طن للرحلات خارج الاتحاد الأوروبي.
وبحسب تقارير أسعار شركة "شيب آند بنكر" (Ship and Bunker)، فإن سعر وقود السفن منخفض الكبريت في ميناء روتردام سيبلغ نحو 473 دولارًا أميركيًا للطن في أوائل عام 2026، أي ما يعادل 402 يورو تقريبًا للطن بأسعار الصرف الحالية الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي.
لذا؛ فإن إضافة نظام تداول الانبعاثات تُعدّ ذات أهمية للمشغلين، ولكنها تُترجم إلى تأثيرات طفيفة لكل طن من الشحنة عند تقسيمها على الحمولة والمسافة.
تأثير التضخم الكلي
يعتمد تأثير التضخم الكلي على مدى إسهام الشحن في أسعار المستهلك النهائية.
ويُعدّ النقل البحري وسيلة نقل فاعلة، إذ قد يُمثّل النقل البحري للعديد من السلع المصنّعة ما بين 1% و3% من سعر التجزئة.
وحتى زيادة بنسبة 20% في النقل البحري على خطوط النقل المرتبطة بالاتحاد الأوروبي ستؤدي إلى تغيير أسعار المستهلك بمقدار أعشار بالمئة، وهذا ليس مُحركًا هيكليًا للتضخم، بل هو مؤشر تكلفة داخل قطاع مُحدد.
بدورها، تتأثر السلع الأساسية منخفضة القيمة بهذا التأثير بشكل أكبر.
وستواجه المواد المُجمّعة، التي تُباع بسعر 20 يورو للطن وتُنقل لمسافة 1000 كيلومتر على متن سفينة دحرجة أقل كفاءة، بانبعاثات تبلغ 43 غرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل طن/كيلومتر، ارتفاعًا في التكلفة يُقدّر بنحو 3.1 يورو للطن عند سعر 73 يورو، و12.9 يورو للطن عند سعر 300 يورو.
وهذا يُعدّ فرقًا جوهريًا بالنسبة إلى هذه الفئة من الشحنات، ولكنه ليس صدمة كلية لاقتصاد بقيمة 15 تريليون يورو.
سفن النقل البحري صغيرة الحجم
إن القطاع الذي يتأثر بشدة بهذا التأثير ليس قطاع حاويات أعالي البحار، بل قطاع سفن النقل البحري صغيرة الحجم، وسفن الدحرجة، والعبّارات.
وغالبًا ما تُصدر سفن النقل البحري القصيرة ما بين 15 و20 غرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل طن/كيلومتر.
ويمكن أن تُصدر سفن "الدحرجة" 40 غرامًا أو أكثر من ثاني أكسيد الكربون، وفقًا لمركز الشحن الذكي (Smart Freight Centre) والدراسات الأكاديمية.
وعند معدل انبعاث 20 غرامًا لكل طن/كيلومتر وسعر 150 يورو للطن، تُحسب تكلفة الكربون لكل 1000 كيلومتر بضرب 0.02 كيلوغرامًا في 150 يورو في 1000 كيلومتر، ثم قسمة الناتج على 1000، ما يُعادل 3 يوروات للطن، وعند 300 يورو، يتضاعف هذا الرقم إلى 6 يوروات للطن لكل 1000 كيلومتر.
وتعمل هذه السفن على مسارات منتظمة تتراوح بين 300 و1500 كيلومتر مع توقفات متكررة في المواني؛ ما يجعلها مرشحة للتحول إلى الطاقة الكهربائية والهجينة.
ولا يعوق تسعير الكربون عملياتها، بل يُغير حسابات تخصيص رأس المال.

إستراتيجية الصين في إزالة الكربون من النقل البحري
تُضيف إستراتيجية الصين المحلية في إزالة الكربون من النقل البحري بُعدًا آخر.
فقد نشرت الصين سفن حاويات كهربائية تعمل بالبطاريات بسعة تزيد على 700 حاوية نمطية على الطرق الداخلية والساحلية.
ويُعد مثال نهر اليانغتسي الذي حظي باهتمام واسع مثالًا بارزًا، إذ ينقل مئات الحاويات ويُبدّل حزم البطاريات الكبيرة في الميناء.
وبالمثل، تُهيمن الصين على صناعة البطاريات، وأفادت وكالة الطاقة الدولية بأن أكثر من 80% من الطاقة الإنتاجية العالمية لخلايا البطاريات تتركز في الصين.
وذكرت منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أن الصين سلّمت أكثر من 50% من حمولة بناء السفن العالمية في عام 2023، وتستحوذ على غالبية الطلبات الجديدة من حيث الحمولة الإجمالية المُعوَّضة.
وهذا يعني أن الصين تتحكم في كلٍّ من تكلفة البطاريات ومنحنى التعلم الخاص بتكاملها مع هيكل السفينة.
موضوعات متعلقة..
- خبير اقتصادي: النقل البحري عمود فقري للتجارة العالمية.. وهذه نقاط قوته
- انبعاثات قطاع النقل البحري في أوروبا تترقب انخفاضات إضافية (تقرير)
- دمج البطاريات في النقل البحري.. جانب مظلم مليء بالمخاطر والتحديات
اقرأ أيضًا..
- أنس الحجي: أسعار النفط كانت مادة للتضليل الإعلامي.. وهذا ما حدث بعد 2022
- سكاتك النرويجية: إنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر بدأ منذ عقود (حوار)
- إنتاج مصر من الغاز.. بين الاكتشافات الجديدة والثقة بإدارة الملف (مقال)
المصدر:
إزالة الكربون من النقل البحري دون تضخم، من منصة "كلين تكنيكا"





