دراسة مصرية تقترح دمج مصادر الطاقة المتجددة لتحويل المخلفات الزراعية إلى كهرباء
داليا الهمشري

لم يعد دمج مصادر الطاقة المتجددة خيارًا تكنولوجيًا فحسب، بل أصبح ضرورة إستراتيجية تفرضها تحديات أمن الطاقة وتغير المناخ وتنامي الضغوط على الموارد التقليدية.
وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار إلى الحلول الهجينة التي تجمع بين أكثر من مصدر نظيف داخل منظومة واحدة متكاملة، بما يحقق أعلى كفاءة ممكنة، ويعظم الاستفادة من الموارد المحلية.
ومن بين هذه الحلول الواعدة، يبرز الدمج بين الكتلة الحيوية وتقنيات الهيدروجين الأخضر نموذجًا تطبيقيًا يعكس مستقبل أنظمة الطاقة المتجددة.
وفي هذا الإطار، قدّمت دراسة مصرية مبتكرة -اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- نموذجًا عمليًا لتحويل المخلّفات الزراعية إلى كهرباء نظيفة عبر منظومة هندسية متكاملة تجمع بين الهضم اللاهوائي والتحليل الكهربائي للماء.
ويعتمد المشروع على إنتاج الغاز الحيوي من المخلّفات العضوية، ثم تعزيز جودته عبر دمج الهيدروجين الناتج من عملية التحليل الكهربائي، بما يرفع القيمة الحرارية للوقود الناتج ويحسّن خصائص الاحتراق ويقلل الانبعاثات الكربونية.
دمج مصادر الطاقة المتجددة
نفّذ هذا الإنجاز الأكاديمي فريق طلاب من قسم الطاقة والطاقة المتجددة بالجامعة المصرية الصينية ضمن المشروعات المقبولة ببرنامج "مشروعي.. بدايتي" التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا للعام الأكاديمي 2025/2026.
وضم الفريق كلًا من: أحمد شريف، وعمرو ماهر، وميرال أشرف، وثيؤدورا صموئيل، ونورهان محمد، وبيتر أيمن، وأحمد نادر، وصلاح سامي، بإشراف علمي وتوجيه أكاديمي لرئيس قسم الطاقة والطاقة المتجددة بالجامعة الدكتور هادي حبيب وإشراف تطبيقي للمهندس عمر محمد أبو العينين.
وتكتسب أهمية هذا الإنجاز بعدًا إضافيًا في ظل المنافسة القوية على مستوى الجمهورية، حيث تقدّم للبرنامج 1469 مشروعًا من مختلف الجامعات والمعاهد المصرية، ولم يُعتمَد سوى 225 مشروعًا فقط بعد مراحل تقييم علمية وفنية دقيقة، وهو ما يعكس القيمة العلمية العالية للمشروع وتميّز فكرته وتنفيذه.

واعتمد الفريق الطلابي -في المشروع- على تطوير جهاز هندسي متكامل يقوم بتحويل المخلّفات الزراعية إلى غاز حيوي باستعمال الهضم اللاهوائي، مع دمج غاز الهيدروجين الناتج من التحليل الكهربائي للماء.
ويُسهم هذا الدمج في رفع القيمة الحرارية للوقود وتحسين خصائص الاحتراق، بما يتوافق مع متطلبات الطاقة المتجددة، ويعكس فلسفة الربط بين التعليم الهندسي والتطبيق العملي واحتياجات السوق، مع التركيز على الاستدامة والاقتصاد الدائري والاستفادة المثلى من المخلّفات الزراعية.
تطور تقنيات الهيدروجين
أوضح المشرف الأكاديمي على المشروع الدكتور هادي حبيب -خلال تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أنه في ظل التطور السريع في تقنيات الهيدروجين، لم يعد الغاز الحيوي مجرد وقود محدود الكفاءة، بل أصبح منصة مرنة لتخزين الطاقة المتجددة ورفع إنتاج الميثان، ثم تحويله إلى كهرباء نظيفة قابلة للاستعمال على نطاق محلي وصناعي.
ولفت إلى أن هذه المنظومة المتكاملة تعتمد على الهضم اللاهوائي للمخلفات العضوية، ثم دمج الهيدروجين المنتج من التحليل الكهربائي للماء، في خطوة تفتح الباب أمام جيل جديد من نظم الطاقة الهجينة التي تجمع بين البيولوجيا والكهرباء والكيمياء في إطار واحد.
وتبدأ المنظومة داخل الهاضم اللاهوائي، حيث تُغذَّى بالمخلّفات الزراعية وروث الحيوانات والنفايات العضوية في بيئة خالية من الأكسجين، وفي هذه الظروف، تعمل مجتمعات ميكروبية متخصصة على تفكيك المادة العضوية عبر مراحل متتابعة تنتهي بإنتاج الغاز الحيوي.
ويتكون هذا الغاز في صورته التقليدية من نسبة تتراوح بين 50 و65% من غاز الميثان، مقابل 35 إلى 45% من غاز ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى كميات محدودة من كبريتيد الهيدروجين وبخار الماء.
وأشار الدكتور هادي حبيب إلى أنه على الرغم من أن هذه التركيبة تسمح بتشغيل مولدات الكهرباء، فإن ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون يحدّ من القيمة الحرارية للغاز، ويضع سقفًا لكفاءة الطاقة الممكن توليدها، وهو ما دفع الباحثين إلى تطوير آليات لرفع جودة الغاز الحيوي وتحسين أدائه.
في هذا السياق، يجري إدخال وحدة للتحليل الكهربائي للماء، تعتمد على الكهرباء -ويفضَّل أن تكون من مصدر متجدد- لفصل الماء إلى عنصري الهيدروجين والأكسجين، وتصل كفاءة إنتاج الهيدروجين في الأنظمة الشائعة، مثل أنظمة الغشاء البروتوني أو الأنظمة القلوية، إلى ما بين 60 و75%.
ويتميز النموذج بأن الهيدروجين المنتج يُستعمل مباشرة داخل منظومة الغاز الحيوي دون الحاجة إلى تخزينه أو نقله، بما يقلل التحديات الفنية المرتبطة ببنية الهيدروجين التحتية.
نقلة نوعية
أوضح رئيس قسم الطاقة والطاقة المتجددة بالجامعة المصرية الصينية الدكتور هادي حبيب -خلال تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن النقلة النوعية تكمن في عملية دمج الهيدروجين مع الغاز الحيوي، فيما يُعرف بعملية الميثنة المدعومة بالهيدروجين.
ولفت إلى أنه عند حقن الهيدروجين داخل الهاضم أو في مفاعل مخصص، يتفاعل مع غاز ثاني أكسيد الكربون لينتج غاز الميثان وبخار الماء، وبهذا التفاعل يتحول جزء كبير من ثاني أكسيد الكربون غير القابل للاحتراق إلى ميثان عالي القيمة الحرارية.
ووفق التطبيقات العملية، تتراوح معدلات الحقن عادة بين عُشر وأربعة أعشار متر مكعب من الهيدروجين لكل متر مكعب من الغاز الحيوي، ما يسمح برفع نسبة الميثان من نحو 60% إلى ما بين 80 و95% في الأنظمة المتقدمة.
ويؤدي ذلك إلى زيادة القيمة الحرارية للغاز من نحو 21–23 ميغاجول لكل متر مكعب إلى أكثر من 35 ميغاجول، وهو مستوى يقترب من خصائص الغاز الطبيعي.

ولا تقتصر الفائدة على زيادة كمية الوقود، بل تمتد إلى تحسين استقرار الاحتراق ورفع كفاءة تشغيل المولدات الكهربائية، إذ يمكن لأنظمة التوليد المشترك أن تحقق كفاءة كهربائية تقارب 40% وكفاءة كلية تتجاوز 80% عند استغلال الحرارة المصاحبة.
وإلى جانب إنتاج الطاقة، تنتج العملية مادة عضوية غنية بالعناصر الغذائية يمكن استعمالها سمادًا، ما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري ويحوّل المخلّفات إلى مورد متكامل للطاقة والزراعة في آن واحد.
موضوعات متعلقة..
- تقنية مصرية لدعم شبكة الكهرباء لاستيعاب الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية
- حماية شبكات الكهرباء المعتمدة على الطاقة المتجددة.. تقنية مصرية مبتكرة
- تعزيز التحول إلى الطاقة المتجددة في المجتمعات الريفية.. تقنية مصرية
اقرأ أيضًا..
- الهيدروجين الأخضر في الأردن.. حجم الإنتاج والتصدير المتوقع (خاص)
- 3 منصات حفر بحرية في سلطنة عمان تستكشف موارد النفط والغاز
- أبرز مشروعات الطاقة المتجددة في الدول العربية.. مراحل التطور كاملة
- حوض هيرودوت الضخم.. هل تنجح مصر في فك الشفرة؟





