مقالات النفطالمقالاترئيسيةنفط

بيع النفط الإيراني عبر وسطاء.. كيف تتفادى طهران العقوبات الأميركية؟ (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • • الأمناء جزء مهم من تجارة إيران النفطية في ظل العقوبات الأميركية
  • • إيرادات النفط تدعم عمليات الاستيراد والإنفاق العام وتلبي احتياجات البلاد من العملات الأجنبية
  • • استقالة محسن باكنجاد جاءت في ظل أزمة اقتصادية وتشديد للقيود المفروضة على صادرات النفط
  • • شركة النفط الوطنية الإيرانية قد تسعى إلى إحكام قبضتها على عمليات البيع وتحصيل الإيرادات

يتولى بيع النفط الإيراني في الخارج وسطاء غير رسميين لتفادي العقوبات الأميركية، وهذا ينطوي على عدة تداعيات بشأن تحصيل الإيرادات وإدارتها.

وأصبح استعمال إيران لوسطاء غير رسميين -يُعرَفون بـ"الأمناء"- جزءًا مهمًا من تجارتها النفطية في ظل العقوبات الأميركية.

وتساعد هذه الشبكة المؤسسات الحكومية على بيع النفط الإيراني وتحويل الإيرادات في الحالات التي يتعذّر فيها استعمال القنوات التقليدية للخدمات المصرفية والتأمين والشحن.

في المقابل، فإن هذا الأمر يطرح مشكلة أمام طهران؛ إذ إن حالة الغموض التي تتيح إتمام المعاملات بعيدًا عن طائلة العقوبات، تجعل من الصعب التحقق من حجم الإيرادات التي تعود إلى خزينة الدولة، أو تحديد الجهة التي تسيطر على الأموال في أثناء نقلها، أو معرفة من يتحمل المسؤولية في حال تأخُّر المدفوعات أو فقدانها.

عودة قضية بيع النفط الإيراني في الخارج

عادت قضية بيع النفط الإيراني في الخارج لتتصدَّر المشهد بعد أن زعمت صحيفة "فرهيختكان" الإيرانية أن صندوقًا ائتمانيًا -أُنشئ خلال مدة تولّي محسن باكنجاد منصب وزير النفط- يدين لشركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC) بمبلغ يقارب ملياري دولار ناتجة عن مبيعات نفطية خارجية.

وادّعت الصحيفة أن 3 من هؤلاء "الأمناء" (أفراد حصلوا على عقود نفطية) يدينون للشركة بمبالغ تصل إلى مئات الملايين من الدولارات لكل منهم.

وقد استقال الوزير باكنجاد في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026؛ حيث عزت وسائل الإعلام الرسمية استقالته إلى أسباب شخصية، وعيّنَ الرئيس مسعود بزشكيان رئيسَ شركة النفط الوطنية الإيرانية، حميد بوفارد، وزيرًا للنفط بالإنابة.

ورغم أن توقيت الاستقالة أثار تكهنات واسعة، فإنه لم يُصدر أيّ تحقيق علني يؤكد أن تلك المزاعم كانت السبب وراء الاستقالة.

وزير النفط الإيراني المستقيل محسن باكنجاد
وزير النفط الإيراني المستقيل محسن باكنجاد – الصورة من إيران إنترناشونال

طريقة عمل النظام

يُعدّ مصطلح "الأمناء" (Trustees) تسميةً عمليةً، وليس تصنيفًا قانونيًا محددًا بدقّة.

وعمومًا، يمثّل هؤلاء الأمناء وسطاء تعتمد عليهم السلطات الإيرانية لتسويق النفط، واستلام المدفوعات في الخارج، وترتيب إعادتها أو استعمالها.

ويُخصَّص النفط لشركات خاصة أو أفراد، يتولّون بدورهم العمل مع المشترين وشركات الشحن والبنوك ووسطاء آخرين.

وقد تعود بعض الإيرادات في شكل أموال نقدية، في حين قد يُحتفَظ بأجزاء أخرى في الخارج أو تُستعمل لسداد قيمة الواردات.

وقد أقرّ مسؤولون بأن هؤلاء الأمناء يشكّلون جزءًا من عملية بيع النفط الإيراني، في حين تتوزع مسؤولية إيداع الإيرادات وتحويلها بين السلطات النفطية والمصرفية.

ونشأ هذا الترتيب عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض العقوبات؛ حيث دُفِع بقطاع النفط الإيراني بعيدًا عن آليات تمويل التجارة التقليدية نحو شبكات قادرة على العمل عبر دول وسيطة وقنوات تتّسم بقلّة الشفافية.

وقد تنطوي عمليات بيع النفط الإيراني على شحنات بأسعار مخفضة أو بنظام الائتمان (البيع الآجل)، وترتيبات شحن معقّدة، ومدفوعات تُحوَّل عبر حسابات أجنبية.

وتساعد هذه الآليات النفط الإيراني في الوصول إلى المشترين رغم العقوبات، لكنها تجعل من الصعب على شركة النفط الوطنية الإيرانية وعلى الرأي العام تقييم السعر النهائي أو تكاليف الصفقة، أو التحقق مما إذا كان المبلغ المستحق بالكامل قد أُعيد.

ولا يقتصر هذا النموذج على كونه مجرد وسيلة للالتفاف على تعطُّل الخدمات المصرفية، بل إنه ينقل المهامّ التجارية والمالية من الشركات الحكومية إلى دائرة ضيقة من الوسطاء المختارين.

ورغم أن ذلك قد يسرّع إنجاز المعاملات في ظل غياب القنوات الرسمية، فإنه يضع الأصول العامة في أيدي جهات خاصة، ويعتمد على عناصر من الثقة والضمانات والرقابة التي يصعب إخضاعها للتدقيق والتمحيص.

وتشير تقارير بشأن عقود حديثة إلى تخصيص شحنات ضخمة بنظام الائتمان لتجّار كانوا مدينين بمبالغ غير مسددة؛ حيث نشرت قناة "إيران إنترناشونال" تقارير تستند إلى وثائق تتعلق بـ86 مليون برميل خُصِّصت لـ4 أمناء، غير أن هذه التقارير ما تزال محل جدل ولا تغني عن إجراء تدقيق عام ومستقل.

منشأة تابعة لمصفاة إيران أويل النفطية في مدينة طهران
منشأة تابعة لمصفاة إيران أويل النفطية في مدينة طهران - الصورة من إيران إنترناشونال

الإيرادات والمخاطر والمكاسب الريعية

إنّ سبب لجوء الدولة إلى استعمال "الأمناء" (أو الوسطاء) واضح ومباشر: ففي ظل العقوبات، يُعدّ الحصول على بعض الإيرادات أفضل من عدم الحصول على أيّ شيء؛ إذ تدعم إيرادات النفط عمليات الاستيراد والإنفاق العام وتلبي احتياجات البلاد من العملات الأجنبية.

ويمكن لهؤلاء الوسطاء توفير سبل الوصول إلى مشترين وقنوات دفع لا تستطيع مؤسسات الدولة استعمالها مباشرةً.

وقد صرّح وزير النفط المستقيل "محسن باكنجاد" -قبيل مغادرته منصبه- بأن إيرادات النفط الذي بيعَ سابقًا كانت ما تزال تصل إلى إيران، حتى مع تدهور ظروف التصدير.

وتخلق هذه الترتيبات فرصًا لتحقيق مكاسب خاصة؛ فقد يحصل الوسيط على عمولة، أو يستفيد من مخصصات نفطية بأسعار مخفضة، أو يسيطر على الأموال ما دامت باقية خارج إيران.

وحتى في غياب أيّ تحويل متعمد للأموال، فإن التأخير في السداد وغياب الشفافية المحاسبية يضعان الدولة أمام مخاطر تقلبات أسعار الصرف، أو فشل عمليات التحويل، أو تعثُّر السداد.

وأفادت قناة "إيران إنترناشونال" بأن الإيرادات قد تظل في حسابات الوسطاء لأيام أو أسابيع، في حين يشير مسؤولون سابقون وبرلمانيون إلى مبالغ غير مدفوعة أكبر بكثير، وتتفاوت هذه التقديرات، ولم تخضع لتدقيق محاسبي مستقل وعلني للمطابقة بينها.

وقد تولّد هذه الشبكة مكاسب سياسية ريعية؛ فقد ربطت تقارير استقصائية وبيانات برلمانية بعض الوسطاء بأشخاص تربطهم صلات بأجهزة أمنية أو أُسَر ذات نفوذ.

وتتطلب هذه المزاعم تعاملًا حذرًا؛ فذكر اسم شخص ما في التقارير لا يعني بالضرورة ثبوت ارتكابه مخالفات جنائية، والسجلات العامة لا تشير إلى أن جميع الأمناء يتمتعون بالقدر نفسه من الدعم السياسي أو يؤدون الأدوار ذاتها.

في المقابل، عندما يعتمد الحصول على مخصصات النفط على قرارات اختيار رسمية وتظل الرقابة محدودة، يمكن أن تصبح السيطرة على هذه الشبكة مصدرًا للنفوذ بقدر ما هي مصدر للدخل.

ومن ثم، قد لا تقتصر قائمة المستفيدين من هذا النظام على الدولة والتجّار الأفراد، بل تشمل مؤسسات تسعى لتوجيه مبيعات النفط، أو تدفقات العملات الأجنبية، أو الإيرادات الناتجة عن الالتفاف على العقوبات.

استقالة محسن باكنجاد وما قد يليها

جاءت استقالة الوزير محسن باكنجاد في ظل أزمة اقتصادية، وتشديد للقيود المفروضة على صادرات النفط، وتزايد التساؤلات حول طريقة إدارة إيرادات النفط.

وأفادت وكالة "رويترز" بأن الرئيس الإيراني قبل الاستقالة لأسباب شخصية، وعيّن بوفارد في المنصب بصفة مؤقتة.

وعلى صعيد منفصل، كانت وسائل إعلام إيرانية قد تناولت تقارير عن ديون مترتبة على أمناء (وسطاء) وتخصيصات نفطية ضخمة، وأعلنت لجنة الطاقة البرلمانية عن فتح تحقيق في الأمر.

وتُشكّل هذه الأحداث السياق السياسي للموقف، لكنها لا تُثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين الديون المُشار إليها واستقالة باكنجاد.

وقد يؤدي تعيين بوفارد إلى فرض رقابة أكثر صرامة من جانب شركة النفط الوطنية الإيرانية، لكنه قد لا يغير النموذج الأساسي للعمل؛ إذ ما تزال الدولة بحاجة إلى وسطاء ما دامت العقوبات تعوق القنوات التجارية المعتادة.

وتتمثل إحدى الاستجابات المحتملة في استبدال الأمناء المتعثرين (المدينين)، أو المطالبة بضمانات أقوى، أو نقل المزيد من المسؤوليات إلى البنوك والكيانات المرتبطة بالدولة.

وهناك خيار آخر يتمثل في إعادة توزيع حصص النفط على شبكات جديدة.

وفي كلتا الحالتين، يظل السؤال الجوهري هو: هل ستتحسن الرقابة أم ستستمر الممارسات ذاتها تحت مسميات مختلفة؟

جانب من مصفاة نفط بمدينة بندر عباس في إيران
جانب من مصفاة نفط بمدينة بندر عباس في إيران – الصورة من بلومبرغ

التحكم بعمليات بيع النفط الإيراني

تتباين مصالح المؤسسات المعنية؛ فقد تسعى شركة النفط الوطنية الإيرانية إلى إحكام قبضتها على عمليات بيع النفط الإيراني وتحصيل الإيرادات، في حين يتعين على البنك المركزي إدارة تدفُّق العملات الأجنبية واستعمالها.

وتتولى وزارة النفط الإشراف على الإنتاج والتسويق، في حين يمتلك البرلمان وهيئات الرقابة صلاحية التحقيق في العقود والديون.

بدورها، قد تسعى الأجهزة الأمنية إلى بسط نفوذها على الشبكات التي تلتفّ على العقوبات.

وإذا تنافست هذه الجهات دون قوانين واضحة، فإن تغيير القيادة قد يقتصر على تبديل الجهة المسيطرة على النظام دون أن يؤدي ذلك إلى تحسين المساءلة العامة.

وتشير أنباء عن تحويل إيرادات نفطية بقيمة 1.5 مليار دولار عبر النظام المصرفي الروسي إلى مدى سرعة تغير مسارات إعادة الأموال إلى البلاد.

وقد أوردت وكالة "فارس" خبر التحويل، في حين نسبت قناة "إيران إنترناشونال" تفاصيل الترتيب الجديد إلى مصادر مطّلعة.

لذا، لا ينبغي عَدُّ ذلك دليلًا على استرداد الأموال عبر "الأمناء" أو على ديمومة هذا المسار الجديد، غير أنه يشير إلى إمكان إعادة تنظيم شبكات الالتفاف على العقوبات جغرافيًا استجابةً لتغير الضغوط.

وقد تتشكل مجموعات جديدة تسعى للاستفادة من الريع النفطي حول هذه المسارات، في حين يتنافس التجار والبنوك ومؤسسات الدولة القائمة حاليًا للحفاظ على فرص وصولهم إلى هذه الموارد.

وسيعتمد مستقبل هذا النظام على إجراءات الإنفاذ الأميركية، وتوفُّر المشترين، والقدرة على نقل الشحنات وتسوية معاملاتها.

في 8 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلنت واشنطن فرض عقوبات جديدة على 17 ناقلة وشبكات مرتبطة بها، ووصفت وزارة الخزانة الأميركية هذه الخطوة بأنها ضربة قوية لِما تبقّى من "اسطول الظل" الإيراني.

ورغم أن هذه التدابير ترفع تكاليف المعاملات، فإنها لا تحلّ -بحدّ ذاتها- المسألة الداخلية المتعلقة بالجهات التي تتسلّم النفط وتتولى إدارة إيراداته.

ضمان استمرار عمليات بيع النفط الإيراني

يُعدّ نظام "الأمناء" في إيران استجابةً للعقوبات، وفي الوقت نفسه مصدرًا للنزاعات الداخلية؛ فهو يضمن استمرار عمليات بيع النفط الإيراني وتدفّق الإيرادات، لكن طابع السرّية المحيط به يفتح الباب أمام التأخير، وضياع الأموال، وتراكم الثروات لدى جهات خاصة.

وقد أدت المزاعم التي أثارتها صحيفة "فرهيختكان" إلى تكثيف التدقيق والرقابة، لكنها لم تسفر بعد عن كشف حساب علني يحدد المبالغ المستحقة، أو يحدد الجهات المسؤولة.

ومن شأن استقالة الوزير "محسن باكنجاد" أن تُغيِّر موازين القوى بين شركة النفط الوطنية الإيرانية، ووزارة النفط، والبنوك، والبرلمان، والأجهزة الأمنية.

أمّا ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تغيير النظام ذاته، فيعتمد على مدى حرص القيادة المقبلة على تعزيز الشفافية فيما يتعلق بتخصيص النفط، والضمانات، وإعادة الإيرادات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات العمل القائمة.

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق