أنس الحجي: الحر يدفع أوروبا إلى التكييف لكن بنيتها ضعيفة.. وهكذا تستفيد الصين
أحمد بدر

تواجه أوروبا أزمة متصاعدة في قطاع التكييف، مع تزايد موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، في وقت لم تكن معظم المدن الأوروبية تاريخيًا تعتمد بصورة واسعة على أجهزة التبريد، ما يضع شبكات الكهرباء والبنية التحتية أمام تحديات غير مسبوقة.
ويرى مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي أن أوروبا دخلت مرحلة مختلفة مع تكرار موجات الحر، بعدما اكتشف الأوروبيون أن اعتمادهم التاريخي على فتح النوافذ لم يعد كافيًا لمواجهة الظروف المناخية الجديدة.
وأوضح أن دول الخليج والصين تمتلكان خبرة طويلة في التعامل مع ارتفاع الطلب على التكييف، بعدما توسعت المدن والمباني والشبكات الكهربائية بالتوازي مع انتشار أجهزة التبريد، وهو ما يختلف جذريًا عن الوضع في المدن الأوروبية القديمة.
وتأتي أزمة التكييف الأوروبية بالتزامن مع مشكلات أخرى في قطاع الطاقة، بينها الجفاف وإغلاق محطات نووية مولدة للكهرباء، إضافة إلى صعوبات نقل الوقود عبر الأنهار، فضلًا عن موجات الحر المتكررة التي ضربت القارة.
وجاءت تصريحات الدكتور أنس الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، الذي يقدمه على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، وجاءت بعنوان: "أزمة تتناسل: من هرمز إلى البحار الثلاثة فالمَزارع.. حتى المواصلات والكهرباء والتدفئة والتبريد".
موجات الحر تدفع أوروبا إلى التبريد
أشار الدكتور أنس الحجي إلى أن أوروبا شهدت خمس موجات حر، موضحًا أن القارة لم تعرف -وفق وصفه- مثل هذه المعاناة سابقًا، وأن ارتفاع درجات الحرارة تسبب في وفيات، ودفع السكان إلى البحث عن حلول للتبريد.
وبيّن أن انتشار التكييف في دول الخليج يمثل تجربة واضحة لحجم الطلب على الكهرباء خلال فصل الصيف، إذ يذهب نحو 80% من استهلاك الكهرباء في دول الخليج لأجهزة التبريد، وفق الأرقام التي أشار إليها.
ولفت إلى أن التوسع في التكييف داخل أوروبا سيخلق ضغطًا كبيرًا على منظومة الكهرباء، مؤكدًا أن التجارب المتراكمة خلال 40 عامًا في الخليج والصين توفر بيانات مهمة لفهم الزيادة المحتملة في الطلب.

وأوضح الدكتور أنس الحجي أن المدن الخليجية توسعت خلال العقود الماضية بالتزامن مع انتشار التكييف، إذ أصبحت أجهزة التبريد جزءًا من نمو المساكن والتخطيط العمراني، كما طُورت إمدادات الكهرباء والشبكات بما يتناسب مع هذا التوسع.
وقال إن التجربة الصينية اتخذت مسارًا مشابهًا، إذ توسعت المدن بصورة ضخمة خلال العقود الماضية، وجاء التكييف بالتوازي مع التوسع العمراني، ليصبح عنصرًا ضمن التخطيط للكهرباء والشبكات والإمدادات، بدلًا من إضافته لاحقًا.
وأضاف أن الوضع الأوروبي مختلف، لأن معظم المدن قديمة، وكذلك شبكات الكهرباء والبنية الأساسية، مشيرًا إلى أن تركيب أعداد ضخمة من أجهزة التبريد داخل مبانٍ قديمة سيحتاج إلى استثمارات وتغييرات واسعة.
وأكد أن التحدي لا يتعلق فقط باستهلاك الكهرباء، وإنما بكيفية تركيب أجهزة التكييف داخل المدن والمباني الأوروبية القديمة، سواء كانت أنظمة مركزية أم أجهزة جدارية أم وحدات سبليت، وهو ما يرفع التكاليف المطلوبة.
الشبكات الأوروبية أمام تحديات ضخمة
أوضح الدكتور أنس الحجي أن الشبكة الكهربائية الأوروبية لا تتحمل بسهولة الزيادة المحتملة في الطلب، خصوصًا مع وجود طلب إضافي من مراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي، ما يضع ضغطًا مزدوجًا على البنية التحتية الحالية.
وأشار إلى أن أوروبا ستكون مطالبة بتغيير أجزاء كبيرة من الشبكة لاستيعاب الطلب الجديد، معتبرًا أن تحديث الشبكات عملية مكلفة للغاية، في وقت تواجه فيه الاقتصادات الأوروبية ضغوطًا مالية تحد من قدرتها على الإنفاق.
وبيّن أن انتشار التكييف في أوروبا سيحتاج إلى أجهزة تتمتع بكفاءة مرتفعة في استهلاك الكهرباء، مشيرًا إلى أن اليابان تمتلك منتجات ذات كفاءة عالية، لكن أسعارها المرتفعة قد تحد من الاعتماد عليها.

ولفت الدكتور أنس الحجي إلى أن هذه المعادلة قد تدفع الأوروبيين بصورة أكبر نحو الصين، باعتبارها أكبر منتج للمكيفات القادرة على توفير كميات ضخمة للسوق الأوروبية، وهو ما يفتح بابًا جديدًا للعلاقات التجارية بين الطرفين.
وأضاف أن دولًا أخرى، مثل إندونيسيا وماليزيا، يمكن أن تدخل على خط الإمدادات الأوروبية، لكن الصين تظل لاعبًا رئيسًا في سوق أجهزة التكييف، نظرًا إلى ضخامة قدرتها الإنتاجية وتنوع منتجاتها.
وأشار إلى أن الاعتماد الأوروبي المتزايد على المنتجات الصينية قد يثير إشكالات أخرى، خصوصًا أن بعض المسؤولين الأوروبيين والأميركيين سبق أن عبروا عن مخاوف أمنية مرتبطة ببعض المنتجات والتقنيات الصينية.
وأوضح أن انتشار التكييف الصيني داخل المنازل الأوروبية قد يضيف إلى هذه المخاوف، مع التساؤلات حول المكونات الإلكترونية والاتصالات والأجهزة الموجودة داخل الوحدات، في ظل الحساسية المتزايدة تجاه أمن المنتجات المتصلة بالتقنيات الرقمية.
أزمة الكهرباء والغاز تعقّد المشهد
قال الدكتور أنس الحجي إن تركيب أجهزة التكييف وتحديث الشبكات لن يحل المشكلة وحده، لأن الخطوة التالية تتمثل في توفير الكهرباء اللازمة لتشغيل هذه الأجهزة، في حين تعاني أوروبا بالفعل عجزًا في الكهرباء والغاز.
وأضاف أن التوسع في التكييف سيزيد الطلب على الكهرباء، في وقت تشير فيه مستويات مخزونات الغاز الأوروبية إلى ضغوط كبيرة، في حين تظل إمدادات الغاز المسال محدودة، مع وجود منافسة عالمية قوية على الشحنات المتاحة.
وأشار إلى أن محدودية إمدادات الغاز قد تدفع بعض الدول الأوروبية إلى العودة للفحم لتلبية الطلب على الكهرباء، وهو خيار يتعارض مع السياسات التي اتبعتها القارة خلال العقدين الماضيين للحد من استعمال الوقود الأحفوري.

ورأى الدكتور أنس الحجي أن توفير الكهرباء اللازمة للتبريد سيظل مرتبطًا بمصادر الطاقة المتاحة، مشيرًا إلى أن الحل الذي يطرحه في حديثه يتمثل في إعادة فتح قنوات التعاون مع روسيا للحصول على الغاز.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يواصل فرض حزم من العقوبات على روسيا، مشيرًا إلى أن الحزمة الحادية والعشرين كانت قيد البحث، في وقت يرى فيه أن توفير الغاز الروسي سيغير معادلة الطاقة الأوروبية.
ولفت إلى أن أسعار الغاز في أوروبا ارتفعت إلى مستويات كبيرة، موضحًا أنها تبلغ حاليًا نحو ثمانية أضعاف سعر الغاز في الولايات المتحدة، وهو فارق يضغط بقوة على الصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
واختتم الحجي حديثه بالتأكيد على أن أزمة التكييف في أوروبا تتجاوز شراء الأجهزة، لتشمل الشبكات ومصادر الكهرباء والغاز والبنية العمرانية، مشيرًا إلى أن تداعيات أزمة هرمز تضيف تحديات جديدة إلى المشهد الأوروبي.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
المصدر:





