تكنو طاقةتقارير التكنو طاقةرئيسية

إنتاج الهيدروجين الأخضر.. تفاصيل ابتكار مصري حديث

داليا الهمشري

يشهد الهيدروجين الأخضر اهتمامًا عالميًا متزايدًا بوصفه أحد أكثر الخيارات الواعدة لدعم مستقبل الطاقة، ولا سيما في ظل التوسع في مصادر الطاقة المتجددة التي تتطلّب وسيلة فاعلة لتخزين الطاقة ونقلها واستعمالها عند الحاجة، وهو الدور الذي يمكن أن يؤديه الهيدروجين بكفاءة.

ولا يُنظر إلى الهيدروجين على أنه مجرد وقود بديل، بل بوصفه ناقلًا للطاقة يمكن إنتاجه باستعمال الكهرباء المولّدة من المصادر المتجددة، ثم استعماله لاحقًا في تشغيل خلايا الوقود، والصناعات الثقيلة، ووسائل النقل، أو إعادة تحويله إلى كهرباء عند الحاجة، ولذا تتسابق العديد من الدول للاستثمار في تطوير تقنيات إنتاج الهيدروجين الأخضر.

ويواجه إنتاج الهيدروجين الأخضر عددًا من التحديات التقنية والاقتصادية التي تحدّ من سرعة انتشاره، ولا سيما أن التحليل الكهربائي للماء يحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة لإنتاج الهيدروجين، ما يؤثر في كفاءة العملية وتكلفتها، إلى جانب صعوبة استعمال مياه البحر أو المياه الملوثة بسبب الأملاح والشوائب والتفاعلات الجانبية.

ومن هذا المنطلق، سعى الباحث المصري المدرس في كلية العلوم بجامعة سوهاج، الدكتور محمود الباز، بالتعاون مع فريقه البحثي في جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة، إلى إعادة التفكير في منظومة إنتاج الهيدروجين بالكامل، بدلًا من الاكتفاء بتحسين أحد مكوناتها.

واستهدف البحث -الذي اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- تطوير نظام يجمع بين استغلال ضوء الشمس مباشرة، وتقليل استهلاك الطاقة، والاستغناء عن مصدر كهربائي خارجي، مع الاستفادة من مصادر مياه أكثر تنوعًا.

إنتاج الهيدروجين الأخضر

استلهم فريق البحث فكرة النظام من عملية البناء الضوئي في النباتات، إذ طوّر "ورقة اصطناعية" (Artificial Leaf) تلتقط ضوء الشمس وتحوله مباشرة إلى طاقة تُستعمل في إنتاج الهيدروجين الأخضر، دون الحاجة إلى بطارية أو مصدر كهربائي خارجي.

وتجمع المنظومة مكونات إنتاج الهيدروجين داخل جهاز واحد، من بينها فوتوكاثود يعتمد على البيروفسكايت، إلى جانب محفّز كهروكيميائي خالٍ من المعادن النبيلة يعتمد على أكسيد السبينيل من الحديد والكوبالت والكروم.

تقنية مصرية لإنتاج الهيدروجين الأخضر بالطاقة الشمسية

واعتمد الباحثون على البيروفسكايت لقدرتها على تحويل ضوء الشمس إلى شحنات كهربائية بكفاءة، مع تطوير طبقة حماية للحفاظ على استقرارها عند ملامسة الماء، وهو أحد أبرز التحديات التي تواجه استعمال هذه المادة في التطبيقات المائية.

وأظهر الفوتوكاثود قدرة على العمل لأكثر من 72 ساعة متواصلة تحت الإضاءة الشمسية، في خطوة تعزّز فرص استعمال البيروفسكايت في أنظمة إنتاج الهيدروجين الأخضر.

خفض استهلاك الطاقة

يعتمد الابتكار -أيضًا- على استبدال تفاعل أكسدة الهيدرازين بتفاعل إنتاج الأكسجين، الذي يستهلك جزءًا كبيرًا من الطاقة في التحليل الكهربائي التقليدي.

كما طوّر الباحثون محفزًا من أكسيد السبينيل لتسريع هذا التفاعل بكفاءة، مما أسهم في خفض الجهد اللازم لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وسمح للمنظومة بالعمل اعتمادًا على ضوء الشمس دون مصدر كهربائي خارجي.

وتعمل الإلكترونات المتولدة من الفوتوكاثود على اختزال الماء وإنتاج الهيدروجين، في حين تُستعمل الفجوات الموجبة في أكسدة الهيدرازين، لتجميع إنتاج الوقود ومعالجة الملوث في عملية واحدة.

وأوضح الباحث محمود الباز -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن الهيدرازين يمثّل أحد الملوثات الصناعية شديدة السمية، ويُستعمل في عدد من الصناعات، مما يجعل التخلص من مخلفاته تحديًا بيئيًا.

وفي النظام الجديد، تمكّن الباحثون من أكسدة الهيدرازين بصورة شبه كاملة وتحويله إلى غاز النيتروجين غير الضار، بالتزامن مع إنتاج كمية إضافية من الهيدروجين الأخضر.

وبذلك يجمع النظام بين وظيفتَيْن في جهاز واحد، هما إنتاج الوقود النظيف وإزالة أحد الملوثات الصناعية، وهو ما يمثّل أحد أبرز جوانب الابتكار في الدراسة.

نتائج واعدة

أظهرت التجارب قدرة الورقة الاصطناعية على إنتاج الهيدروجين تحت ضوء الشمس دون الحاجة إلى مصدر كهربائي خارجي، مع تحقيق كثافة تيار ضوئي بلغت نحو 25 مللي أمبير لكل سنتيمتر مربع تحت الإضاءة الشمسية القياسية.

كما تجاوز استقرار الفوتوكاثود المعتمد على البيروفسكايت 72 ساعة من التشغيل المستمر، في حين حقّق المحفز المستعمل لأكسدة الهيدرازين إزالة كاملة للملوث وتحويله إلى غاز النيتروجين.

وأجرى الباحثون كذلك اختبارًا تحت ضوء الشمس الطبيعي وفي ظروف تشغيل حقيقية، وأثبتت المنظومة قدرتها على إنتاج الهيدروجين بالاعتماد على ضوء الشمس المباشر.

وأظهرت الدراسة -أيضًا- إمكان تشغيل النظام في المياه القلوية المالحة، مما يفتح المجال أمام دراسة استعمال مصادر مياه غير تقليدية في إنتاج الهيدروجين، بدلًا من الاعتماد الكامل على المياه النقية.

كما حقق النظام كفاءة فارادية تقارب 100% لإنتاج الهيدروجين، ما يشير إلى استعمال معظم الإلكترونات الناتجة من التفاعل في إنتاج الوقود مع فقد محدود في التفاعلات الجانبية.

أنظمة أكثر كفاءة

تكمن أهمية البحث في دمج إنتاج الهيدروجين بالطاقة الشمسية ومعالجة الملوثات داخل منظومة واحدة ذاتية التشغيل، بدلًا من الاعتماد على وحدات منفصلة لتوليد الكهرباء ثم استعمالها في التحليل الكهربائي.

ويرى المدرس في كلية العلوم بجامعة سوهاج الدكتور محمود الباز -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن هذا النهج يمكن أن يفتح المجال أمام تطوير أنظمة أكثر كفاءة واستدامة، خاصة مع إمكان استعمال مصادر مياه غير تقليدية، مثل المياه المالحة أو الصناعية.

إنتاج الهيدروجين الأخضر

ونُشرت نتائج البحث في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز (Nature Communications)، إحدى الدوريات العلمية الدولية التابعة لمجموعة نيتشر (Nature).

ورغم أن التقنية ما تزال في مرحلة البحث والتطوير، فإن نتائجها تقدم نموذجًا مختلفًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر يجمع بين استغلال الطاقة الشمسية وإنتاج الوقود النظيف ومعالجة الملوثات في منظومة واحدة، مما قد يدعم مستقبل تطوير حلول أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر مرونة في مصادر المياه المستعملة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق