المقالاترئيسيةروسيا وأوكرانياغازمقالات الغازملفات خاصة

نقل الغاز الروسي إلى إيران.. مشروع طموح يواجه تحديات البنية التحتية والإدارة (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • روسيا وإيران أعلنتا العديد من صفقات الطاقة الطموحة التي لم تدخل حيز التنفيذ
  • إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم
  • إيران تحتاج إلى المزيد من الغاز لإعادة حقنه في حقول النفط المتقادمة
  • استلام الغاز الروسي على الحدود الشمالية لإيران من شأنه أن يُغذّي المحافظات المجاورة

يُعدّ نقل الغاز الروسي إلى إيران مشروعًا طموحًا يلبي الاحتياجات الجيوسياسية للبلدين، على الرغم من أنه يواجه تحديات البنية التحتية والإدارة.

يقول سفير إيران لدى روسيا، كاظم جلالي، إن المفاوضات بشأن نقل الغاز الروسي إلى إيران قد أحرزت "تقدمًا جيدًا جدًا"، واصفًا المشروع بأنه خطوة نحو تحويل إيران إلى مركز إقليمي للطاقة. رغم ذلك، يُعدّ الحذر ضروريًا: فقد أعلنت روسيا وإيران العديد من صفقات الطاقة الطموحة التي لم تدخل حيز التنفيذ، وما تزال هناك تساؤلات عالقة بشأن التسعير والتمويل والنقل والبنية التحتية.

وتستند الخطة إلى مذكرة تفاهم مؤرخة في 26 يونيو/حزيران 2024 بين شركة غازبروم الروسية (Gazprom) والشركة الوطنية الإيرانية للغاز، وتنصّ على نقل الغاز الروسي عبر أذربيجان إلى شمال إيران قرب مدينة أستارا.

حجم نقل الغاز الروسي إلى إيران

ناقش المسؤولون الروس والإيرانيون حجمًا نهائيًا لحجم نقل الغاز الروسي إلى إيران يبلغ 55 مليار متر مكعب سنويًا، أي ما يعادل 150 مليون متر مكعب يوميًا.

ومن المرجّح أن تُنتج المرحلة الأولى ما بين 1.8 و2 مليار متر مكعب سنويًا فقط عبر خطوط الأنابيب الحالية.

ويتطلب الوصول إلى الهدف الأكبر بنية تحتية جديدة، واستثمارات ضخمة، واتفاقية نقل مُحكمة مع أذربيجان.

حاجة إيران إلى الغاز الروسي

للوهلة الأولى، يبدو مشروع نقل الغاز الروسي إلى إيران متناقضًا، لأن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم، بعد روسيا فقط،  فلماذا قد تحتاج دولة عملاقة في مجال الغاز إلى استيراد الغاز من دولة أخرى؟

ويكمن الجواب في الفرق بين الاحتياطيات الجوفية والإمدادات المتاحة.

وقد تمتلك إيران احتياطيات هائلة، لكنها لا تستطيع تطوير ومعالجة ونقل وتوزيع كميات كافية من الغاز لتلبية الطلب المتزايد بسرعة، خصوصًا في فصل الشتاء.

بدورها، حدّت العقوبات من الوصول إلى الاستثمارات والتكنولوجيا المتقدمة والضواغط والتمويل الدولي، وفاقمت السياسات الداخلية هذه المشكلات.

وتشجع الأسعار المدعومة المتدنية على الاستهلاك غير الكفؤ من قبل الأسر والصناعات ومحطات توليد الكهرباء.

وقد وسّعت إيران شبكة الغاز لديها لتشمل معظم أنحاء البلاد، ما أدى إلى إنشاء واحدة من أكبر أسواق الغاز السكنية في العالم.

وفي فصل الشتاء، يرتفع الطلب بشكل حادّ لدرجة أن الحكومة تضطر إلى تقييد الإمدادات للصناعات ومرافق البتروكيماويات ومحطات توليد الكهرباء لحماية المستهلكين المنزليين.

في هذه الظروف تحرق محطات توليد الكهرباء زيت الوقود أو الديزل، ما يزيد من تلوث الهواء ويقلل من كمية المنتجات البترولية المتاحة للتصدير.

وتواجه إيران انخفاضًا في الضغط في حقل بارس الجنوبي، المسؤول عن معظم إنتاجها من الغاز.

ويتطلب الحفاظ على الإنتاج مرافق ضغط بحرية باهظة الثمن ومعدّات متطورة أخرى.

محطة لمعالجة مكثفات الغاز في إيران
محطة لمعالجة مكثفات الغاز في إيران – الصورة من بلومبرغ

في الوقت نفسه، تحتاج البلاد إلى المزيد من الغاز لإعادة حقنه في حقول النفط المتقادمة، في حين إن سعة التخزين الجوفية لديها ما تزال غير كافية لتحقيق التوازن الموسمي.

ومن ثم، فإن إيران لا تستهلك من الغاز أكثر مما تملكه جيولوجيًا، بل تستهلك خلال أوقات الذروة أكثر مما تستطيع أنظمة الإنتاج والنقل لديها توفيره بشكل موثوق.

وهكذا يمكن لبلد يمتلك احتياطيات هائلة أن يعاني من نقص في الإمدادات، ومع ذلك يفكر في الاستيراد.

أهمية شحنات الغاز الروسية

حتى شحنات الغاز الروسية المتواضعة قد تكون ذات قيمة عملية، إذ يتركز معظم إنتاج الغاز الإيراني في الجنوب، في حين تنتشر مراكز الطلب الرئيسة في المحافظات الشمالية والوسطى.

ويتطلب نقل كميات كبيرة شمالًا نقلًا لمسافات طويلة عبر شبكة وطنية مُرهقة أصلًا.

ومن شأن استلام الغاز الروسي على الحدود الشمالية لإيران أن يُغذّي المحافظات المجاورة دون الحاجة إلى نقل الكمية نفسها من حقل بارس الجنوبي.

وهذا قد يُخفف الضغط على شبكة خطوط الأنابيب الداخلية الإيرانية، ويُتيح المزيد من الغاز الجنوبي للصناعات، وتوليد الكهرباء، وإعادة حقن حقول النفط، أو تصدير كميات محدودة إلى العراق وتركيا.

ويُمكن لإيران استعمال هذا الاتفاق في عمليات المقايضة، إذ يُمكنها استلام الغاز الروسي في الشمال مع توريد كميات إيرانية مُماثلة إلى عميل آخر من الجنوب أو الغرب.

ولدى إيران خبرة في اتفاقيات مقايضة غاز أصغر حجمًا مع أذربيجان وتركمانستان.

من ناحية ثانية، فإن الحجم عامل مهم، فالشحنات الأولية التي تبلغ نحو ملياري متر مكعب سنويًا ستُوفر راحة محلية، لكنها لن تُغير ميزان الطاقة الإيراني.

أمّا الهدف الكامل البالغ 55 مليار متر مكعب فسيكون له أثر بالغ، لكن البنية التحتية الحالية لا تستطيع استيعاب هذه الكمية دون توسعات كبيرة.

مكاسب روسيا

من السهل فهم مصلحة روسيا، فقبل غزو أوكرانيا، كانت أوروبا أهم سوق لغاز روسيا عبر خطوط الأنابيب. ومنذ عام 2022، انخفضت مشتريات أوروبا بشكل حاد بسبب العقوبات والقرارات السياسية وخفض الإمدادات وتدمير خط أنابيب نورد ستريم.

وحوّلت موسكو المزيد من الطاقة نحو الصين وغيرها من الأسواق الآسيوية، لكن خيارات تصدير الغاز لديها ما تزال محدودة مقارنةً ببدائل تصدير النفط.

وتوفر إيران لروسيا منفذًا جنوبيًا جديدًا وجسرًا محتملًا إلى أسواق الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

ويُعدّ المسار عبر أذربيجان أقصر جغرافيًا وأسهل من إنشاء خط أنابيب تحت بحر قزوين.

ويدعم المشروع جهود موسكو الأوسع نطاقًا لتعميق التكامل الاقتصادي مع الدول الخاضعة للعقوبات أو المستعدة لتحدّي الضغوط الغربية.

في المقابل، تواجه روسيا قيودًا خاصة بها، فقد أدى فقدان شركة غازبروم لإيراداتها الأوروبية إلى إضعاف وضعها المالي، في حين تتطلب خطوط الأنابيب الجديدة ذات السعة العالية استثمارات ضخمة.

وفي الوقت نفسه، ستقاوم إيران دفع أسعار لا تعكس محدوديتها المالية وسوقها المحلية المدعومة بشكل كبير. لذا، فإن السعر ليس تفصيلًا ثانويًا في نهاية المطاف، إنه أمر أساس للجدوى التجارية للمشروع.

محطة دالاهو لتوليد الكهرباء بالغاز في محافظة كرمانشاه الإيرانية
محطة دالاهو لتوليد الكهرباء بالغاز في محافظة كرمانشاه الإيرانية – الصورة من برس تي في

دور أذربيجان

لن تقتصر مشاركة أذربيجان على توفير الأراضي، بل ستجعل من باكو فاعلًا أساسيًا في مجال النقل، يتمتع بنفوذ على التعرفات الجمركية، وتخصيص القدرة الاستيعابية، والأمن، وشروط التشغيل.

ويتعين على باكو الموازنة بين مصالح متضاربة عديدة؛ فهي ترغب في الحفاظ على علاقات مصالح مع روسيا وإيران، لكنها في الوقت نفسه رسّخت مكانتها بصفتها مورد غاز متزايد الأهمية لأوروبا.

إن تسهيل إنشاء خط غاز روسي رئيس قد يعرّض المؤسسات والشركات الأذربيجانية لضغوط سياسية أو تدقيق في العقوبات.

لهذا، يجب على أذربيجان حماية احتياجاتها المحلية والتزاماتها التصديرية.

وقد يوفر النقل إيرادات ونفوذًا إقليميًا أكبر، لكن من غير المرجّح أن تقبل باكو مشروعًا ضخمًا دون فوائد تجارية واضحة وضمانات كافية.

لذا؛ لا ينبغي التعامل مع تعاونها على أنه تلقائي لمجرد اختيار هذا المسار، كما ورد.

هل يمكن لإيران أن تصبح مركزًا للطاقة؟

يمنح موقع إيران الجغرافي إمكانات حقيقية لتصبح مركزًا للطاقة، فهي تقع بين بعض أكبر الدول المنتجة للغاز في العالم والعديد من الأسواق التي تعاني من نقص الطاقة.

نظريًا، يمكنها ربط روسيا وآسيا الوسطى بالعراق وتركيا وباكستان والخليج العربي عبر خطوط الأنابيب وعمليات المقايضة والتخزين وتبادل الكهرباء.

عمليًا، يتطلب مركز الطاقة أكثر من مجرد موقع جغرافي، فهو يحتاج إلى فائض في القدرة الإنتاجية، وبنية تحتية موثوقة، وأسعار شفافة، ولوائح تنظيمية مستقرة، وإمكان الوصول إلى التمويل، وسمعة طيبة لمورد موثوق.

وتعاني إيران حاليًا في جميع هذه المجالات تقريبًا، فنقص إنتاجها المحلي يجعل من الصعب ضمان الصادرات، في حين تقيّد العقوبات الاستثمار والخدمات المصرفية الدولية.

ويمكن للغاز الروسي أن يعزز دور إيران بصفتها وسيطًا إقليميًا، لا سيما من خلال عمليات المقايضة.

رغم ذلك، فإن استيراد الغاز الروسي وحده لن يجعل من إيران مركزًا للطاقة، فالمصطلح حاليًا أقرب إلى كونه تعبيرًا عن طموح جيوسياسي منه وصفًا للواقع التجاري.

محور الدول الخاضعة للعقوبات

بدا المشروع في البداية غير منطقي، إذ يتضمن تبادل الغاز بين أكبر دولتين في العالم من حيث احتياطيات الغاز؛ إلّا أنه، عند النظر إليه في سياق أوسع، ينسجم مع النمط الناشئ لمحور الدول الخاضعة للعقوبات.

وتعمل روسيا وإيران على تطوير شبكات بديلة في مجالات الطاقة والمصارف والنقل والتجارة للحدّ من تعرُّضهما للضغوط الغربية.

وتشمل هذه الشبكات تسويات بالعملات الوطنية، وآليات دفع بديلة، وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، وزيادة الاعتماد على دول العبور الإقليمية.

ويتّسم تعاونهما بالواقعية أكثر من كونه قائمًا على ثقة إستراتيجية كاملة، فروسيا بحاجة إلى أسواق بديلة، وإيران بحاجة إلى إمدادات واستثمارات إضافية، وحماية من العزلة الاقتصادية، وتتداخل مصالحهما لأن العقوبات خلقت مشكلات متكاملة.

لذا؛ فإن المشروع ليس مجرد كلام فارغ، ولكنه ليس ممرًا تجاريًا للغاز.

وتُعدّ الشحنات الأولية التي تبلغ نحو ملياري متر مكعب سنويًا أكثر جدوى من الناحية التقنية من رؤية الـ55 مليار متر مكعب.

وحتى التدفقات الصغيرة قد تخفف الضغط في شمال إيران، وتمنح روسيا منفذًا آخر.

منشأة لمعالجة الغاز في مدينة عسلوية بإيران
منشأة لمعالجة الغاز في مدينة عسلوية بإيران – الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية

يتطلب تحقيق الهدف المنشود سنوات من البناء، وتمويلًا ضخمًا، واتفاقًا مع أذربيجان، وسعرًا مقبولًا من الطرفين.

في الوقت الراهن، ينبغي النظر إلى المشروع بصفته مزيجًا من ترتيب طاقة طويل الأجل محتمل، وإستراتيجية لمواجهة العقوبات، وأداة تفاوض دبلوماسية، وإشارة إلى تقارب روسي إيراني أوثق.

وتكمن أهميته الأوسع في السعي لبناء شبكات اقتصادية بديلة خارج الأنظمة الخاضعة للهيمنة الغربية. وسيتوقف نجاح هذه الشبكات، سواء أصبحت بنية تحتية مستدامة أو بقيت مجرد إعلانات ذات فائدة سياسية، على التمويل والتسعير والتنفيذ، وليس على التفاؤل الرسمي وحده.

 

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

 

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق