4 خبراء يتحدثون عن استيراد لبنان الغاز.. تحديات التكلفة والتمويل (خاص)
داليا الهمشري

يمثّل استيراد لبنان الغاز أحد أبرز الملفات المهمة التي تعمل الدولة على إنجازها في المدة المقبلة، على أمل حل جزء من أزمة الكهرباء المتفاقمة.
وهنا، يبرز الغاز الطبيعي المسال بصفته خيارًا جديدًا لتأمين إمدادات محطات الكهرباء، مع اتجاه بيروت إلى استيراده عبر الأردن، وإعادة تغويزه في ميناء العقبة، قبل نقله بصورة غاز طبيعي عبر خط الغاز العربي إلى الأراضي اللبنانية.
وكان وزير الطاقة اللبناني قد أعلن مؤخرًا هذا التوجّه، موضحًا أن الغاز سيُستعمل لتأمين احتياجات محطات الكهرباء، وفي مقدمتها معمل دير عمار، الذي صُمِّم أساسًا للعمل بالغاز الطبيعي، بدلًا من زيت الوقود المستعمل حاليًا.
ويعيد هذا المسار خط الغاز العربي إلى الواجهة بوصفه أحد الخيارات المطروحة لتأمين الوقود، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول التكلفة النهائية للغاز، في ظل تعدُّد مراحل الإمداد التي تشمل الشحن وإعادة التغويز والنقل ورسوم العبور من خلال الأردن وسوريا.
وتزداد هذه التساؤلات مع تقلبات أسعار الغاز الطبيعي المسال عالميًا ومحدودية القدرة المالية للبنان، مما يطرح علامات استفهام حول مدى قدرة هذا المسار على توفير غاز منخفض التكلفة، وما إذا كان يمثّل حلًا دائمًا لأزمة الكهرباء أم إجراءً مؤقتًا لتأمين الإمدادات.
في هذا السياق، يرى خبراء في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، أن استعمال الغاز الطبيعي المسال في لبنان لتشغيل محطات الكهرباء يمثّل خيارًا فنيًا وبيئيًا أفضل من زيت الوقود، لكن جدواه الاقتصادية تظل مرهونة بالسعر النهائي للغاز بعد إضافة تكاليف الشحن وإعادة التغويز والنقل والعبور.
كما حذّروا من أن الاعتماد على هذا المسار قد يضيف أعباء مالية ومخاطر على أمن الإمدادات؛ ما يستدعي دراسة بدائل وآليات تمويل تضمن استدامة المشروع.
تكلفة استيراد لبنان الغاز
أوضح الخبير في اقتصادات الطاقة، المدير التنفيذي لشركة بيترولب في بيروت، ناجي أبي عاد، أن الغاز الطبيعي المسال يُعدّ مرتفع السعر في الأساس، إلى جانب تكلفة عملية إعادة التغويز.
هذا فضلًا عن رسوم عبور الغاز من أراضي الأردن وسوريا، وهي عوامل ستنعكس في النهاية على سعر الغاز الواصل إلى محطة دير عمار في شمال لبنان.
وأضاف في تصريحاته إلى منصة الطاقة، أن المشكلة الأساسية تتمثل في ارتفاع التكلفة وعدم وضوح الجهة القادرة على تحمُّلها، خاصةً في ظل محدودية أسعار الكهرباء في لبنان.

وأشار "أبي عاد" إلى أن محطة دير عمار تعمل -حاليًا- بزيت الوقود، موضحًا أن استعماله قد يكون أقل تكلفة مقارنًة بالغاز المستورد وفق هذه الآلية، رغم أن الغاز الطبيعي يظل خيارًا أفضل من الناحية البيئية.
وقال، إن الفجوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلك ستتحمّلها في النهاية مؤسسة كهرباء لبنان أو الدولة اللبنانية، وهو ما يمثّل عبئًا إضافيًا في ظل الوضع المالي الصعب الذي تعانيه البلاد.
ومن جانبه، أكد الباحث في شؤون الطاقة رئيس مركز طاقة الشرق للدراسات والاستشارات، ياسر هلال، أن استعمال الغاز الطبيعي المسال في لبنان لتشغيل معمل دير عمار، وربما معمل الزهراني لاحقًا، يمثّل الخيار الأنسب؛ نظرًا إلى أن المحطتين صُمِّمتا أساسًا للعمل بهذا الوقود، الذي يعدّ أنظف مقارنًة بزيت الوقود المستعمل حاليًا.
خط الغاز العربي
أوضح هلال أن القضية الأساسية لا تتعلق بأفضلية الغاز الطبيعي من الناحية الفنية أو البيئية، وإنما بمدى القدرة على توفيره بصورة مجدية اقتصاديًا ومستدامة، مشيرًا إلى أن هذا الخيار كان متاحًا سابقًا عبر خط الغاز العربي لنقل الغاز المصري إلى سوريا ولبنان.
وأضاف هلال -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن جدوى هذا المسار واستدامته أصبحتا محل تساؤل جدّي بعد تحول مصر إلى استيراد الغاز.
وأشار إلى أن هذا المسار يضيف أعباء جديدة، إذ تُقدَّر تكلفة التسييل والنقل وإعادة التغويز بنحو 5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وفق تقديرات البنك الدولي، فضلًا عن تكلفة النقل ورسوم العبور عبر خط الغاز العربي.
ولفت إلى وجود تكاليف إضافية مرتبطة بالغاز المستعمل لتشغيل محطات الضغط اللازمة لنقله لمسافة طويلة تصل إلى نحو 840 كيلومترًا؛ ما يثير تساؤلات حول مدى تنافسية هذا الخيار إذا اعتُمِد عليه دائمًا.
وقال، إن نقل الغاز المسال إلى العقبة وإعادة تغويزه ثم ضخّه عبر الأنابيب قد يمثّل حلًا مقبولًا في الظروف الطارئة، مستشهدًا بما حدث في مصر خلال الشهر الماضي، حين حُوِّلَت بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى العقبة لإعادة تغويزها ونقلها إلى الشبكة، بهدف الحفاظ على استقرار الإمدادات خلال فصل الصيف.
وأكد أن التعامل مع هذا المسار بوصفه حلًا طارئًا يختلف عن اعتماده بديلًا دائمًا لتأمين مصدر منخفض التكلفة ومستدام للغاز في لبنان.

الاستفادة من طاقة التغويز المتاحة
يرى هلال أن أحد البدائل التي يمكن أن يدرسها لبنان يتمثل في استئجار سفينة لإعادة تغويز الغاز المسال، وهو خيار يُبحَثُ حاليًا، مشددًا على ضرورة تحقيق أقصى استفادة من طاقة التغويز المتاحة لضمان الجدوى الاقتصادية للمشروع.
وأوضح أن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال ربط سفينة التغويز بجميع محطات توليد الكهرباء القادرة على العمل بالغاز، وعدم قصر استعمالها على معمل دير عمار فقط، بما يسهم في توزيع التكلفة والاستفادة من كامل طاقتها التشغيلية.
وأضاف أن هناك خيارًا آخر يتمثل في التوصل إلى اتفاق مع سوريا لاستئجار سفينة تغويز مشتركة ذات طاقة كبيرة نسبيًا، بما يسمح بتقاسم التكلفة وتحسين الجدوى الاقتصادية، على غرار نماذج التعاون التي اعتمدتها مصر والأردن.
من جهتها، قالت مستشارة السياسات العامة للكهرباء، مهندسة الطاقة جيسيكا عُبيد، إن لبنان ما يزال يفتقر إلى إستراتيجية طويلة الأجل لقطاع الكهرباء؛ ما يدفعه إلى الانتقال من حل مؤقت إلى آخر دون معالجة التحديات الهيكلية للقطاع.
وأوضحت عُبيد أن استيراد لبنان الغاز المسال ليس بالضرورة الخيار الأرخص، مشيرةً إلى أن البنية التحتية المتاحة -حاليًا- لا تسمح بتشغيل محطات الكهرباء بالغاز إلّا من خلال خط الغاز العربي، الذي يمكنه تزويد معمل دير عمار.
وأكدت جيسيكا أن الجدوى الاقتصادية لاستيراد الغاز لا ينبغي أن تُقاس بسعر الغاز الطبيعي المسال فقط، بل بالسعر النهائي الذي سيصل إليه الغاز عند محطة دير عمار، بعد احتساب جميع التكاليف المرتبطة بسلسلة الإمداد.
وأشارت إلى أن نموذج استيراد الغاز المسال عبر العقبة يتضمن سلسلة من التكاليف الإضافية، تبدأ من سعر الغاز الطبيعي المسال والشحن، مرورًا بتكاليف إعادة التغويز في الأردن، ثم النقل والعبور عبر سوريا، فضلًا عن تكاليف خطوط الأنابيب والتمويل والصيانة والخسائر.

تقلبات السوق
تقول جيسيكا عُبيد، إن تقلبات سوق الغاز الطبيعي المسال عالميًا تفرض مزيدًا من عدم اليقين بشأن الأسعار، موضحة أنه لا يمكن افتراض أن الغاز سيكون دائمًا منخفض التكلفة أو مستقر السعر.
وأضافت في تصريحاتها إلى منصة الطاقة المتخصصة، أن مرور نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا عبر مضيق هرمز يزيد من حساسية السوق للتطورات الجيوسياسية واضطرابات حركة التجارة، ما قد ينعكس على أسعار الإمدادات وتكلفة وصولها إلى لبنان.
وشددت عُبيد على أن تقييم جدوى المشروع يجب أن يستند إلى الكلفة النهائية للغاز عند معمل دير عمار، وليس إلى سعر الغاز الطبيعي المسال وحده، مع الأخذ في الحسبان جميع تكاليف النقل والتغويز والعبور.
وعلى مستوى أمن الطاقة، أوضحت أن الاعتماد على إعادة التغويز والنقل والعبور عبر الأردن وسوريا يضيف مخاطر جديدة إلى منظومة الإمدادات، فضلًا عن زيادة الاعتماد على أطراف خارجية، وهو ما ينبغي إدراجه ضمن تقييم المشروع.
وأكدت أن التحدي لا يقتصر على تأمين الوقود، في ظل محدودية القدرة المالية للبنان حاليًا، مشيرةً إلى أن مؤسسة كهرباء لبنان تحتاج إلى موارد مالية كافية لتسديد تكلفة الوقود وتأمين استمرار التشغيل.
وشددت على ضرورة العمل بالتوازي على خفض خسائر مؤسسة كهرباء لبنان، وتحسين معدلات تحصيل فواتير الكهرباء، وإصلاح شبكة الكهرباء، محذّرةً من أن استمرار الاختلالات المالية والفنية في القطاع سيؤدي في النهاية إلى ارتفاع التكلفة على الدولة والمستهلكين.
من جانبها، قالت مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لوري هايتيان، إن مشروع توريد الغاز إلى لبنان عبر خط الغاز العربي ليس جديدًا، إذ سبق طرح استيراد الغاز المصري عبر المسار الذي يربط مصر بالأردن وسوريا ولبنان، قبل أن يتوقف المشروع بعد تشغيله لأوقات محدودة في السابق.
وأضافت أن الحديث عن المشروع تجدَّد في عام 2022، عقب اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، إلّا أن الظروف الحالية دفعت إلى تغيير مسار الخطة والبحث عن مصادر أخرى للغاز بدلًا من الاعتماد على الإمدادات المصرية.
وأوضحت هايتيان أن أحد أبرز أسباب هذا التحول يعود إلى تراجع قدرة مصر على تصدير الغاز، في ظل احتياجاتها المتزايدة للسوق المحلية، إذ تستورد الغاز من إسرائيل، إلى جانب شراء شحنات الغاز المسال من دول عدّة، من بينها الولايات المتحدة، لتلبية الطلب الداخلي.
وقالت، إن مصر تواجه ضغوطًا كبيرة لتأمين احتياجاتها من الغاز، وتتفاوض مع عدد من الشركات لضمان وصول شحنات الغاز الطبيعي المسال؛ ما يجعل من الصعب الاعتماد عليها مصدرًا لتزويد لبنان بالغاز في المرحلة الحالية.
وأضافت أن التوجه نحو استجرار الغاز المسال عبر العقبة في الأردن يرتبط أيضًا بالتجربة التي نُفِّذت لتزويد سوريا، إذ وصلت شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى العقبة، ثم نُقلت عبر شبكة الأنابيب الأردنية ورُبطت بخط الغاز العربي وصولًا إلى الأراضي السورية، بدعم قطري.
وترى هايتيان أن نجاح هذه التجربة قد يوفر مسارًا يمكن للبنان الاستفادة منه، خاصةً مع العمل على تأهيل الجزء اللبناني من خط الأنابيب المرتبط بسوريا، بما يسمح باستعمال البنية التحتية نفسها لتوريد الغاز إلى محطة دير عمار، مع احتمال وجود دعم قطري للمشروع.
ومع ذلك، أشارت إلى أن مصدر الغاز الذي سيصل إلى العقبة ما يزال بحاجة إلى توضيح، سواء كان غازًا قطريًا أو شحنات من مصادر أخرى، من بينها الولايات المتحدة، في ظل الظروف التي تواجه صادرات الغاز القطرية والتحديات المرتبطة بالتطورات الإقليمية.
تحديات فنية ومالية
أكدت هايتيان -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة- أن الفكرة الأساسية للمشروع تتمثل اليوم في نقل الغاز عبر العقبة، على غرار الآلية المستعملة لتزويد سوريا، لكنها شددت على أن تنفيذ المشروع على أرض الواقع هو المعيار الحقيقي للحكم على جدواه.
وقالت هايتيان، إن الحكم على نجاح المشروع لن يكون إلّا عند وصول الغاز فعليًا إلى محطة دير عمار وبدء تدفق الكهرباء إلى الأسواق المحلية والمنازل، في ظل التأخيرات المتكررة التي واجهها المشروع على مدار الأعوام الماضية.
وأوضحت أن أسباب التعثُّر تغيّرت بمرور الوقت، إذ كانت في البداية مرتبطة بعوامل سياسية، من بينها العلاقة مع سوريا والعقوبات المفروضة عليها، قبل أن تظهر لاحقًا تحديات فنية ومالية.
وأضافت أن ارتفاع أسعار الغاز عالميًا يمثّل اليوم أحد أبرز التحديات أمام المشروع، مشيرةً إلى أن استيراد الغاز لن يكون منخفض التكلفة، خصوصًا مع ضرورة احتساب ثمن الشحنات وتكاليف نقلها وتوصيلها إلى لبنان.

وشددت على أن هناك أسئلة أساسية ما تزال بحاجة إلى إجابات، تتعلق بسعر الغاز الذي سيشتريه لبنان، وآلية سداد قيمته، والجهة التي ستتحمل التكلفة، وما إذا كان الغاز سيُقدَّم في صورة دعم أو هبة من إحدى الجهات.
وتابعت أن تمويل المشروع يمثّل بدوره عاملًا حاسمًا، سواء من خلال دعم محتمل من البنك الدولي أو عبر تحمُّل الدولة اللبنانية أو مؤسسة كهرباء لبنان تكلفة شراء الغاز.
وختمت هايتيان بتأكيد أن تفاصيل العقود والأسعار وآليات التمويل والدفع ستكون ضرورية لتقييم الجدوى الفعلية للمشروع، مشيرةً إلى أن الصورة ستتّضح مع اكتمال الترتيبات الخاصة بتوريد الغاز إلى لبنان.
موضوعات متعلقة..
- لبنان يحسم كيفية استيراد الغاز
- كيف تأثر النفط والغاز في لبنان بتطورات شرق المتوسط؟.. مسؤولة إقليمية تجيب
- تأهيل شبكات الغاز في لبنان بخبرات مصرية
اقرأ أيضًا..
- واردات تركيا من الغاز الإيراني في النصف الأول 2026 تقفز 56%
- ما أسباب أزمة الديزل العالمية.. وعلاقة 3 مصافٍ عربية؟ أنس الحجي يجيب
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





