دول جنوب آسيا المستوردة للوقود تواجه صدمات عالمية.. 3 سياسات قد تجنبها الأسوأ
وحدة أبحاث الطاقة - رجب عز الدين

- باكستان وبنغلاديش وسريلانكا الأكثر تضررًا في جنوب شرق آسيا
- الدول الثلاث تعتمد على استيراد الوقود، ولا تمتلك احتياطيات نفطية تُذكَر
- الطاقة المتجددة خفضت واردات باكستان بنحو 12 مليار دولار منذ 2020
- كهربة قطاع النقل قد تخفض واردات الوقود في الدول الثلاث
- تحويل أنظمة الري من الديزل إلى الطاقة الشمسية أحد الحلول
واجهت دول جنوب آسيا المستوردة للوقود سلسلة من أزمات الطاقة العالمية المتلاحقة منذ الحرب الأوكرانية عام 2022، حتى تداعيات الحرب الإيرانية المستمرة في الشرق الأوسط.
ورغم أن كل دول جنوب آسيا تضررت من هذه الأزمات بدرجات متفاوتة، فإن بنغلاديش وباكستان وسريلانكا كانت الأشد تأثرًا، وتحملت تكاليف باهظة.
وتعاني الدول الـ3 من انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في المنازل، وازدحام طوابير الحصول على الوقود منذ صدمة الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، خاصةً مع عدم امتلاكها أيّ احتياطيات نفطية محلية تُذكَر، فضلًا عن ضعف تأثيرها في أسعار السلع العالمية.
ويقترح تقرير حديث -اطّلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة- 3 سياسات رئيسة في قطاعات الكهرباء والنقل والزراعة لتجنيب دول جنوب آسيا المستوردة للوقود أيّ صدمات طاقة عالمية مقبلة.
وتركّز السياسة الأولى على تسريع نشر مصادر الطاقة المتجددة لزيادة حصتها في مزيج توليد الكهرباء، وتستهدف الثانية توسيع مبادرات كهربة قطاع النقل، في حين تركّز الأخيرة على تحويل أنظمة الري القائمة على الديزل إلى الطاقة الشمسية.
أوضاع دول جنوب آسيا المستوردة للوقود
رغم أن أزمة الحرب الإيرانية كانت كاشفة لمأزق دول جنوب آسيا المستوردة للوقود، فإنها لم تكن الأولى، بل سبقتها أزمات عام 2008، والحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
ومع ذلك، فإن ما يميز الأزمة الأخيرة هو وجود بدائل متاحة وبأسعار معقولة، لكن المخاوف ما زالت متكررة من استعمال البدائل في إطار ردّ الفعل المؤقت، وليس الخطط الإستراتيجية الاستباقية لأيّ اضطراب عالمي جديد.
ويكمن الضعف الأساسي في دول جنوب آسيا المستوردة للوقود بتصميم أسواق الكهرباء فيها على تحميل المستهلكين أيّ ارتفاعات في أسعار الطاقة العالمية، بغضّ النظر عن كمية الطاقة المتجددة المولدة للكهرباء على نطاق الشبكة.
ففي بنغلاديش، شكّل الغاز 42% من القدرة المركبة، وغطّت البلاد 65% من احتياجات الكهرباء عبر الاستيراد خلال السنة المالية 2024-2025، كما تعتمد سريلانكا بصورة كبيرة في توليد الكهرباء على النفط والفحم المستوردين
أمّا في باكستان، فقد ظلت محطات التوليد العاملة بزيت الوقود والفحم المستورد معطّلة في معظمها خلال السنة المالية 2024-2025، مع تراوح معدلات تشغيلها بين 2% و23% على التوالي.
وبينما عملت محطات التوليد بالغاز المسال المعاد تغويزه بعد الاستيراد بمعدل 41%، فقد ظلت محطات التوليد مستمرة في الحصول على مستحقات ثابتة من الحكومة، بغضّ النظر عن نوع الوقود المستعمل.

ويرجع ذلك إلى التعاقدات المُبرمة مع محطات الكهرباء في باكستان، التي تُلزم الحكومة بدفع مبالغ ثابتة تسمى مدفوعات القدرة الاستيعابية، وهي مبالغ تدفع للمحطات لمجرد كونها مستعدة للتوليد، بغضّ النظر عمّا تنتجه.
وأدى ذلك إلى زيادة مدفوعات القدرة الاستيعابية السنوية إلى 1.8 تريليون روبية باكستانية (6.58 مليار دولار)، وهو ما يمثّل قرابة 61% من إجمالي تكاليف شراء الكهرباء، بحسب التقرير المنشور في موقع ديالوغ إيرث المتخصص (Dialogue Earth).
*(الدولار الأميركي يساوي 278 روبية باكستانية)
الطاقة المتجددة في دول جنوب آسيا
يُعوّل على الطاقة المتجددة في دول جنوب آسيا المستوردة للوقود لخفض الاعتماد على النفط والفحم والغاز في توليد الكهرباء.
ويُنظَر إلى التوسع في نشر الطاقة الشمسية على الأسطح في باكستان بوصفها مثالًا بارزًا على الفوائد المحتملة، حيث تشير دراسة حديثة إلى أن إسلام آباد نجحت في إضافة أكثر من 38 غيغاواط من مشروعات الطاقة الموزعة حتى العام المالي 2024-2025.
وأسهمت هذه القدرة في خفض واردات الوقود بنحو 12 مليار دولار منذ عام 2020، بحسب الدراسة التي أعدّها مركز أبحاث رينيوابلز فرست (Renewables First).
على الجانب الآخر، أحرزت سريلانكا تقدمًا ملحوظًا في نشر الطاقة المتجددة التي نجحت في توليد 72% من احتياجات البلاد في يونيو/حزيران 2025، بقيادة الطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية على أسطح المنازل وطاقة الرياح.
كما تشير خطة معلنة في سريلانكا منذ عام 2024 إلى أنها تستهدف إضافة 5.8 غيغاواط إلى قطاع الكهرباء عبر مشروعات الطاقة المتجددة بحلول عام 2030.
أمّا بنغلاديش، فتبدو متأخرة عن الركب، إذ لم تتجاوز نسبة الطاقة المتجددة فيها 3.6% من إجمالي القدرة المركبة في قطاع الكهرباء حتى عام 2025.
ورغم ذلك، فإن إمكانات قطاع الطاقة الشمسية في البلاد يمكنها توليد ما يصل إلى 156 غيغاواط على نطاق المرافق، فضلًا عن إمكانات طاقة الرياح البالغة 150 غيغاواط.
وتستهدف سياسة الطاقة المتجددة المعلنة في بنغلاديش عام 2025، زيادة حصتها في مزيج توليد الكهرباء إلى 20% بحلول عام 2030، لكن هذا الهدف يتطلب معدلات نشر غير مسبوقة خلال السنوات المقبلة.
وبصفة عامة، يحتاج توسيع نطاق الطاقة الشمسية والرياح في دول جنوب آسيا المستوردة للوقود إلى تسريع إجراءات التراخيص، وإجراء مزادات تنافسية، وإبرام عقود شراء طويلة الأجل للكهرباء المتجددة، تضمن للمستثمرين استقرار الإيرادات، وخفض التكاليف الرأسمالية الأولية.
كما يتطلب ذلك خفض -أو إلغاء- جميع الضرائب والرسوم الجمركية المفروضة على تقنيات الطاقة الشمسية والرياح وبطاريات التخزين لتسريع نشرها في القطاعات السكنية والتجارية والمرافق.
خفض الطلب على النفط في جنوب آسيا
تحتاج دول جنوب آسيا المستوردة للوقود -وفي مقدمتها باكستان وبنغلاديش وسريلانكا- إلى خفض الطلب على النفط، خاصةً في قطاع النقل.
وتهيمن الدراجات النارية والدراجات ثلاثية العجلات على 84% من أسطول النقل الوطني في باكستان، في حين تصل حصتها في بنغلاديش وسريلانكا إلى 78%، و72% على التوالي.
ومن المتوقع أن يؤدي تسريع تحويل هذا القطاع للكهرباء إلى خفض تكاليف الوقود المستورد في هذه البلدان بصورة كبيرة، خاصةً أن الدراجات الكهربائية بأنواعها تتمتع بميزة تنافسية من حيث التكلفة، مع انخفاض تكاليف البطاريات بأكثر من 90% منذ عام 2010.
ويتوقع مركز أبحاث الطاقة النظيفة "إمبر" أن يؤدي تحويل قطاع النقل البري إلى المركبات الكهربائية بالكامل إلى خفض فواتير الوقود للدول المستوردة للنفط بأكثر من 600 مليار دولار سنويًا.
ولا يمثّل كهربة قطاع النقل خفضًا للتكاليف في دول جنوب آسيا المستوردة للوقود فحسب، بل إن منافعه تمتد إلى حمايتها من التعرض لتداعيات صدمات الطاقة الخارجية.
ويتطلب هذا المسار مجموعة من الإجراءات المحفّزة، أبرزها خفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية المستوردة، وتخصيص الضرائب والرسوم المفروضة على البنزين والوقود الأحفوري لتمويل مشروعات البنية التحتية للشحن، ودعم مبادرات تحويل أساطيل النقل إلى الكهرباء.
كما يتطلب سياسات مشددة تُلزم الحكومة بتحويل أساطيلها من النقل إلى الكهرباء لخلق طلب مبكر وواضح على المركبات الكهربائية، إضافة إلى فرض جداول زمنية لحظر مبيعات السيارات التقليدية على غرار الاتحاد الأوروبي، وإثيوبيا التي فرضت حظرًا على استيراد هذه السيارات في عام 2024، بحسب التقرير.
وعلى المدى البعيد، يجب على الحكومات السعي لتوطين صناعة السيارات الكهربائية ومكوناتها لضمان توفير فرص عمل محلية وتوفير العملات الأجنبية، وإلّا فإن هذا المسار قد يوقع الدول في فخ الانتقال من استيراد الوقود الأحفوري إلى الاستيراد مرة أخرى بصورة مختلفة.
تحول الطاقة في قطاع الزراعة
يسهم قطاع الزراعة بنسبة 24% من الناتج المحلي الإجمالي لباكستان، و11.2% من الناتج المحلي لبنغلاديش، و7.5% من ناتج سريلانكا.
ويعاني فقراء الريف في البلدان الـ3 المعتمدة على الزراعة، من هوامش الربح الضئيلة لنشاط الزراعة، وضعف فرص الحصول على القروض الميسرة، فضلًا عن تأثّرهم الأكبر بتقلبات أسعار الديزل والأسمدة.
ويمكن لتحويل أنظمة الري في هذه البلدان باتجاه الاعتماد على الطاقة الشمسية أن يسهم في تحسين اقتصاديات الزراعة، ويخفض واردات الديزل بصورة كبيرة.
ففي باكستان -على سبيل المثال- يعتمد قرابة 60% من المزارعين على المياه الجوفية التي تستخرج بوساطة مضخات تعمل بالديزل في الغالب أو متصلة بشبكة الكهرباء.

وأعلنت الحكومة في عام 2025 برنامجًا لتشجيع التحول من مضخات الديزل إلى المضخات العاملة بالطاقة الشمسية، عبر تقديم دعم يصل إلى مليون روبية باكستانية لكل نظام متحول.
واستقطبت هذه المبادرة أكثر من 530 ألف مزارع من المتقدمين في ولاية "البنجاب" الأكبر في البلاد، بحسب ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
وتعمل بنغلاديش على برامج مماثلة لدعم التحول إلى مضخات الري العاملة بالطاقة الشمسية، حيث تمثّل تكاليف الري 43% من إجمالي تكاليف المدخلات الزراعية.
على العكس من ذلك، لا تمتلك سريلانكا أيّ برنامج للتخلص من مضخات الري العاملة بالديزل، وإن كانت بعض المناطق قد تبنّت هذا التحول على نطاق جزئي.
موضوعات متعلقة..
- أزمة هرمز تكشف هشاشة قطاع الطاقة في جنوب شرق آسيا.. ما الحلول المتاحة؟
- أزمة الطاقة في بنغلاديش تربك الاقتصاد.. و10 توصيات لإنقاذ القطاع
- الطاقة الشمسية الموزعة في باكستان تقود طفرة الكهربة وتقلص واردات الوقود
اقرأ أيضًا..
- صادرات قطر من الغاز المسال تهبط 60%.. والحرب تعصف بالربع الثاني
- واردات مصر من الغاز المسال ترتفع 160% في 6 أشهر
- الطلب على الغاز المسال في آسيا قد ينخفض 11 مليون طن (تقرير)
المصدر:
تحديات دول جنوب آسيا المستوردة للوقود، من منصة ديالوغ إيرث





