صادرات النفط الروسية.. كيف انتعشت بسبب صدمة إغلاق مضيق هرمز؟ (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- سوق النفط العالمية شهدت إعادة تسعير جذرية منذ اندلاع حرب إيران.
- الأصل الهيكلي لصدمة أسعار النفط هو الذي يحدد آثارها الاقتصادية الكلية اللاحقة.
- لا تزال الهند حتى مايو/أيار 2026 أكبر مستورد منفرد للنفط الروسي.
- إمدادات النفط من روسيا إلى الهند ستستمر بغض النظر عن قرارات العقوبات الأميركية.
انتعشت صادرات النفط الروسية بسبب صدمة إغلاق مضيق هرمز، وشهدت سوق النفط العالمية إعادة تسعير جذرية منذ اندلاع الأعمال العدائية العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أواخر فبراير/شباط 2026.
ووفقًا لبيانات البنك الدولي، ارتفع متوسط السعر العالمي المرجعي -المحسوب على أساس خام برنت وخام دبي وخام غرب تكساس الوسيط- من 68 دولارًا للبرميل في فبراير/شباط 2026 إلى 103.9 دولارًا في أبريل/نيسان الماضي.
أما بالنسبة لخام الأورال الروسي، فقد كان الارتفاع أكثر وضوحًا؛ إذ ارتفع متوسط السعر من 44.59 دولارًا إلى 94.87 دولارًا للبرميل خلال المدة نفسها.
الأهم من ذلك، أن هذا التحرك السعري لم يعكس نقصًا فعليًا فوريًا في النفط، بل إنه شكّل ما يصنفه خبراء اقتصادات الطاقة على أنه صدمة استباقية في الطلب، أي إعادة تقييم شاملة لاحتمالية وشدة اضطرابات الإمداد المستقبلية الناجمة عن تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الخليج العربي.
تداعيات إغلاق مضيق هرمز
أدى إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي كان يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا قبل الحرب، إلى تغيير جذري في حسابات المخاطر لجميع المشاركين بالسوق، بدءًا من الدول المستوردة وصولًا إلى مصافي التكرير التجارية.
وقد دفعت الأزمة المالية عام 2008 سعر خام برنت من 132.7 دولارًا إلى 40 دولارًا في غضون 5 أشهر نتيجة انهيار الطلب الكلي.
وأدى اضطراب العرض والطلب بسبب جائحة كورونا "كوفيد-19" إلى انخفاض الأسعار إلى 18.4 دولارًا في أبريل/نيسان 2020.
وهذا يُظهر أن الأصل الهيكلي لصدمة أسعار النفط هو الذي يحدد آثارها الاقتصادية الكلية اللاحقة.
في هذه الإطار، يحمل الطابع الاستباقي للصدمة آثارًا محددة على مسارات سعر الصرف، وانتقال التضخم، والاستدامة المالية في الاقتصادات المصدرة للموارد، ولا يوجد ما هو أكثر أهمية من روسيا.

صادرات النفط الروسية إلى الهند
لا تزال الهند، حتى مايو/أيار 2026، أكبر مستورد منفرد للنفط الروسي، وهي علاقة ذات أهمية إستراتيجية ومالية بالغة لموسكو، ورغم ذلك، فإن بنية هذا الاعتماد تتعرض لضغوط واضحة.
في أبريل/نيسان 2026، انخفضت صادرات النفط الروسية إلى الهند بنسبة 29.4% على أساس شهري، لتصل إلى 1.6 مليون برميل يوميًا بعد أن كانت مرتفعة في مارس/آذار الماضي.
وكان جزء من هذا الانخفاض ميكانيكيًا: فقد خضعت مصفاة نايارا إنرجي -وهي منشأة تبلغ قدرتها الإنتاجية 400 ألف برميل يوميًا وتملكها جزئيًا شركة روسنفط الروسية (Rosneft)- لصيانة دورية أدت إلى توقف مؤقت لجزء كبير من قدرة التكرير في النظام الهندي.
ويتوقع المحللون أن تنتعش صادرات النفط الروسية إلى الهند لتبلغ نحو 1.9 مليون برميل يوميًا في مايو/أيار 2026 مع عودة المصفاة إلى العمل.
وأفادت وكالة رويترز، نقلًا عن بيانات من تجار وشركة كبلر للتحليلات، بأن مصافي التكرير الهندية تُكثّف مشترياتها من النفط من فنزويلا والبرازيل وأنغولا ونيجيريا منذ اندلاع حرب إيران في فبراير/شباط الماضي.
ويُعد هذا التنوّع نتيجة مباشرة لانقطاع إمدادات النفط من الشرق الأوسط بسبب إغلاق مضيق هرمز، ما أجبر المشترين الهنود على البحث عن مصادر بديلة.

تجدر الإشارة إلى أن شحنات نفط الإمارات العربية المتحدة إلى الهند تضاعفت 3 مرات تقريبًا في أبريل/نيسان الماضي، لتصل إلى 669 ألفًا و700 برميل يوميًا مقارنةً بـ230 ألفًا و600 برميل في مارس/آذار الماضي، حيث حوّلت أبوظبي شحناتها عبر معبر الفجيرة.
ويُعدّ التوتر السياسي بالغ الأهمية، إذ يُحذّر الخبراء من أنه في حال رفضت الولايات المتحدة تمديد الإعفاء الحالي الذي يسمح للهند بشراء النفط الروسي في ظل نظام العقوبات، فقد تُضطر نيودلهي إلى تقليص وارداتها من النفط الروسي بشكل كبير أو التخلي عنها تمامًا.
وصرحت المتحدثة باسم وزارة البترول الهندية سوجاتا شارما، علنًا بأن إمدادات النفط من روسيا إلى الهند ستستمر بغض النظر عن قرارات العقوبات الأميركية، إلا أن هذا التأكيد قد يصعب تطبيقه عمليًا إذا اختارت واشنطن فرض عقوبات ثانوية بقوة.
بالنسبة لروسيا، فإن الأمر مصيري، فقد كان دور الهند بوصفها مستوردًا لخام الأورال الخاضع للعقوبات -الذي يُشترى بخصومات كبيرة مقارنة بالأسعار العالمية- هو الآلية الرئيسة التي تدعم إيرادات النفط الروسية منذ عام 2022.
لذا، فإن أي انخفاض دائم في الطلب الهندي سيؤثر سلبًا في الحيز المالي لموسكو خلال وقت تستمر فيه النفقات الدفاعية في مزاحمة الاستثمارات الإنتاجية.
مغامرة غازبروم الشرقية: حقول تشونسكايا
في ظل مخاطر تركز العملاء، اتجهت شركة غازبروم الروسية (Gazprom) نحو توسيع نطاق إنتاجها النفطي شرقًا.
في أواخر مايو/أيار 2026، بدأت الشركة الإنتاج التجاري الكامل للنفط في مجموعة حقول تشونسكايا بمنطقة كاتانغا في إقليم إيركوتسك، على الحدود مع ياقوتيا.
وتضم المجموعة -التي تشمل مناطق امتياز إغنيالينسكي، وتيمبوتشيكانسكي، وفاكونايسكي- احتياطيات نفطية إجمالية تبلغ 1.3 مليار طن، وفقًا لبيانات شركة غازبروم نفط (Gazprom Neft).
ويتميز المشروع بطموحه وتعقيده التقني. تقع مكامن نفط تشونسكايا ضمن تكوينات جيولوجية تتميز بانخفاض درجة حرارة الخزان، وقلة الطبقات المنتجة، وارتفاع الملوحة، وهي ظروف كانت تجعل التطوير التجاري غير مجدٍ اقتصاديًا في السابق.
واستعملت شركة غازبروم نفط تقنيات النمذجة الجيولوجية والهيدروديناميكية الرقمية، والحفر الأفقي عالي التقنية، والتكسير المائي الهيدروليكي متعدد المراحل، ولأول مرة في العمليات البرية الروسية، منصة حفر آلية أسهمت في تسريع العملية بنحو الثلث.
وتمت مراقبة عمليات الحفر باستمرار من مركز القيادة الرقمي التابع لشركة غازبروم نفط في تيومين.
وأنشئ مجمع الإنتاج، الذي يضم أكثر من 150 منشأة بنية تحتية، بما في ذلك وحدة معالجة النفط، وخط أنابيب مخصص، ونقطة تسليم واستلام، ومحطتي توليد كهرباء في الموقع، في غضون عامين فقط، وهو ما وصفته غازبروم بأنه إنجاز غير مسبوق بقطاع النفط الروسي.

ويُنقل النفط الخام المعالج إلى خط الأنابيب الرئيس شرق سيبيريا - المحيط الهادئ إسبو (ESPO)، الذي يُتوقع أن تصل قدرته الإنتاجية السنوية إلى مليوني طن عند التشغيل بكامل طاقته.
ويُعد المنطق الإستراتيجي للمشروع واضحًا، وحسبما صرّح رئيس مجلس إدارة غازبروم، أليكسي ميلر، خلال حفل التدشين، فإن مشروع تشونسكايا يعزز مكانة روسيا في أسواق آسيا والمحيط الهادئ، ويسهم في تحقيق سيادة البلاد في مجال الطاقة.
من جانبه، وصف الرئيس التنفيذي لشركة غازبروم نفط ألكسندر ديوكوف، المشروع بأنه نواة مركز جديد لإنتاج النفط ذي أهمية إستراتيجية، من شأنه زيادة إمدادات الهيدروكربونات إلى الأسواق الآسيوية المتنامية.
يُعد خط أنابيب إسبو، الذي ينتهي عند خليج كوزمينو والمُوجّه نحو المشترين الصينيين واليابانيين والكوريين، العمود الفقري للبنية التحتية لهذا التوجه شرقًا.
وأكّد حاكم منطقة إيركوتسك، إيغور كوبزيف، الفوائد المالية والوظيفية للمشروع، التي تشمل زيادة الإيرادات الضريبية، وتحفيز الصناعات التحويلية، وخلق فرص عمل جديدة في منطقة نائية كثيرًا ما اعتمدت على الصناعات الاستخراجية.
وحضر حفل التدشين الرسمي نخبة من الشخصيات البارزة في قطاع الطاقة الروسي، من بينهم نائب رئيس لجنة إدارة غازبروم، فيتالي ماركيلوف، ونائب رئيس شركة ترانسنفط (Transneft) سيرغي أندرونوف، ما يُشير إلى مركزية المشروع في إستراتيجية الدولة للطاقة.
ارتفاع أسعار النفط
قد يبدو الارتفاع المتزامن في أسعار النفط وتوسع القدرة الإنتاجية في الشرق، للوهلة الأولى، أمرًا إيجابيًا لا لبس فيه للاقتصاد الروسي، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا.
وحسبما يُوضح تحليل فوربس روسيا، يُمكن لارتفاع أسعار النفط وزيادة إيرادات صادرات النفط الروسية أن يدعما النشاط الاقتصادي على المدى القصير حتى مع تدهور الظروف المحلية اللازمة للنمو المستدام تدريجيًا.
وتُعدّ آلية انتقال التأثير الاقتصادي الكلي مُفيدة، فصدمة الطلب الاستباقية -على عكس اضطراب العرض التقليدي- قد تُضعف الروبل في البداية بدلًا من تقويته، حيث يدفع تزايد حالة الغموض رؤوس الأموال نحو الأصول الأكثر أمانًا ويُمارس ضغطًا على العملة الوطنية لخفض قيمتها.
فقط مع تراكم إيرادات صادرات النفط الروسية وتحسن الميزان التجاري، يبدأ الروبل بالتعافي والارتفاع - وهو تسلسل يتوافق إلى حد كبير مع حركة سعر الصرف الملحوظة منذ مارس/آذار 2026.
في المقابل، فإن قناة انتقال التأثير النموذجية مُشوّهة بشكل كبير في بيئة العمل الحالية في روسيا.
وتُسهم ضوابط رأس المال المُشددة، والحواجز المالية المرتبطة بالعقوبات، والقوانين المالية العامة، في الحد من انتشار الصدمة الاقتصادية بطرق يصعب تحديد نمذجتها بدقة.
وقد تكون آلية انخفاض قيمة العملة على المدى القصير، والناجمة عن هروب رؤوس الأموال، محدودةً بشكل كبير، أو قد تظهر عبر قنوات غير تقليدية، مثل فروق أسعار الصرف الموازية وتدفقات رأس المال غير الرسمية.
الأهم من ذلك، أن الاقتصاد الروسي يُعاني من مشكلة في تخصيص الموارد لا يُمكن لأي دورة لأسعار النفط حلها، إذ تُوَجَّه حصة متزايدة من الموارد الوطنية نحو الإنتاج الدفاعي، والتكيف مع العقوبات، وبناء سلاسل إمداد بديلة.
وتُسجل هذه الأنشطة في الناتج المحلي الإجمالي على المدى القريب، ولكنها بطبيعتها أقل مُلاءمةً لنمو الإنتاجية، أو التراكم التكنولوجي، أو توسيع القدرة الإنتاجية المستقبلية.
وتشير البيانات الرسمية إلى انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي في قطاعات مُعينة، بما في ذلك الصناعات المُرتبطة بالدفاع، حتى مع استمرار ارتفاع التضخم.
لذا، ينبغي التعامل مع تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي الإجمالية التي تتراوح بين 2 و3%، التي ذكرها بعض المُحللين، على أنها مُعايير توضيحية وليست تنبؤات موثوقة.
وتعكس هذه العوامل الحماية الخارجية المؤقتة التي توفرها أسعار النفط المرتفعة، وليست تحسنًا حقيقيًا بأساسيات النمو في روسيا.
وستستمر التحديات الهيكلية -كجمود سوق العمل، وتدهور رأس المال، وقيود الوصول إلى التكنولوجيا، وتأثير تخصيص الموارد في زمن الحرب على الإنتاجية على المدى الطويل؛ بل ربما تتفاقم، بمجرد أن تهدأ دورة السلع الحالية.

التداعيات على الأسواق العالمية
بالنسبة للمستثمرين الدوليين، وتجار الطاقة، وصناع السياسات، يُمثل وضع الوقود الأحفوري الروسي في منتصف عام 2026 مجموعة من المخاطر المترابطة.
فالتنويع التدريجي للهند لمصادرها بعيدًا عن النفط الروسي -الذي تسارع بفعل أزمة مضيق هرمز وتأثر بمسألة رفع العقوبات- يُهدد بتآكل قاعدة المشترين الذين يحصلون على خصومات، الذين حافظوا على إيرادات صادرات النفط الروسية منذ فرض نظام سقف الأسعار.
ومن المتوقع أن يستحوذ منتجو أميركا اللاتينية وغرب أفريقيا على حصة سوقية قد تبقى ثابتة حتى بعد انحسار الاضطرابات المرتبطة بأزمة مضيق هرمز.
ويُفهم مشروع تشونسكايا التابع لشركة غازبروم، رغم نجاحه التقني، على أنه رهان على استمرارية التوجه شرقًا في مجال الطاقة، ورهان على أن المشترين الصينيين والآسيويين سيستوعبون بشكل موثوق الكميات الإضافية من النفط الروسي بأسعار كافية لتبرير الإنفاق الرأسمالي.
ونظرًا إلى هشاشة العلاقات الصينية الروسية جيوسياسيًا، ومصلحة بكين الإستراتيجية في تنويع مصادر الطاقة، فإن هذا الرهان ينطوي على مخاطر كبيرة.
السؤال الأعمق هو ما إذا كانت ثروة روسيا النفطية الحالية تشكل جسرًا نحو الإصلاح الهيكلي أم مجرد مسكن يؤخره.
ويشير التاريخ إلى الاحتمال الثاني، فحسبما لاحظ المحللون منذ زمن، فإن الثروة من الموارد ليست نعمة مطلقة ولا نقمة مطلقة، بل هي هبة مختلطة يعتمد أثرها الاقتصادي النهائي على الخيارات المؤسسية والسياسية المتخذة خلال أوقات الوفرة.
وفي ظل التكوين المؤسسي الحالي لروسيا -الذي يتسم بأولويات مالية في زمن الحرب، وأسواق رأسمال مقيدة، وتراجع التكامل مع النظام المالي العالمي- تبقى احتمالات تحويل طفرة نفطية أخرى إلى نمو مستدام، في أحسن الأحوال، غير مؤكدة.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- صادرات النفط الروسية في مرمى رسوم ترمب الجمركية.. تبعات اقتصادية وجيوسياسية (مقال)
- العقوبات على صادرات النفط الروسية تؤثر في أسواق الطاقة العالمية.. أبرز التداعيات (مقال)
- إيرادات صادرات النفط الروسية تواصل هبوطها.. آسيا طوق نجاة
اقرأ أيضًا..
- تغطية خاصة لقطاع الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن طاقة الرياح في الدول العربية





