المقالاترئيسيةكهرباءمقالات الكهرباء

قيظ العراق.. صيف ملتهب وكهرباء بلا وقود (مقال)

مقال - عاصم جهاد

قيظ العراق.. كهرباء بلا وقود، عنوان لا يصف أزمة موسمية عابرة، بل يلخّص مأزقًا مركبًا يتكرر كلّما ارتفعت درجات الحرارة وكشف هشاشة منظومة الطاقة.

فالدولة، التي تحتاج في ذروة الصيف إلى أكثر من 60 ألف ميغاواط، تجد نفسها أمام منظومة مثقلة بعجز الإنتاج، وتراجع إمدادات الغاز، وتعثُّر المشروعات البديلة، من الربط الكهربائي إلى منصة استقبال الغاز المسال.

ومع اشتداد القيظ، لا تبدو المشكلة مجرد نقص كهرباء، بل أزمة وقود، وبنى تحتية، وإدارة، وتأخُّر إستراتيجي جعل أيّ اضطراب إقليمي يتحول سريعًا إلى اختبار قاسٍ للمواطن والمنظومة معًا.

وزارة الكهرباء في العراق تحدثت مرارًا عن أن الحاجة الفعلية خلال الصيف تتجاوز 60 ألف ميغاواط، في حين كان الإنتاج الوطني قبل الأزمة الأخيرة يدور بحدود 26–27 ألف ميغاواط في أفضل الظروف التشغيلية.

والآن، إنتاج الكهرباء في العراق أقل من 18 ألف ميغاواط، أي إن العجز الهيكلي قائم أصلًا حتى قبل أيّ طارئ.

الربط الكهربائي الخليجي

تأجيل مشروع الربط الكهربائي الخليجي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، لأن العراق يدخل ذروة الصيف وهو يواجه فجوة مزمنة بين الإنتاج والطلب.

لذا يُنظر إلى مشروع الربط الكهربائي الخليجي بوصفه أحد الحلول المساندة. صحيح أنه لم يكن حلًا جذريًا، لكنه يمثّل مصدر دعم إضافيًا لتغطية جزء من الحاجة المحلية.

الاتفاق الخاص بالمرحلة الأولى يقضي بتجهيز العراق بنحو 500 ميغاواط عبر الربط مع شبكة مجلس التعاون الخليجي من خلال الكويت إلى محافظة البصرة، مع خطط لاحقة للتوسع إلى 1800 ميغاواط في مراحل متقدمة.

لكن مع تأجيل الربط الكهربائي يحرم العراق من طاقة إضافية كانت يمكن أن تزوّد محافظة البصرة بجزء من احتياجاتها، التي تشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة خلال أشهر الصيف تتجاوز 50 درجة.

الربط الكهربائي بين العراق ودول الخليج

المنصة العائمة لاستقبال الغاز المسال

المشكلة لا تتوقف عند الربط الكهربائي فقط، بل تمتد إلى تأخُّر مشروع المنصة العائمة لاستقبال الغاز المسال (FSRU)، الذي كانت الحكومة تعوّل عليه لتعزيز إمدادات الوقود لمحطات الكهرباء عبر استيراد الغاز المسال بدل الاعتماد المفرط على الغاز الإيراني.

كان يُفترض أن تمنح هذه المنصة قدرة على استقبال ما يقارب 600 مليون قدم مكعبة قياسية يوميًا من الغاز المستورد (نحو 17 مليون متر مكعب يوميًا تقريبًا)، وهي كميات مهمة كان يمكن أن تسهم في تشغيل عدد من المحطات وتخفيف جزء من الأزمة.

تعطُّل -أو تأخير- نصب هذه المنصة بسبب تداعيات الحرب الإقليمية، والمخاطر الأمنية واللوجستية المرتبطة بحركة الشركات والمعدّات البحرية، يعني تأجيل مصدر وقود بديل كان يمكن أن يخفف جزءًا من الأزمة.

ويعتمد العراق بصورة كبيرة على الغاز الإيراني لتشغيل عدد كبير من محطات الكهرباء الغازية والدورات المركبة.

الكميات المستوردة كانت تتراوح -بحسب التصريحات الرسمية- بين 40 و50 مليون متر مكعب يوميًا تقريبًا في الظروف الطبيعية، إلى جانب استيراد كهرباء مباشرة من إيران تراوحت بين 500 و1200 ميغاواط بحسب ظروف التجهيز.

وزارة الكهرباء أعلنت أكثر من مرة أن أيّ انخفاض في إمدادات الغاز يؤدي إلى فقدان آلاف الميغاواط من الشبكة. وفي بعض الأوقات، تحدثت الوزارة عن خسارة ما يصل إلى 8000 ميغاواط بسبب تراجع إمدادات الغاز.

في المقابل، الإنتاج الوطني من الغاز ما زال غير قادر على سدّ الفجوة بالكامل، رغم المشروعات الجارية لاستثمار الغاز المصاحب، الذي تراجع إنتاجه بسبب ظروف الحرب من 1500 مليون قدم مكعبة يوميًا، إلى أقل من 700 مليونًا.

الكهرباء في العراق

كما أن تشغيل محطات توليد الكهرباء في العراق بالوقود البديل (النفط الأسود أو الخام أو الكاز) ممكن، لكنه أقل كفاءة وأكثر كلفة تشغيلية وصيانة.

مع هذا لم تستثمر وزارة الكهرباء كميات الوقود البديل لإدامة الإنتاج الى مستويات مقبولة، حيث تجهز وزارة النفط وزارة الكهرباء بكمية 180 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، و125 ألف برميل من النفط الأسود "زيت الوقود"، و5000 متر مكعب من الكاز.

يأتي ذلك بالتزامن مع توفير الغاز بمعدل 700 مليون قدم مكعبة يوميًا، مع ملاحظة أن هذه الكميات قابلة للزيادة والنقصان بحسب الحاجة وظروف الإنتاج والتجهيز.

محطة كهرباء الديوانية الغازية في العراق
محطة كهرباء الديوانية الغازية في العراق - الصورة من إعلام وزارة الكهرباء

إن الحرب الأخيرة في المنطقة أثبتت أن مشروعات الطاقة لم تعد مجرد ملفات فنية، بل أصبحت رهينة المشهد الأمني والجيوسياسي.

وتأخُّر الربط الكهربائي، وتعثُّر مشروع منصة الغاز البحرية، وارتباك سلاسل الإمداد، كلّها أمثلة على التأثير المباشر للتوترات الإقليمية.

لكن من المهم الإشارة إلى أن العامل الخارجي ليس وحده المسؤول، فالأزمة الحالية تكشف أيضًا تأخرًا داخليًا في تنفيذ المشروعات الإستراتيجية الخاصة باستثمار الغاز الوطني وتوسعة البنى التحتية للطاقة.

بمعنى أدقّ، الحرب عمّقت الأزمة وكشفت هشاشة المنظومة، لكنها لم تكن السبب الوحيد.

فالسبب الحقيقي هو أن العراق ورغم التخصيصات المالية الكبيرة لمشروعات الطاقة، ظل يعتمد لسنوات على حلول مؤقتة بدل بناء منظومة طاقة مرنة ومتنوعة وقادرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

أزمة هيكلية متراكمة

إن أزمة الكهرباء في العراق ليست أزمة إنتاج آنية فقط، بل أزمة هيكلية متراكمة، زادتها الحرب الإقليمية الأخيرة تعقيدًا.

فالعراق يحتاج فعليًا خلال ذروة الصيف إلى أكثر من 55 ألف ميغاواط، في حين قدّرت بعض المؤشرات الرسمية الحاجة الفعلية بما يقترب من 60 ألف ميغاواط مع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة والتوسع السكني والعمراني.

في الوقت نفسه، كان الإنتاج الوطني قبل الأزمة الأخيرة يدور بحدود 26–27 ألف ميغاواط، ثم تراجع مع اضطراب إمدادات الوقود والغاز.

غير أن الأزمة الكهربائية في العراق لا ترتبط بالوقود وحده، فهناك مشكلات هيكلية مزمنة، تشمل:

  • تقادم البنية التحتية لشبكات النقل والتوزيع.
  • المُهدَرات الفنية والتجارية الكبيرة التي تستنزف نسبًا مرتفعة من الطاقة المنتجة.
  • التجاوزات على الشبكة الوطنية، سواء عبر الربط غير القانوني أو الأحمال غير المحسوبة.
  • التوسع العشوائي في المناطق السكنية دون تخطيط موازٍ للبنى الكهربائية.
  • اختلال توزيع الأحمال بين المحافظات والضغوط السياسية المرتبطة بحصص التجهيز.
  • تأخُّر مشروعات النقل والتحويل التي تمنع الاستفادة الكاملة حتى من الطاقة المنتجة أحيانًا.

لذلك، فإن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة حرب أو تأخُّر مشروع واحد، بل نتيجة تراكم تحديات هيكلية، جعلت أيّّ اضطراب خارجي -سواء في الغاز الإيراني أو المشروعات الإقليمية- يتحول مباشرة إلى أزمة كهرباء خانقة داخل البلاد.

الكهرباء في العراق

وأخيرًا، إن ما يواجهه العراق اليوم ليس معركة صيف واحد، بل نتيجة سنوات من الاعتماد على الحلول المؤقتة بدل بناء أمن طاقي مستدام.

الحرب ربما أخّرت مشروعًا، وعطّلت منصة، وعرقلت إمدادات، لكنها كشفت أيضًا حجم الهشاشة المتراكمة.

وبين قيظ الطبيعة وحرارة الأزمات، يبقى السؤال الأهم: هل يستمر العراق في إدارة الاختناقات بالمُسكّنات، أم يتحول أخيرًا إلى مسار التخطيط الحقيقي الذي يجعل الكهرباء حقًا مستقرًا، لا معركة موسمية تتكرر كل عام؟

أمّا وزارة الكهرباء، فلم تشفع لها وفرة التبريرات، ولا سيل التصريحات التي ربما تجاوزت في كثافتها ساعات التجهيز نفسها.

فالمواطن لا تُبرّده المؤتمرات الصحفية، ولا تُشغّل بيانات الطمأنة مكيّفًا، ولا تُضيء الوعود مصباحًا.

ففي بلدٍ أُشبِع كلامًا عن الحلول والخطط والإنجازات، بقي السؤال ذاته يتكرر كل صيف: أين الكهرباء؟ لأن المواطن، ببساطة، لا يستهلك التصريحات بل يحتاج إلى طاقة حقيقية، لا طاقة كلامية..!

* عاصم جهاد، الخبير في شؤون الطاقة، المتحدث باسم وزارة النفط العراقية سابقًا

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق