المقالاترئيسيةروسيا وأوكرانياسلايدر الرئيسيةغازمقالات الغازمقالات النفطنفط

الاقتصاد الروسي يتخلص من سطوة النفط.. حلم بوتين يتحقق قسرًا (مقال)

فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • قطاع النفط والغاز الروسي شكّل 13% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي
  • العقوبات قيّدت تدفقات الاستثمار إلى تطوير قطاع التنقيب والإنتاج الروسي
  • النفط سيظل جزءًا بالغ الأهمية من الاقتصاد الروسي لـ10 إلى 15 سنة أخرى
  • دون تغييرات جذرية سينخفض ​​إنتاج النفط في روسيا ببطء ولكن بثبات

لطالما أشار الرئيس فلاديمير بوتين إلى ضرورة تنويع الاقتصاد الروسي والحدّ من الاعتماد على المحروقات، وضمن هذه الرؤية يسعى الكرملين إلى تقليل الاعتماد على قطاع النفط والغاز في البلاد.

وشكّل قطاع النفط والغاز الروسي 13% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي، وهي أدنى نسبة منذ أن بدأت الهيئة نشر هذا الرقم خلال عام 2017.

وظهر هذا الرقم بهدوء في بيانات هيئة الإحصاء الروسية روستات (Rosstat)، دون أن يثير الانتباه وسط ضجيج الحصار البحري للمواني الإيرانية وتقلّبات أسعار النفط.

وخلال عام واحد، انخفضت إسهامات القطاع بـ3 نقاط مئوية، وحتى خلال جائحة كورونا، عندما انهارت أسعار النفط وتراجع الإنتاج، حافظت النسبة على 14%.

الاقتصاد الروسي يقلّل الاعتماد على المحروقات

تحدث الرئيس فلاديمير بوتين كثيرًا عن ضرورة تنويع الاقتصاد الروسي وتقليل الاعتماد على المحروقات.. وهذا التنويع جارٍ الآن.

المفارقة أن هذا التنويع لم يكن نتيجة للسياسة الصناعية للكرملين، وإنما نتيجة للعقوبات الغربية، وقيود إنتاج تحالف أوبك+، وقوة الروبل، والآن الحرب في الشرق الأوسط التي تزيد من قيمة النفط الروسي وتقلّل اعتماد الدولة الروسية عليه هيكليًا.

ويمثّل قطاع الوقود الأحفوري الروسي في عام 2026 قصة مفارقة تخضع لجميع مستويات التحليل.

وانخفضت حصة قطاع النفط والغاز الروسي في الاقتصاد المحلي على مدار العام الماضي، من 15.5% في الربع الأول إلى 11.6% في الربع الرابع.

وعلى مدى السنوات الـ9 التي نشرت فيها هيئة الإحصاء الروسية البيانات، بلغت حصة القطاع من الناتج المحلي الإجمالي ذروتها عند 20.7% في عام 2018، و20% في عام 2022، وهما مدتان شهدتا ارتفاعًا في الأسعار العالمية.

منذ ذلك الحين، كان المسار هبوطيًا بصورة واضحة، والأسباب واضحة، فقد قيّدت العقوبات تدفقات الاستثمار إلى تطوير قطاع التنقيب والإنتاج الروسي.

وحدّت اتفاقية تحالف أوبك+ من أحجام الإنتاج، وأسهم انخفاض أسعار النفط الروسي المُصدّر خلال معظم العام الماضي، بالإضافة إلى قوة الروبل التي فاقت توقعات المخططين الماليين في موسكو، في انخفاض الإيرادات بالعملة المحلية.

وأفادت هيئة الإحصاء الروسية بأن إجمالي إيرادات شركات النفط والغاز انخفض بنسبة 16.7% على أساس سنوي، ليصل إلى 19.9 تريليون روبل (258 مليارًا و700 مليون دولار).

وتراجعت الربحية في قطاع التوزيع: أقل من نصف شركات النفط والغاز، بنسبة 49.1%، كانت مربحة في العام الماضي، بانخفاض عن نسبة 60.7% في عام 2024.

*(الروبل الروسي = 0.013 دولارًا أميركيًا)

وكان تأثير ذلك في الموازنة شديدًا، لدرجة أجبرت الحكومة على إعادة صياغة النظام المالي.

وانخفضت إيرادات قطاع النفط والغاز الروسي بنحو الربع، أي بنسبة 23.8%، لتصل إلى 8.5 تريليون روبل، وتراجعت حصتها من إجمالي إيرادات الموازنة إلى 22.7% من 30.3% في العام السابق. واضطرت الحكومة إلى إعادة رسم الموازنة في ربيع العام الماضي، ما أدّى إلى خفض إيرادات النفط والغاز المتوقعة بمقدار 2.6 تريليون روبل.

وبالنسبة إلى دولة خاضت حربًا برية كبرى في أوروبا مع استمرارها في زيادة الإنفاق الاجتماعي بصورة كبيرة، لم يكن هذا مجرد تمرين نظري في التعديل المالي، بل كان اختبارًا حقيقيًا لنموذجها الاقتصادي في مرحلة ما بعد العقوبات.

رغم ذلك، فإن النسبة المعلنة للناتج المحلي الإجمالي لا تعكس الوزن الحقيقي للموارد الهيدروكربونية في الاقتصاد الروسي بصفة ملحوظة.

منشأة لتخزين الغاز بلدة كاسيموف في روسيا
منشأة لتخزين الغاز ببلدة كاسيموف في روسيا - الصورة من بلومبرغ

إجمالي إيرادات النفط والغاز

قدّر أستاذ الاقتصاد في جامعة إنديانا، مايكل أليكسييف، أن إجمالي إيرادات النفط والغاز بلغ نحو 24% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، مقارنةً بنسبة 18.7% التي أعلنتها هيئة الإحصاء الروسية في ذلك العام.

ويشمل ذلك طريقة تدفق إيرادات المحروقات عبر الاقتصاد من خلال الإنفاق الحكومي، والأجور المرتفعة في هذا القطاع (التي تقارب ضعف المتوسط ​​الوطني في إنتاج النفط والغاز)، والمدفوعات لشبكة الموردين الواسعة.

وتُعدّ الفجوة بين الإسهام الرسمي في الناتج المحلي الإجمالي والأثر الحقيقي للإيرادات هي حجم اعتماد روسيا على المحروقات، وهي أكبر بكثير مما تشير إليه أي إحصائية منفردة.

وقد لاحظ كبير الاقتصاديين لدى مؤسسة التنمية الحكومية (VEB)، أندريه كليباتش، أن قطاع الوقود والطاقة ما يزال يؤدي الوظيفة الهيكلية والتوازنية نفسها التي كان يؤديها في الحقبة السوفيتية، فهو لا يقتصر دوره على كونه موردًا للطاقة، بل يُمثّل الركيزة الأساسية لاقتصاد لم يُبنِ بعدُ بدائل داعمة كافية.

وأقرّ نائب رئيس ديوان إدارة الكرملين، مكسيم أوريشكين، بذلك، قائلًا إن النفط سيظل جزءًا بالغ الأهمية من الاقتصاد الروسي لـ10 إلى 15 سنة أخرى، موفرًا غالبية الإيرادات، ولكنه ليس أكثر القطاعات الواعدة. ويُفهم من ذلك ضمنيًا أن الكرملين يدرك هذا المسار، حتى وإن لم يستطع تغييره بعد من خلال سياسات مدروسة.

إن مسألة ما إذا كان هذا المسار سيؤدي إلى تراجع مُدار أم انهيار غير مُدار، تتشكل، حاليًا، بفعل قوى خارجة عن سيطرة موسكو إلى حد كبير.

وقدّم الزميل البارز لدى مركز كارنيغي برلين، سيرغي فاكولينكو، تنبؤًا صريحًا: فدون تغييرات جذرية سينخفض ​​إنتاج النفط في روسيا ببطء ولكن بثبات، وهذا الانخفاض محتوم بفعل العديد من القرارات السابقة التي خلقت حالة من الجمود يصعب الخروج منها.

وأقر نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك بهذه النقطة، مشيرًا إلى أن زيادة الإنتاج تتطلّب وقتًا واستثمارًا وجذب موارد مالية، واصفًا إياها بأنها عملية بطيئة.

ووثّق معهد غايدار كيف تُؤدي العقوبات إلى تدهور مناخ الاستثمار في قطاع النفط، وأكدت مراقبة البنك المركزي انهيار الاستثمار في الصناعات الاستخراجية في وقت سابق من هذا العام.

في المقابل، تضعف الأسس الهيكلية لإنتاج النفط الروسي حتى مع تحوّل الصورة الدورية بشكل كبير لصالح موسكو.

ويتمثّل هذا التحوّل الدوري، بطبيعة الحال، في إغلاق مضيق هرمز.

وأدت العمليات العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، والحصار البحري اللاحق للمواني الإيرانية الذي أعلنه الرئيس ترمب في 13 أبريل/نيسان الجاري عقب انهيار المحادثات في إسلام آباد، إلى نوع من الاضطراب العالمي في قطاع الطاقة.

وهذا يحوّل روسيا من مورد منبوذ خاضع للعقوبات إلى مورد لا غنى عنه.

وأصبحت الحسابات واضحة: يمرّ ما يقارب 20% من النفط ومشتقاته والغاز المسال في العالم عبر مضيق هرمز.

وعندما يُخترق هذا الممر المائي الحيوي، لا يملك العالم رفاهية اختيار مورديه لأسباب سياسية، بل يضطر إلى قبول ما هو متاح، من أي جهة قادرة على التوصيل، عبر أي طريق يبقى مفتوحًا.

إيرادات قطاع النفط والغاز الروسي

يتوقع محللو الصناعة الروسية أن تصل إيرادات قطاع النفط والغاز الروسي في أبريل/نيسان الجاري إلى تريليون روبل، وهو أعلى مستوى لها منذ منتصف عام 2024.

وذكرت وكالة بلومبرغ أن إيرادات روسيا الأسبوعية من صادرات النفط تجاوزت مليارَي دولار منذ بداية أبريل/نيسان الجاري، أي بزيادة تقارب 200 مليون دولار أسبوعيًا مقارنةً بنهاية مارس/آذار المنصرم. وقدّرت صحيفة فايننشال تايمز، نقلًا عن مؤسسات مالية غربية، أن إيرادات روسيا اليومية من صادرات النفط ارتفعت إلى 150 مليون دولار؛ ما يُمكّن البلاد من تحقيق إيرادات غير متوقعة تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار قبل انخفاض أسعار الطاقة.

واقترب سعر خام الأورال، وهو الخام الرئيس الذي تُصدّره روسيا، من 115 دولارًا للبرميل في الصفقات المبرمة مع المستوردين، مع انخفاض الفارق السعري مع خام برنت إلى أدنى مستوياته.

مضخة نفطية بقرية أوترادا في روسيا
مضخة نفطية بقرية أوترادا في روسيا - الصورة من بلومبرغ

وحسبما أوضح ألكسندر شنايدرمان من شركة ألفا فوركس، بدأت السوق تتوقع انخفاضًا في حدة التوترات في الشرق الأوسط، وقد أسهم هذا التوقع في تسارع نمو الأسعار وزيادة إيرادات التصدير.

لكن التطور الأهم ليس ارتفاع الأسعار، وإنما إعادة تشكيل جغرافية للطلب الروسي على النفط.

وكشفت أزمة مضيق هرمز عن ثغرة هيكلية في أمن الطاقة الآسيوي، يتمتع الموردون الروس بموقع فريد لاستغلالها.

وتحوّل خط أنابيب شرق سيبيريا-المحيط الهادئ، الذي ينقل النفط الخام إلى أسواق المحيط الهادئ دون المرور عبر المضيق المضطرب، من مسار مخفّض السعر إلى مسار مرتفع.

وتأرجح سعر خام مزيج شرق سيبيريا-المحيط الهادئ من خصم يتراوح بين 7 و10 دولارات للبرميل مقارنةً بخام برنت إلى علاوة تتراوح بين دولارَيْن و5 دولارات، ما يعكس ما يصفه المشاركون في السوق بالتوترات الحادة والطلب المتزايد في جميع أنحاء آسيا.

وتتفاوض الفلبين وفيتنام وإندونيسيا وماليزيا بنشاط مع روسيا بشأن إمدادات النفط الخام.

ويُعدّ وضع ماليزيا مثالًا على النمط الأوسع. تستهلك البلاد ما يقرب من 700 ألف برميل يوميًا، في حين لا تنتج سوى نحو 350 ألف برميل يوميًا.

ويعني هذا العجز الهيكلي أن ماليزيا مضطرة إلى استيراد نصف استهلاكها من النفط، ويمر ما يقرب من 38% من وارداتها من النفط الخام عبر مضيق هرمز.

وأعلن رئيس الوزراء الماليزي، أنور إبراهيم، في 19 أبريل/نيسان الجاري، أن السلطات الماليزية وشركة النفط الحكومية بتروناس قد تبدآن مناقشة إمدادات النفط من روسيا.

بدورها، اشترت كوريا الجنوبية أولى شحناتها من النفط الخام الروسي.

وتشهد إندونيسيا وسنغافورة زيادات ملحوظة في أحجام الإمدادات الروسية.

وهذه ليست تعديلات طفيفة، بل تمثّل تشكيل بنية طلب جديدة على النفط الروسي في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، لم تكن موجودة قبل 18 شهرًا، وقد تثبت استدامتها بعد انتهاء الأزمة الحالية.

وتؤكد بيانات التجارة للربع الأول من عام 2026 أن إعادة التوجه نحو آسيا ليست مجرد تكهنات، وإنما هي توجه هيكلي ومتسارع.

فقد ارتفعت شحنات النفط الخام من روسيا إلى الصين بنسبة 31% على أساس سنوي في الربع الأول، لتصل إلى 31.9 مليون طن، وفقًا لبيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية التي نقلتها وكالة تاس.

أما من حيث القيمة فقد ارتفعت إمدادات النفط الروسي إلى الصين بنسبة 8.8%، لتصل إلى 14.4 مليار دولار.

ويُعدّ هذا الارتفاع الكبير في الحجم لافتًا للنظر بحد ذاته، لكن الإشارة التحليلية الحقيقية تكمن في الجانب الآخر من المعادلة، فخلال الفترة نفسها، انخفضت واردات الصين من المنتجات الإيرانية إلى النصف.

كما تُعدّ الصين المشتري الرئيس للنفط الإيراني، وتأثير الإحلال واضح لا لبس فيه.

الصين بوصفها مستوردة للطاقة الروسية (الربع الأول من عام 2026)

فمع توقف الإمدادات الإيرانية بسبب حصار مضيق هرمز وتصاعد الضغط العسكري، ملأ النفط الخام الروسي الفراغ بسرعة ملحوظة، وهو إحلال يخدم المصالح التجارية لموسكو، وفي الوقت نفسه يُعمّق اعتماد بكين اللوجستي على البنية التحتية للإمدادات الروسية.

وارتفعت واردات الغاز المسال من روسيا إلى الصين بنسبة 6.7% من حيث الكمية لتصل إلى 1.38 مليون طن، على الرغم من انخفاض قيمتها النقدية بنسبة 17.3%، لتصل إلى 651.6 مليون دولار.

وهذا يعكس مسارات التسعير في سوق تُقلّص فيها بدائل خطوط الأنابيب وهياكل العقود طويلة الأجل علاوات الغاز المسال الفورية للمشترين الملتزمين.

وانخفضت إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب بنسبة 8.9% من حيث القيمة، لتصل إلى 2.3 مليار دولار، مع امتناع بكين، كعادتها، عن الكشف عن الكميات الفعلية.

من جانبها، تُوضّح بيانات وكالة الطاقة الدولية لشهر مارس/آذار المنصرم الصورة بصورة أكبر؛ فقد تضاعفت إيرادات روسيا من صادرات النفط ومشتقاته في ذلك الشهر وحده، لتصل إلى 19.04 مليار دولار.

وتفوّقت الهند على الصين لتصبح أكبر وجهة منفردة لصادرات النفط الروسي بمليونَي برميل يوميًا، حيث تُعالج 12 مصفاة تكرير هندية النفط الخام الروسي مقارنةً بـ7 مصافٍ فقط قبل شهر واحد، في حين احتلت الصين المركز الثاني بـ1.8 مليون برميل يوميًا.

ويمثّل إجمالي استهلاك الهند والصين من النفط الروسي الآن حدًا أدنى للطلب يبلغ نحو 4 ملايين برميل يوميًا.

وتُكثّف الهند، ثاني أكبر مستورد للنفط الروسي بعد الصين، وارداتها منه بقوة.

ومن المتوقع أن تصل شحنات النفط الروسي إلى المواني الهندية إلى 2.1 مليون برميل يوميًا في الأسبوع الأخير من أبريل/نيسان الجاري، ارتفاعًا من 1.67 مليون برميل يوميًا في الأسبوع السابق.

الهند بوصفها مشتريًا للنفط الروسي

ويتوقع التجار أن تبقى شحنات النفط الخام الروسي إلى الهند عند المستوى نفسه تقريبًا في مايو/أيار المقبل. في مارس/آذار المنصرم، بلغ إجمالي صادرات النفط الخام الروسي إلى الهند نحو 1.8 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ يونيو/حزيران 2025.

وأشار ديفيد ويتش من شركة فورتيكسا إلى أن الفائض الكبير من النفط الروسي الذي تراكم خلال فصل الشتاء، عقب العقوبات الأميركية الصارمة المفروضة على شركتي لوك أويل وروسنفط في نهاية عام 2025، وضغط واشنطن على الهند لخفض الواردات الروسية، قد استُوعِب بالكامل الآن.

وبِيعت معظم شحنات خام الأورال المخصصة للتسليم في مايو/أيار المقبل إلى الهند والصين وتركيا، بعلاوات تتراوح بين 7 و9 دولارات للبرميل الواحد فوق سعر خام برنت للتسليم في المواني الهندية.

واتخذت الهند خطوة مهمة بتوسيع قائمة شركات التأمين الروسية المُرخَّصة لتوفير التغطية التأمينية للسفن التي ترسو في موانيها.

وأصبح بإمكان 11 شركة تأمين روسية، غير تابعة للمجموعة الدولية لأندية الحماية والتعويض، تقديم تغطية تأمينية لمسؤولية مالكي السفن، بعد أن كانت 8 شركات فقط في الشهر السابق.

وتشمل القائمة المُحدَّثة شركتَي غازبروم إنشورنس (Gazprom Insurance) وروسغوستراخ (Rosgosstrakh)، بتراخيص سارية حتى فبراير/شباط 2027.

ولا يُعدّ هذا مجرد إجراء رمزي، فالتأمين إلزامي لدخول السفن إلى المواني والقيام بعمليات الشحن.

وتجنّب مُزوّدو الخدمات الغربيون نقل البضائع الروسية بسبب تشديد العقوبات، وتُغطّي المجموعة الدولية لأندية الحماية والتعويض ما يُقارب 87% من حمولة ناقلات النفط في العالم.

ومن خلال ترخيص شركات التأمين الروسية، تُنشئ الهند بنية تحتية موازية لتجارة النفط الروسي تعمل خارج نطاق العقوبات الغربية تمامًا، ويُعد هذا تكيّفًا هيكليًا، وليس حلًا مؤقتًا.

ويُتيح دخول الهند مجددًا إلى سوق الغاز المسال الفورية نافذةً كاشفةً عن طريقة إعادة تشكيل أزمة مضيق هرمز لحسابات شراء الطاقة في جميع أنحاء آسيا في الوقت الفعلي.

واشترى كبار المشترين الهنود، بمن فيهم شركة بهارات بتروليوم المحدودة، وشركة غيل إنديا، وشركة غوجارات ستيت بتروليوم، شحنات من الغاز المسال هذا الأسبوع بأسعار تقل عن 16 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

وهذا تراجع حاد عن أعلى مستوى له منذ سنوات عديدة، الذي بلغ 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ودفع المستوردين الهنود إلى الخروج من السوق الفورية تمامًا في أعقاب تصاعد الحرب في الشرق الأوسط.

وانخفضت أسعار الغاز المسال الآسيوية إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من شهر، متأثرةً بانخفاض عام في الطلب على الغاز وتوقعات السوق، وإن كانت غير مؤكدة، بإمكان التوصل إلى حل دبلوماسي لأزمة مضيق هرمز.

لكن التطور الأكثر أهمية ليس حركة الأسعار، بل المسار.

وأفادت وكالة رويترز بوصول شحنة من الغاز المسال من روسيا إلى الهند لأول مرة منذ عام، ويحمل مصدر هذه الشحنة أهمية تحليلية بالغة؛ فقد حُمّلت في محطة بورتوفايا على بحر البلطيق، وهي منشأة لا تزال خاضعة لعقوبات أميركية سارية.

بالمثل، تواصل ناقلة الغاز المسال (كونبنغ) رحلتها بثقة نحو المحطة الهندية في ميناء داهيج على الساحل الغربي للبلاد.

وتُجسّد هذه الشحنة، في صفقة واحدة، النمط الأوسع الذي يُحدّد قطاع الوقود الأحفوري الروسي في هذه اللحظة؛ ما تزال العقوبات سارية رسميًا، وهيكلها القانوني سليم، وآليات إنفاذها فعّالة نظريًا، إلا أن الواقع الفعلي لتجارة الطاقة العالمية يتجاهلها بصورة متزايدة، مدفوعًا بقوة نقص الإمدادات، وحوافز الأسعار.

ويُضاف إلى ذلك استعداد الدول المستهلكة الكبرى لإعطاء الأولوية لأمن الطاقة على الامتثال لنظام عقوبات طغت عليه الأزمة الجيوسياسية التي كان من المفترض أن يُديرها.

وكان رد فعل الولايات المتحدة على هذه التوجهات واضحًا، ففي أبريل/نيسان الجاري، وفي محاولة لكبح جماح أسعار النفط العالمية، جددت وزارة الخزانة الأميركية ترخيص بيع بعض النفط الروسي، ليشمل الكميات المحملة على السفن قبل 17 أبريل/نيسان الجاري ويسري حتى 16 مايو/أيار المقبل.

وكان الترخيص السابق قد انتهى في 11 أبريل/نيسان الجاري.

وتجد واشنطن نفسها في مأزق سياسي لا تستطيع حله، فهي تريد معاقبة روسيا بالعقوبات، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى كميات من النفط الروسي لمنع ارتفاع أسعار النفط بصورة حادة خلال أزمة مضيق هرمز.

وساعد رفع العقوبات موسكو على بيع مخزوناتها المتراكمة خلال فصل الشتاء، ولن يؤدي الترخيص الجديد إلا إلى زيادة الطلب.

ويصف المحللون هذا الإجراء بأنه جزء من جهود واشنطن لكبح جماح أسعار الطاقة العالمية خلال الحرب في الشرق الأوسط، إلا أن النتيجة العملية هي ترسيخ مكانة روسيا بصفتها موردًا لا غنى عنه، في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تهميشها.

في غضون ذلك، يشهد مسار التصدير الغربي لروسيا اضطرابًا موازيًا.

وأفادت وكالة رويترز في 21 أبريل/نيسان الجاري، نقلًا عن 3 مصادر في قطاع النفط، أن روسيا ستوقف عبور النفط القازاخستاني إلى ألمانيا عبر خط أنابيب دروجبا بدءًا من 1 مايو/أيار 2026.

وسيؤثر هذا القرار في سلسلة إمداد بُنيت بعناية منذ عام 2023، حين شُحنت أول شحنة من النفط القازاخستاني إلى ألمانيا عبر الخط الشمالي لخط أنابيب دروجبا، مرورًا بروسيا وبيلاروسيا وبولندا وصولًا إلى مصفاة بي سي كيه رافينيري في مدينة شفيدت.

وشهدت الشحنات نموًا مطردًا، من 993 ألف طن في عام 2023 إلى 1.5 مليون طن في عام 2024، ثم إلى 2.1 مليون طن في عام 2025، مقابل خطة كانت تهدف إلى 1.5 مليون طن، مع توقعات بوصولها إلى 2.5 مليون طن في عام 2026.

وكانت سلسلة إمداد مصفاة شفيدت نفسها نتاجًا لهيكلية العقوبات.

واستثنى الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على النفط الروسي خط أنابيب دروجبا، إلا أن حزم العقوبات اللاحقة حظرت إمدادات النفط الروسي عبر الخط الشمالي إلى ألمانيا وبولندا، في حين سمحت بمرور النفط من مصادر أخرى عبر روسيا.

وكانت ألمانيا، بعد استيلائها على فروع شركة روسنفط الألمانية، بما فيها مصفاة بي سي كيه، بحاجة إلى مصدر نفط خام غير روسي لمصفاة متصلة فعليًا بنظام دروجبا، التي لا تملك بدائل كافية.

خط أنابيب دروجبا بالقرب من مدينة ستيري في أوكرانيا
خط أنابيب دروجبا بالقرب من مدينة ستيري في أوكرانيا - الصورة من بلومبرغ

من ناحيتها، كانت قازاخستان، الساعية لتنويع طرق تصديرها خارج نطاق تحالف خط أنابيب بحر قزوين، على استعداد للتزويد.

وتعاونت روسيا من خلال تحرير جزء من سعة خط الأنابيب.

تجدر الإشارة إلى أن وكالة رويترز نشرت تقريرًا مطابقًا تقريبًا قبل عامَين، في أبريل/نيسان 2024، زعمت فيه أن روسيا حذرت قازاخستان من احتمال وقف العبور.

وحُلّ هذا الموقف من خلال حل بديل شمل شركة سلوفاكية تتولى صيانة عدادات تدفق النفط في الجزء البولندي من خط الأنابيب.

ولم تقدم رويترز أسبابًا واضحة لانتهاك روسيا اتفاقياتها مع قازاخستان، وتشير الإنكارات السابقة إلى أن مصادر النفط قد تكون غير موثوقة.

ورغم ذلك برز متغير جديد، ففي فبراير/شباط 2026 وافقت المفوضية الأوروبية على استحواذ الحكومة الألمانية على السيطرة الكاملة على شركة روسنفط دويتشلاند وفروعها، ما يُعدّ بمثابة مصادرة فعلية للأصول الروسية.

ثم نقلت ألمانيا هذه الأصول إلى الوكالة الفيدرالية للشبكات، وحصلت بذلك على ترخيص دائم للعقوبات الأميركية.

ويبقى من غير الواضح ما إذا كان وقف العبور، في حال حدوثه، يُمثّل ردًا روسيًا على هذه المصادرة أم تكتيكًا تفاوضيًا للحصول على تنازلات أخرى.

لكن من الواضح أن ممر دروجبا، الذي يُعدّ أحد أكثر طرق عبور الطاقة حساسية سياسيًا في العالم، يزداد هشاشةً في الوقت الذي يصعب فيه إيجاد ترتيبات بديلة للإمداد.

 

الخلاصة..

تُظهر الصورة العامة التي تتبلور من هذه التطورات المتداخلة قطاعًا روسيًا للوقود الأحفوري يشهد تراجعًا في أهميته الهيكلية وارتفاعًا متسارعًا في قيمته الدورية.

وتتراجع حصة هذا القطاع من الناتج المحلي الإجمالي، وينهار الاستثمار، وتتآكل القدرة الإنتاجية، وأقل من نصف شركات النفط والغاز تحقق أرباحًا.

واضطرت الموازنة إلى إعادة هيكلتها بالخفض، إذ تشهد الإيرادات ارتفاعًا ملحوظًا، ويتوافد عملاء جدد من مختلف أنحاء آسيا، ويحظى خام إسبو بعلاوة سعرية، ويُباع خام الأورال بأسعار كانت تبدو خيالية قبل عامَيْن، وتتآكل منظومة العقوبات بفعل الأزمة الجيوسياسية التي صُمّمت لاحتوائها.

وتتوقع كبيرة المحللين لدى شركة فريدوم فاينانس غلوبال، ناتاليا ميلتشاكوفا، أن تنفيذ أهداف التحديث التقني، وتنويع الصادرات، وتطوير بنية تحتية جديدة للسوق، قد يزيد من إيرادات الموازنة الإضافية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط في عام 2026 إلى 3 تريليونات روبل.

ويشير المحلل لدى شركة شير برو، دينيس أستافييف، إلى تعزيز التعاون مع عملاء جدد، وتطوير أسطول ناقلات النفط الروسي الخاص لتقليل الاعتماد على شركات النقل الخارجية، وتحسين الخدمات اللوجستية، بما في ذلك استعمال طريق بحر الشمال خلال فصل الصيف.

وتُعدّ هذه فرصًا حقيقية، لكنها محدودة المدة. وحسبما لاحظ العديد من المحللين، فإن الإيرادات المرتفعة الحالية هي نتيجة مزيج ناجح من عوامل متقلبة وسريعة التأثر.

من ناحية ثانية، فإن خفض التصعيد في الشرق الأوسط، أو استئناف عبور مضيق هرمز، أو تشديد العقوبات مجددًا؛ قد يُغيّر وضع الإيرادات بسرعة.

السؤال الأهم هو ما إذا كان حلم بوتين بتخلي روسيا عن النفط يتحقق بطريقة تُعزز الدولة الروسية أم تُضعفها، والإجابة هي كلاهما في آن واحد.

ويعكس انخفاض حصة الناتج المحلي الإجمالي توسعًا حقيقيًا في القاعدة الاقتصادية، مدفوعًا جزئيًا بالتعبئة الصناعية في زمن الحرب، واستبدال الواردات، والتطوير القسري للقدرات المحلية في القطاعات التي كانت تعتمد سابقًا على التكنولوجيا ورأس المال الغربيين.

ويعكس هذا الانخفاض تدهور قطاع الهيدروكربونات نفسه، وهو انكماش لا ينجم عن تنويع ناجح، بل عن نقص الاستثمار الناجم عن العقوبات، وقيود الإنتاج، والتآكل البطيء للقاعدة الجيولوجية والتكنولوجية التي تدعم الإنتاج.

ولم تُصبح روسيا أقل اعتمادًا على النفط، لأنها بنت اقتصاد ما بعد النفط، وإنما لأن قطاع النفط ينكمش بوتيرة أسرع من نمو بقية الاقتصاد.

إيرادات النفط والغاز في روسيا، أبريل 2026 وتوقعات مايو 2026

وحجبت أزمة مضيق هرمز هذه الحقيقة مؤقتًا بإغراق الخزينة بإيرادات غير متوقعة تُوهم بالقوة الإستراتيجية، لكن هذه الإيرادات غير المتوقعة ليست إستراتيجيات.

ولن تُعوّض الإيرادات الاستثنائية التي قد تجنيها روسيا خلال هذه المدة من ارتفاع الأسعار، وتتراوح بين 4 و5 مليارات دولار، العجزَ الاستثماري في تطوير قطاع التنقيب والإنتاج.

ولن تُعوّض التقنية الغربية التي حرمت العقوبات المنتجين الروس منها، ولن تُغيّر الواقع الجيولوجي المتمثل في نضوب الحقول الناضجة واحتياج الحقول الجديدة إلى رؤوس أموال وخبرات باتت نادرة.

إن الوضع الراهن ليس إلا انتعاشًا مؤقتًا، وليس تعافيًا حقيقيًا.

وبالنسبة إلى نظام الطاقة العالمي، تتجاوز التداعيات حدود روسيا بكثير.

إن تشكيل بنية تحتية تأمينية موازية في الهند، وظهور عملاء جدد للنفط الروسي في جميع أنحاء جنوب شرقي آسيا، والتسعير المرتفع لمزيج إسبو بوصفه طريقًا بديلًا لممر هرمز، وهشاشة ترتيبات العبور مثل ممر دروجبا؛ كلها تُشير إلى عالم تتفتت فيه تجارة الطاقة على أسس جيوسياسية بوتيرة أسرع مما توقعه أي شخص.

وإن بنية العقوبات التي كان من المفترض أن تُقيّد روسيا يُعاد توظيفها بوصفها إطارًا لسوق طاقة مُجزّأة، حيث يتدفق الإمداد الروسي عبر قنوات مُخصصة إلى مشترين مُخصصين بموجب ترتيبات تأمين ولوجستيات مُخصصة تعمل بمعزل تام عن الرقابة الغربية.

وهذا ليس المستقبل الذي صممه صانعو السياسات الغربيون عندما فرضوا العقوبات، لكن المستقبل هو ما يبنيه الآن مزيج العقوبات وأزمة مضيق هرمز، برميلًا تلو الآخر.

فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

 

موضوعات متعلقة..

نرشح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق