هيدروجينتقارير الهيدروجينرئيسية

الهيدروجين الأبيض.. كيف يتكوّن وهل تكلفته أرخص من "الأخضر"؟ (تقرير)

داليا الهمشري

يتصدّر الهيدروجين الأبيض اهتمام أسواق الطاقة العالمية تدريجيًا، بالتزامن مع تسارع الجهود الدولية لخفض الانبعاثات الكربونية والتحوّل إلى مصادر طاقة نظيفة ومستدامة.

فبينما انصب التركيز خلال الأعوام الماضية على الهيدروجين الأخضر المُنتج بالكهرباء المتجددة، يظهر الهيدروجين المتكون طبيعيًا في باطن الأرض بوصفه خيارًا قد يجمع بين انخفاض التكلفة وتراجع البصمة الكربونية عند الاستعمال.

ومع تزايد الاكتشافات الجيولوجية في عدد من الدول، بات الهيدروجين الأبيض مرشحًا إلى أن يصبح أحد المكونات الرئيسة في مزيج الطاقة خلال العقد المقبل، حال ثبوت جدواه التجارية وتوافر الأطر التنظيمية والبنية التحتية اللازمة لتطويره.

في هذا السياق، أعدّت الاستشارية البيئية ومدققة البصمة الكربونية في مصر، الدكتورة هبة الرحمن أحمد، دراسة -اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- تناولت آليات تكوّن الهيدروجين الأبيض وأماكن وجوده وتقنيات استكشافه واستخراجه، بالإضافة إلى مزاياه الاقتصادية وتحدياته البيئية.

إنتاج الهيدروجين الأبيض

تشير الدراسة إلى أن الأرض تنتج الهيدروجين الأبيض بصورة مستمرة من خلال تفاعلات كيميائية طبيعية، أبرزها أكسدة المعادن الغنية بالحديد، وكذلك التحلل الإشعاعي لجزيئات الماء بفعل النشاط الطبيعي لليورانيوم والثوريوم في أعماق القشرة الأرضية.

كما تؤدي تفاعلات الماء مع الصخور الغنية بالحديد في البيئات البركانية أو عند التقاء الصخور بمياه البحر إلى إطلاق جزيئات الهيدروجين، كما يحدث في أيسلندا، بالإضافة إلى مناطق واعدة في إسبانيا وعمان.

وتشير الدراسة -أيضًا- إلى وجود تسرّبات لما يُعرف بالهيدروجين البدائي في بعض المناطق مثل جنوب تركيا وحوض ساو فرانسيسكو في البرازيل.

وتوضح الدراسة أن الهيدروجين الأبيض (يُطلق عليه أيضًا الهيدروجين الجيولوجي أو الطبيعي) يوجد في القشرة الأرضية ويرتبط بعمليات طبيعية، ويمكن أن يُخزّن في الصخور النفطية والغازية، والصخور البركانية النشطة، والأحواض الرسوبية والمياه الجوفية.

كما قد يظهر مصاحبًا لبعض الحقول الغازية المكتشفة، ما يفتح المجال لإعادة تقييم موارد قائمة بالفعل من منظور جديد، أما في البيئات البحرية العميقة، فتوجد مؤشرات على مصادر طبيعية للهيدروجين، غير أن استخراجها ما يزال يتطلّب استثمارات مرتفعة.

استخراج الهيدروجين الأبيض
استخراج الهيدروجين الأبيض - الصورة من h2iq

وعلى مستوى الاستكشاف، تؤكد الدراسة أن التطور التكنولوجي يؤدي دورًا محوريًا في تعزيز فرص اكتشاف هذا المورد، من خلال تحليل التسربات السطحية للغاز، واستعمال صور الأقمار الاصطناعية عالية الدقة لرصد المنخفضات نصف الدائرية المعروفة بالدوائر الخيالية، بالإضافة إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لرسم خرائط للمواقع المحتملة.

كما تُستعمل تقنيات كروماتوغرافيا الغاز لتحليل مكونات الغازات، إلى جانب بيانات الاستشعار عن بعد لدراسة الأنماط الجيومورفولوجية للمناطق المستهدفة.

تجارب عالمية بارزة

تستعرض الدراسة تجارب عالمية بارزة، من بينها مشروع قرية بوراكيبوغو في مالي الذي يُعد من أوائل المشروعات التي اعتمدت على الهيدروجين الأبيض الطبيعي لتوليد الكهرباء.

كما أشارت إلى الاكتشاف الذي جرى في ألبانيا داخل منجم للكروم، الذي وصفه المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) بأنه أعلى تدفق طبيعي للهيدروجين جرى قياسه حتى الآن.

ورصدت الدراسة انبعاثات الهيدروجين المصاحبة لمحطات الطاقة الحرارية الأرضية في أيسلندا، ما يعزّز فرص استخلاصه بصفته منتجًا ثانويًا ذا قيمة اقتصادية.

ومن الناحية الاقتصادية، تشير الدراسة إلى أن الهيدروجين الجيولوجي قد يتمتع بميزة تنافسية واضحة؛ إذ تتوقع بعض التقديرات أن تنخفض تكلفة إنتاجه إلى أقل من دولار واحد للكيلوغرام بحلول عام 2030، مقارنة بتكلفة أعلى للهيدروجين الأخضر.

كما يتميّز الهيدروجين الأبيض بإمكان تجدّد بعض رواسبه خلال فترات زمنية أقصر كثيرًا من تلك اللازمة لتكون الوقود الأحفوري.

دراسة تبرز أهمية الهيدروجين الأبيض في تشكيل مستقبل الطاقة

وحول النقل والتخزين، توضح الدراسة أنه يمكن تصدير الهيدروجين في صورة غاز مضغوط، أو بعد إسالته عند درجات حرارة منخفضة للغاية، أو عبر تحويله إلى أمونيا لتسهيل نقله لمسافات طويلة بكفاءة أعلى.

كما تبرز تقنيات الناقلات العضوية السائلة للهيدروجين بمثابة خيار يتيح تخزينه عند درجة حرارة الغرفة دون الحاجة إلى ضغط مرتفع.

ورغم الفرص الواعدة، تحذّر الدراسة من تحديات تتعلّق بعوامل السلامة ومخاطر التسرب، والحاجة إلى بنية تحتية متخصصة، فضلًا عن غياب أطر تشريعية واضحة في عدد من الدول لتنظيم ملكية هذا المورد واستغلاله.

وتخلص الدراسة إلى أن الهيدروجين الأبيض قد يتحول إلى أحد أعمدة مزيج الطاقة العالمي خلال الأعوام المقبلة، إذا ما أُحسن استغلاله ضمن ضوابط بيئية صارمة ورؤية استثمارية متوازنة، بما يجعله "الذهب الجديد" في مسار التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.

موضوعات متعلقة..

نرشح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق