أسعار الهيليوم المرتفعة فرصة للجزائر بعد توقف إمدادات قطر
الطاقة - تغطية خاصة

سجلت أسعار الهيليوم العالمية ارتفاعًا حادًا في أعقاب اضطرابات إنتاج الغاز في قطر، ما تسبّب في اضطراب إحدى أكثر أسواق الغازات الصناعية حساسية وأهمية للصناعات التكنولوجية والطبية.
وكشف تصاعد التوترات العسكرية واتساع نطاق الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران هشاشة سوق الهيليوم العالمية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود من المنتجين الرئيسين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وقطر وروسيا والجزائر.
وحسب تقديرات منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، فإن الأنظار تتجه نحو منتجين آخرين وعلى رأسهم الجزائر، لتعويض نقص إمدادات الهيليوم، مع توقف الصادرات القطرية.
وفي هذا السياق يقول رئيس شركة كورنبلث للاستشارات في مجال الهيليوم، فيل كورنبلث، إن أسعار الهيليوم في السوق الفورية تضاعفت تقريبًا منذ اندلاع حرب إيران، مع سعي المشترين لتأمين الإمدادات وسط مخاوف من نقص عالمي.
توقف إنتاج قطر للطاقة
يأتي ارتفاع أسعار الهيليوم بعد أن أعلنت شركة قطر للطاقة، عملاق الطاقة الحكومي وأحد أكبر مصدري الغاز المسال في العالم، توقف الإنتاج في منشآتها المرتبطة بمعالجة الغاز.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية لمنشآت قطر للطاقة نحو 77 مليون طن سنويًا من الغاز المسال؛ إذ أعلنت الشركة حالة القوة القاهرة على شحناتها مع اتساع نطاق الحرب في المنطقة.
ولأن الهيليوم يُستخرج عادةً بوصفه منتجًا ثانويًا في أثناء معالجة الغاز الطبيعي، فإن أي اضطراب في إنتاج الغاز المسال يؤدي مباشرة إلى تعطّل إمدادات الهيليوم العالمية.

وقال وزير الطاقة القطري سعد الكعبي إن عودة الإمدادات إلى طبيعتها قد تستغرق أسابيع أو حتى أشهرًا حتى في حال توقف الصراع فورًا.
وتمثّل قطر أحد الأعمدة الأساسية في سوق الهيليوم العالمية، إذ تُعد ثاني أكبر منتج للغاز المسال في العالم، كما تمتلك دورًا مهمًا في إنتاج الهيليوم.
وبحسب بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، بلغ إنتاج قطر من الهيليوم نحو 63 مليون متر مكعب في عام 2025، من إجمالي إنتاج عالمي يقارب 190 مليون متر مكعب، أي ما يعادل نحو ثلث الإمدادات العالمية تقريبًا.
وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الأولى عالميًا بإنتاج يبلغ 81 مليون متر مكعب، تليها روسيا بنحو 18 مليون متر مكعب، ثم الجزائر في المرتبة الرابعة بإنتاج يقارب 11 مليون متر مكعب.
صادرات قطر من الهيليوم
قال الرئيس التنفيذي لشركة "إندكس بوكس" لأبحاث السوق، ألكسندر رومانينكو، إن استمرار انقطاع صادرات قطر من الهيليوم يعني أن السوق تفقد فعليًا نحو 5.2 مليون متر مكعب من الهيليوم شهريًا.
وعلى عكس معظم السلع الأساسية، تتميز سوق الهيليوم بخصائص فريدة تجعلها أكثر حساسية للاضطرابات.
فمعظم الإمدادات العالمية تُباع من خلال عقود طويلة الأجل بدلًا من التداول في سوق فورية شفافة، ما يجعل إشارات أسعار الهيليوم تظهر ببطء حتى عند حدوث نقص في المعروض.
وبدأت المؤشرات على ارتفاع أسعار الهيليوم تظهر بوضوح خلال الأيام الماضية، إذ قال الرئيس التنفيذي لشركة "إيه كيه إيه بي إنرجي" (AKAP Energy)، أنيش كاباديا، إن البيانات الأولية تشير إلى أن الأسعار الفورية ارتفعت بنحو 50% منذ بداية الأزمة.
وأضاف أن استمرار الاضطرابات قد يدفع أسعار الهيليوم إلى إعادة اختبار مستويات النقص السابقة التي تجاوزت 2000 دولار لكل 1000 قدم مكعبة.
ووفق تقديرات شركة "إندكس بوكس"، فإن توقف الإمدادات لمدة 30 يومًا قد يرفع أسعار الهيليوم بنسبة تتراوح بين 10 و20%، في حين قد يؤدي توقف لمدة 60 إلى 90 يومًا إلى ارتفاعات تصل إلى 50%.
وتزيد الخصائص الفيزيائية للهيليوم من تعقيد السوق العالمية، إذ يُشحن عادة في صورة غاز مسال شديد البرودة داخل حاويات خاصة.
وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة "أفانتي" لتطوير الهيليوم، كريس باكر، أن هذه السلعة تمتلك ما يشبه "مدة صلاحية".
وقال: "عند إسالة الهيليوم وشحنه عالميًا، يكون أمامك نحو 45 يومًا فقط لإيصاله إلى المستهلك النهائي قبل أن تبدأ خسائر التبخر"، وهذا يعني أن تعطّل الإمدادات لمدة طويلة قد يخلق اختناقات كبيرة في السوق العالمية.

القطاعات الأكثر تأثرًا
في حالات النقص الشديد، عادةً ما يُعطي الموردون الأولوية للقطاعات الحيوية عند توزيع الكميات المتاحة من الهيليوم.
وتشمل هذه القطاعات أنظمة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات وصناعة الصواريخ والتقنيات الدفاعية، التي يُتوقع أن تحصل على كامل احتياجاتها تقريبًا.
أما الصناعات الأخرى مثل الرقائق الإلكترونية فقد تحصل على نحو 95% من احتياجاتها، في حين قد تواجه الاستعمالات الأقل أولوية مثل معدات اللحام والغوص وبالونات الاحتفالات تخفيضات أكبر.
وحذّر نائب في البرلمان الكوري الجنوبي مؤخرًا من أن الحرب في الشرق الأوسط قد تؤثر في إمدادات المواد الحيوية لصناعة الرقائق الإلكترونية، مشيرًا إلى الهيليوم بوصفه إحدى هذه المواد.
الهيليوم في الجزائر
يمثّل الهيليوم في الجزائر فرصة مع تزايد الاضطرابات في السوق، إذ قد يجد منتجو الهيليوم خارج قطر فرصة لتعزيز حضورهم في السوق العالمية.
وتبلغ القدرة الإنتاجية لمصانع الهيليوم في الجزائر نحو 50 مليون متر مكعب سنويًا، ما يجعلها ثالث أكبر دولة من حيث القدرة الإنتاجية بعد الولايات المتحدة وقطر.
ويُستخرج الهيليوم في الجزائر خلال عمليات معالجة الغاز الطبيعي المسال، خاصة من المنشآت المرتبطة بحقل حاسي الرمل، أحد أكبر حقول الغاز في العالم.
كما تمتلك الجزائر ثالث أكبر احتياطيات مؤكدة من الهيليوم عالميًا، إذ تُقدَّر بنحو 8.2 مليار متر مكعب، بعد الولايات المتحدة وقطر.
وتشير قاعدة بيانات منصة الطاقة المتخصصة إلى أن الإنتاج العالمي من الهيليوم بلغ نحو 180 مليون متر مكعب في عام 2024، بزيادة 4% مقارنة بنحو 176 مليونًا عام 2023، وجاءت الجزائر في المرتبة الرابعة بعد الولايات المتحدة وقطر وروسيا، وفق الترتيب الآتي:
- الولايات المتحدة: 81 مليون متر مكعب.
- قطر: 64 مليون متر مكعب.
- روسيا: 17 مليون متر مكعب.
- الجزائر: 11 مليون متر مكعب.
- كندا: 6 ملايين متر مكعب.
- الصين: 3 ملايين متر مكعب.
- بولندا: 3 ملايين متر مكعب.
ومع استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، يتوقع محللون أن تشهد سوق الهيليوم تحولات كبيرة خلال الأشهر المقبلة.
وفي حال طال أمد توقف الإمدادات القطرية، فقد تتجه الشركات الصناعية الكبرى إلى تنويع مصادر التوريد، ما قد يمنح منتجين مثل الجزائر وكندا والولايات المتحدة فرصًا أكبر لتعزيز حصتهم في السوق.
وتدفع هذه التطورات أسعار الهيليوم إلى مزيد من الارتفاع، خاصة إذا استمر تعطل الصادرات القطرية لمدة طويلة، ما قد يعيد رسم خريطة هذه السوق.
موضوعات متعلقة..
- قطر تربك صادرات الهيليوم العالمية.. والأنظار تتجه إلى الجزائر
- احتياطيات الهيليوم في الدول العربية.. وخريطة تحركات 4 بلدان (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- هل تصل أسعار النفط إلى 200 دولار إذا استمرت حرب إيران؟
- وكالة الطاقة الدولية تخفض توقعات الطلب على النفط.. وإنتاج الخليج يتراجع
- إنتاج مصر من الغاز.. بين الاكتشافات الجديدة والثقة بإدارة الملف (مقال)
المصادر..





