المقالاتأهم المقالاترئيسيةسلايدر الرئيسيةغازمقالات الغاز

إنتاج مصر من الغاز.. بين الاكتشافات الجديدة والثقة بإدارة الملف (مقال)

أحمد بدر

يشكّل إنتاج مصر من الغاز اليوم محور جدل سياسي واقتصادي واسع، مع تصاعد الرقابة البرلمانية وبدء أول استجواب لوزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، في توقيت تشهد فيه البلاد موجات متتالية من الاكتشافات الجديدة.

والتحرك الذي قاده عضو مجلس النواب عن حزب العدل النائب الدكتور محمد فؤاد، لم يكن مجرد أداة رقابية تقليدية، بل فتح نقاشًا أعمق حول فجوة التخطيط بين المستهدفات الحكومية والنتائج الفعلية على أرض الواقع.

وتكشف الأرقام أن إنتاج مصر من الغاز دخل مسارًا متراجعًا منذ عام 2022، مع انخفاض تدريجي من مستويات تراوحت بين 6.5 و7 مليارات قدم مكعبة يوميًا، إلى نحو 4 مليارات قدم مكعبة يوميًا بنهاية 2025.

وهذا المسار لم ينعكس فقط على ميزان الطاقة، بل امتد تأثيره إلى ملف الكهرباء والصناعة والموازنة العامة، ما يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لتعزيز الثقة بإدارة قطاع حيوي يمثل ركيزة للأمن الاقتصادي.

التخطيط وتراجع الأرقام

يطرح الاستجواب البرلماني تساؤلات مباشرة حول كيفية إدراج طاقات إنتاجية غير محققة ضمن خطط 2025–2026، وهو ما انعكس سلبًا على إنتاج مصر من الغاز وأربك حسابات الإمداد والاستهلاك في آن واحد.

وأحد أبرز الأمثلة يتمثل في حقل ظهر، الذي استهدفت الخطط الرسمية أن يضيف 230 مليون قدم مكعبة يوميًا، بينما لم يتجاوز الإنتاج الفعلي 130 مليون قدم مكعبة، بعجز يقترب من 43% مقارنة بالمستهدف.

وتُظهر بيانات حديثة أن إنتاج مصر من الغاز خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بلغ 4.04 مليار قدم مكعبة يوميًا، مقابل 4.14 مليارًا في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، بانخفاض شهري 2.4% وتراجع سنوي نحو 261 مليون متر مكعب.

وهذا التراجع لم يكن مفاجئًا بالكامل، إذ بدأت بوادره قبل تولّي الوزير الحالي منصبه، مع انخفاض متوسط الإنتاج خلال 2023 إلى نطاق 5.5–6.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، ثم إلى 4.8 مليارًا خلال الأشهر الأولى من 2024.

وخلال المدة بين يونيو/حزيران 2024 ونهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، واصل إنتاج مصر من الغاز الانخفاض ليستقر قرب 4 مليارات قدم مكعبة يوميًا، وهو أدنى مستوى في سنوات، رغم التعهدات بتحقيق انعكاس سريع في المنحنى الإنتاجي.

وتوضح بيانات "جودي" أن نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي 2025 سجّل ثالث أقل معدل إنتاج خلال العام، بعد فبراير/شباط ويونيو/حزيران، ما يعكس استمرار الضغوط على الحقول القديمة في ظل بطء دخول طاقات جديدة مؤثرة.

وعند المقارنة السنوية يتبين أن متوسط الإنتاج خلال الأشهر الـ11 الأولى من 2025 بلغ 4.1 مليار قدم مكعبة يوميًا، مقابل 4.8 مليارًا في الفترة نفسها من 2024، ما يعكس فجوة يصعب تجاهلها في معادلة العرض والطلب.

ويوضح الرسم البياني الآتي -الذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة- إنتاج مصر من الغاز الطبيعي شهريًا بين عامَي 2022 و2025:

إنتاج مصر من الغاز الطبيعي شهريًا

سفن التغويز وفاتورة الاستيراد

لم يكن إنتاج مصر من الغاز معزولًا عن ملف سفن التغويز العائمة، التي رُوّج لها بوصفها حلًا سريعًا لأزمة الصيف، قبل أن تتحول إلى عبء مالي نتيجة التأخيرات والغرامات اليومية.

ووفق ما ورد في الاستجواب، تراوحت غرامات التأخير بين 100 و150 ألف دولار يوميًا، مع تكلفة شهرية قاربت 12 مليون دولار دون تحقيق عائد تشغيلي فعلي في التوقيتات المعلنة.

وهذا الوضع دفع إلى تضخم فاتورة الواردات، إذ ارتفعت إلى نحو 21 مليار دولار خلال 2025، مقارنة بنحو 12 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 9 مليارات دولار خلال عام واحد.

وفي ظل هذه الضغوط، أصبح إنتاج مصر من الغاز عاملًا حاسمًا في تخفيف الضغط على الموازنة وميزان المدفوعات، خاصة مع لجوء الهيئة العامة للبترول إلى تمويل خارجي نحو 1.455 مليار دولار لتغطية الاستيراد.

كما انعكست الأزمة على القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، التي واجهت خفضًا أو توقفًا جزئيًا للإنتاج، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الوقود البديل في قطاع الكهرباء.

وتُظهر بيانات الاستهلاك أن الغاز المستعمل في توليد الكهرباء والتدفئة بلغ 3.118 مليار متر مكعب في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بانخفاض شهري طفيف، لكنه أعلى سنويًا نحو 402 مليون متر مكعب مقارنة بالمدة نفسها من 2024.

وهذا التباين بين الاستهلاك والإنتاج يعمّق الفجوة، ويجعل استعادة التوازن مرهونة بتسريع وتيرة الحفر والتنمية بدلًا من الاعتماد المتزايد على الأسواق الخارجية.

جانب من متابعة وزير البترول لاستعداد استقبال سفينة إعادة التغويز
جانب من متابعة وزير البترول الاستعداد لاستقبال سفينة إعادة التغويز - الصورة من وزارة البترول والثروة المعدنية

الاكتشافات الجديدة ورهان التعافي

على الرغم من الصورة الضاغطة فإنه لا يخلو المشهد من مؤشرات إيجابية، إذ تعوّل الحكومة على سلسلة اكتشافات حديثة لدعم إنتاج مصر من الغاز خلال 2026 وما بعدها.

فقد أضافت شركات خالدة ودسوق والعامة للبترول نحو 47 مليون قدم مكعبة غاز يوميًا و4300 برميل نفط من خلال 5 آبار جديدة، في مؤشر على تحرك ميداني لتعويض التناقص الطبيعي.

كما سبقتها اكتشافات لشركات خالدة وثروة وبرج العرب، أضافت إنتاجًا فوريًا للشبكة، في حين برز حقل شمال صفا بخليج السويس ببدء الإنتاج من بئر "الوصل-4" بمعدلات واعدة.

وتترقب السوق بدء الحفر في حقل غرب مينا بالبحر المتوسط بمعدل متوقع 160 مليون قدم مكعبة يوميًا، ما قد يشكّل دفعة مهمة إذا التزمت الجداول الزمنية المعلنة.

حقل غاز بحري في مصر
منصة بحرية للتنقيب عن الغاز - الصورة من شركة "إيه بي إل"

وفي السياق ذاته، تعمل الشركة الفرعونية على وضع بئر تنموية جديدة بطاقة 40 مليون قدم مكعبة يوميًا خلال الربع الثالث من 2026، مع التخطيط لحفر بئر عميقة بنهاية العام، بجانب تعاقدات جديدة لتطوير اكتشافات أحدث.

غير أن استدامة التعافي تبقى رهينة بسداد مستحقات الشركاء الأجانب، إذ التزمت الحكومة بسداد 5 مليارات دولار وتقليص المديونية إلى 1.2 مليار دولار بحلول يونيو/حزيران 2026، لتحفيز الاستثمارات.

وفي المحصلة، يظل مستقبل إنتاج مصر من الغاز عالقًا بين التخطيط وتسريع الاستثمار الفعلي، فالأرقام وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى مزيد من الاكتشافات التي من شأنها أن تعيد القطاع إلى مسار النمو المستدام.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق