إيرادات صادرات روسيا من النفط أمام اختبار.. كيف تأثرت بتقلبات السوق؟ (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* - ترجمة: نوار صبح

- إجمالي صادرات روسيا من النفط ومشتقاته ارتفعت إلى نحو 7.55 مليون برميل يوميًا
- في عام 2024 بلغ إجمالي صادرات النفط الروسية إلى الصين 108.469 مليون طن
- روسيا تركز على تحسين استدامة النظام وسلامة الحقول وكفاءة استخدام المصافي
- روسيا زادت من شحنات الغاز المسال إلى الصين في عام 2025
تتأثر إيرادات صادرات روسيا من النفط بانخفاض الأسعار العالمية وتقلبات السوق، يضاف إلى ذلك حزم العقوبات المتتالية الهادفة إلى تقليص هذه الإيرادات.
إزاء ذلك ينبغي قراءة أداء روسيا في قطاع الطاقة لشهر ديسمبر/كانون الأول 2025 ليس بوصفه بيانات شهرية، بل هو اختبار حقيقي لمدى متانة نموذج التصدير الذي اعتمد في زمن الحرب، وتطور إلى توازن مستدام، وإن كان مخفضًا.
ويشير أحدث تقرير لسوق النفط الصادر عن وكالة الطاقة الدولية إلى أن إيرادات صادرات روسيا من النفط الخام والمشتقات النفطية ارتفعت بشكل طفيف شهريًا لتصل إلى 11.35 مليار دولار.
في المقابل، يخفي هذا الارتفاع حقيقة إستراتيجية مهمة؛ إذ لا يزال هذا البند من الإيرادات أقل هيكليًا من حيث الأساس السنوي، ما يعكس نظام تصدير يتسم بشكل متزايد بانخفاض الأسعار، وإعادة توجيه الأسواق، وقيود الخدمات اللوجستية، بدلًا من الانهيار التام في الحجم.
حرب الطاقة
دخلت حرب الطاقة التي أعقبت عام 2022 مرحلتها الثانية، وتمحورت المرحلة الأولى حول حرمان روسيا من الأسواق والخدمات الغربية.
وتتمحور المرحلة الثانية حول تحديد الشروط التي لا تزال تُتداول بموجبها الجزيئات الروسية؛ من يشتريها، وبأي خصم، وعبر أي بنية تحتية، وتحت مظلة التأمين والتنفيذ.
وتُظهر بيانات روسيا لشهر ديسمبر/كانون الأول 2025 أن العقوبات كانت أكثر فاعلية في تقليص هامش الربح من إلغاء الأهمية.

صادرات النفط الروسية
تُظهر الأرقام التي نشرتها وكالة الطاقة الدولية لشهر ديسمبر/كانون الأول 2025 ارتفاع إجمالي صادرات روسيا من النفط ومشتقاته إلى نحو 7.55 مليون برميل يوميًا، بعد انخفاضها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
ويُعدّ التركيب الداخلي مهمًا، فقد زادت أحجام صادرات النفط الخام، لكن صادرات المنتجات المكررة ارتفعت بشكل ملحوظ، بما يتماشى مع زيادة عمليات التكرير والسعي لتحقيق أقصى استفادة من البراميل في مراحل الإنتاج اللاحقة.
وصدرت روسيا 100.723 مليون طن من النفط إلى الصين خلال الأشهر الـ12 الأولى من العام الماضي، محققةً إيرادات بلغت 49.8 مليار دولار، بانخفاض يزيد عن 7% على أساس سنوي من حيث الحجم.
وتشير البيانات الصادرة عن سلطات البنك المركزي الصيني إلى أن الانكماش كان ماديًا ونقديًا على حد سواء.
وفي عام 2024 بلغ إجمالي صادرات النفط الروسية إلى الصين 108.469 مليون طن بقيمة 62.589 مليار دولار، ما يعني انخفاضًا بنحو 7.75 مليون طن، وتراجعًا في الإيرادات بنحو 12.8 مليار دولار خلال عام واحد.
ولا يعكس هذا التراجع فقدانًا لفرص الوصول إلى السوق، بل التأثيرات المشتركة لانخفاض الأسعار العالمية، واتساع الخصومات على النفط الروسي، وتعزيز موقف الصين التفاوضي كمشترٍ مهيمن.
وعلى الرغم من ذلك فإن الصين لا تزال ركيزة أساسية في منظومة صادرات النفط الروسية؛ إذ تستوعب ما يقارب مليوني برميل يوميًا، مدعومة ببنية تحتية طويلة الأجل مثل ممر "باور أوف سيبيريا"، ما يعزز النمط الذي تحافظ فيه روسيا على حجمها وأهميتها الإستراتيجية في السوق الصينية، حتى مع استمرار تراجع ربحية الوحدة.
ولا يُعدّ هذا انتعاشًا شكليًا وإنما يعكس تفضيلًا إستراتيجيا أصبح سمة مميزة للنموذج الروسي منذ تشديد العقوبات؛ ضمان استمرار تدفق المنتجات، والحفاظ على علاقات الشراء، وقبول الأسعار المخفضة بوصفها شروطًا لاستمرارية العمل.
من ناحيتها، تركز روسيا على تحسين استدامة النظام، وسلامة الحقول، وكفاءة استخدام مصافي التكرير، وتواتر الشحن، والاستمرارية المالية، بدلًا من التركيز على الربحية الإجمالية للوحدة.
انخفاض هوامش الربح
على الرغم من تحسن أحجام الإنتاج فإن مزيج الأرباح ظل محدودًا بسبب اتساع الخصومات وانخفاض أسعار البيع.
وتُعد هذه هي السمة الاقتصادية لمنتج يُصدّر في ظل احتواء جزئي، قد يصل النفط الخام والمشتقات النفطية إلى السوق، لكن البائع يحصل على حصة متناقصة من الإيراد النهائي.
ويظهر هذا التأثير الكلي في إيرادات التصدير وفي مؤشرات التبعية المالية.
تشير تقارير وكالة رويترز بشأن المالية العامة الروسية إلى انخفاض إيرادات موازنة النفط والغاز لعام 2025 بنسبة 24% إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2020، وأن أوائل عام 2026 يُتوقع أن تشهد مزيدًا من الضعف تحت وطأة انخفاض الأسعار وتأثيرات العملة.
وارتفعت صادرات روسيا من النفط والمشتقات النفطية بنسبة 9% تقريبًا في ديسمبر/كانون الأول 2025 مقارنة بنوفمبر/تشرين الثاني 2025، لتصل إلى 7.55 مليون برميل يوميًا.
وارتفعت إيرادات التصدير لتصل إلى 11.35 مليار دولار، رغم ذلك انخفضت إيرادات مبيعات النفط انخفاضًا طفيفًا إلى 8.62 مليار دولار (بانخفاض قدره 140 مليون دولار)، بينما ارتفعت إيرادات المشتقات النفطية -على النقيض من ذلك- إلى 4.52 مليار دولار (بزيادة قدرها 380 مليون دولار).
وهذا يمثل زيادة قدرها 250 مليون دولار مقارنةً بشهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وانخفاضًا قدره 3.21 مليار دولار مقارنةً بالعام الماضي.
وارتفعت صادرات النفط بمقدار 620 ألف برميل يوميًا الشهر الماضي لتصل إلى 7.55 مليون برميل يوميًا.
وفي الوقت نفسه ارتفعت صادرات النفط الروسية في ديسمبر/كانون الأول الماضي بمقدار 250 ألف برميل يوميًا لتصل إلى 4.91 مليون برميل يوميًا، ما عوض جزئيًا الانخفاض الذي شهدته في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
وبالمقارنة مع ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي بلغت الزيادة 450 ألف برميل يوميًا.
وارتفعت مبيعات المشتقات النفطية بمقدار 370 ألف برميل يوميًا مقارنةً بشهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وبمقدار 630 ألف برميل يوميًا على أساس سنوي لتصل إلى 2.63 مليون برميل يوميًا، نتيجة زيادة أحجام التكرير.
وتُعد النتيجة واضحة، يمكن لروسيا الحفاظ على صادرات الطاقة، ولكن يجب عليها أن تفعل ذلك مع استنزاف المرونة المالية، وهي الاحتياطي الذي مول تاريخيًا الاستقرار الداخلي وترسيخ النفوذ الخارجي.
نظام سقف أسعار النفط
تطورت بنية عقوبات الاتحاد الأوروبي من قيود ثابتة إلى آلية خصم متجددة، ففي يوليو/تموز 2025 خفض الاتحاد الأوروبي سقف أسعار النفط الخام، وأدخل آلية مراجعة ديناميكية مصممة للحفاظ على السقف هيكليًا دون مستوى سعر خام الأورال السائد.
وبحلول منتصف يناير/كانون الثاني 2026 تشير التقارير القانونية والصناعية إلى أنه تم تخفيض سقف الأسعار مرة أخرى إلى 44.1 دولارًا للبرميل بدءًا من 1 فبراير/شباط 2026، مع تعديلات متناسقة وجداول زمنية للتخفيض التدريجي، حسب ما هو موضح في إرشادات الامتثال.

ولا تكمن براعة سقف الأسعار الإستراتيجية في منعه لتدفق النفط الروسي، بل في إجباره روسيا على الاختيار بين:
- (أ) البيع بأقل من سقف محدد للوصول إلى الخدمات البحرية الخاضعة لسيطرة الغرب (التأمين، والتمويل، والوساطة، والتصنيف، والامتثال).
- (ب) العمل خارج هذا النظام، غالبًا عبر قنوات أكثر تكلفة ومخاطرة وأقل كفاءة.
عمليًا يدفع هذان المصدران الروس نحو خصومات أكبر لضمان مشترين راغبين يأخذون في الحسبان مخاطر العقوبات وعدم شفافية الخدمات اللوجستية، وترتيبات خدمات غير رسمية تزيد من تكاليف المعاملات، ومسافات نقل أطول وتعقيدات أكبر في الخدمات اللوجستية بين السفن، و"علاوة احتكاك" أعلى هيكليًا على كل برميل مُصدَّر.
ويُعدّ رد روسيا المتوقع -الرفض العلني لمبيعات الأسعار المحددة- بمثابة إشارة سياسية، وهو لا يُغيّر من طبيعة السوق التجارية؛ إذ لا يزال بإمكان البرميل ذي السعر المحدد أن يُباع، لكن هذا الحد يُساعد على تثبيت نطاق التفاوض عند مستوى أدنى، خاصةً عندما يكون العرض العالمي كافيًا.
سياق السوق العالمية
أكدت وكالة الطاقة الدولية أن عام 2026 سيظل على الأرجح يتسم بفائض كبير في العرض.
ويسلط تقرير وكالة رويترز عن تقرير سوق النفط الصادر عن وكالة الطاقة الدولية في يناير/كانون الثاني 2026 الضوء على فائض ضمني متوقع في العرض، مما يطمئن الأسواق ويكبح علاوات المخاطر الجيوسياسية.
ويمثل هذا سياقًا بالغ الأهمية بالنسبة لروسيا، ففي سوق تعاني فائضًا في العرض تتراجع القدرة التفاوضية للبرميل الهامشي، وتُدفع البراميل الخاضعة للعقوبات إلى أسفل سلم أولويات الاستحقاق؛ حيث تُباع بخصومات بدلًا من الاستفادة من ندرتها.
انضباط تحالف أوبك+
أوقف تحالف أوبك+ زيادات الإنتاج حتى أوائل عام 2026، لكن صورة العرض العامة لا تزال مُريحة.
بالنسبة لروسيا -التي تعمل ضمن أطر أوبك+ وتواجه في الوقت نفسه قيودًا فريدة من نوعها بسبب العقوبات- فإن هذا يخلق ضغطًا مزدوجًا؛ إذ يجب عليها الحفاظ على أحجام الإنتاج للدفاع عن إيراداتها، ولكنها تفعل ذلك في بيئة سعرية تُكافئ المشترين.
فنزويلا مثال افتراضي.. عندما يتحول "التقييد" إلى "حظر"
المثال المقابل هو فنزويلا، ففي ظل الإجراءات الأميركية وفرض نظام قيود بحرية أفادت رويترز بحدوث اضطراب شديد في عمليات التصدير الفنزويلية وإجبارها على إدارة الإنتاج.
وهذا الأمر ذو أهمية تحليلية لأنه يُبرز فرقًا إستراتيجيا: • يتم تجاهل روسيا وتتعرض فنزويلا للاضطراب.
وعلى الرغم من أن روسيا تستطيع إعادة توجيه التجارة (مقابل ثمن) فإن هشاشة العمليات في فنزويلا، والاضطرابات السياسية، وتعرضها لإجراءات إنفاذ القانون، تُترجم إلى شلل حاد في الصادرات.
في سوق لا تعاني فيه البراميل نقصًا يمكن استيعاب هذه الاضطرابات جزئيًا، ولكن بالنسبة للمنتج المستهدف يكون التأثير فوريًا؛ تراكم المخزونات، وخفض الإنتاج، وتقلب الإيرادات، وفقدان ثقة المشترين.
إعادة تشكيل صادرات منطقة أوراسيا
في حال كانت قصة النفط تتمحور حول "مرونة الحجم في ظل الخصم" فإن قصة الغاز/الغاز المسال تتمحور حول "إعادة ترسيخ إستراتيجي".
غاز الأنابيب: روسيا تُزاحم آسيا الوسطى تدريجيًا
تشير التقارير الجمركية الصينية إلى أن صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب إلى الصين ارتفعت بشكل كبير من حيث القيمة في عام 2025، ما وضع روسيا في مرتبة متقدمة على تركمانستان في هرمية موردي الغاز عبر الأنابيب للصينيين.
وارتفعت صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب للصين بنسبة 17.1% في عام 2025، لتصل إلى 9.41 مليار دولار، متجاوزة تركمانستان (8.41 مليار دولار، بانخفاض 12.1%).
وأعادت هذه الصادرات ترتيب هرمية الموردين لتتقدم على ميانمار (1.53 مليار دولار)، وقازاخستان (1.13 مليار دولار)، وأوزبكستان (نحو 773 مليون دولار).
الجدير بالذكر أن الجمارك الصينية لم تُفصح عن أحجام الغاز الفعلية عبر الأنابيب في السنوات الأخيرة، لكن اتجاه القيمة وحده يُشير إلى تزايد وزن روسيا في محفظة الواردات الصينية.
إستراتيجيًا، تقوم روسيا بـ3 أمور في آن واحد:
- أولًا: تقليل تعرضها للمخاطر التنظيمية الأوروبية من خلال توجيه الطلب شرقًا.
- ثانيًا: ترسيخ مكانتها في منطق أمن الطاقة الصيني، وهو مجال محدود التأثير للسياسات الغربية.
- ثالثًا: منافسة موردي آسيا الوسطى في سوق تستطيع الصين فيه استغلال المنافسة بين البائعين لتحسين شروطها.
من وجهة نظر بكين لا يُعد الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب مجرد سلعة، بل أداة تُعزز موقف الصين التفاوضي مع تركمانستان وقازاخستان وأوزبكستان، وتُعمّق في الوقت نفسه اعتماد روسيا على الطلب الصيني وقدرتها على تحمل الأسعار.
الغاز المسال
تشير التقارير الجمركية الصينية إلى أن روسيا زادت من شحنات الغاز المسال إلى الصين في عام 2025، وأن شحنات ديسمبر/كانون الأول الماضي شهدت نموًا ملحوظًا على أساس سنوي.
في عام 2025 عززت روسيا دورها كمورد للغاز يتوسع هيكليًا إلى الصين عبر قنوات الغاز المسال وخطوط الأنابيب، بقيادة رقم قياسي بلغ 9.799 مليون طن من الغاز المسال تم شحنها إلى السوق الصينية.
يأتي ذلك بزيادة قدرها 18.3% عن عام 2024 الذي بلغ 8.283 مليون طن وقفزة هائلة مقارنة بعام 2015 الذي بلغ 191 ألفًا و120 طن، ما يعني توسعًا بنحو 51 ضعفًا على مدى عقد من الزمان استنادًا إلى أرقام الجمارك الصينية.
وبلغت قيمة صادرات الغاز المسال 4.985 مليار دولار، وهو رقم ثابت تقريبًا وأقل بشكل طفيف من 4.988 مليار دولار المسجلة في عام 2024 (بانخفاض قدره 0.06%)، ما يؤكد نمطًا واضحًا لنمو الحجم وسط انخفاض الأسعار وليس ضعف الطلب.
وكان الارتفاع الكبير في أواخر العام لافتًا للنظر، ففي ديسمبر/كانون الأول 2025 استوردت الصين 1.909 مليون طن من الغاز المسال الروسي، بزيادة قدرها 114.6% على أساس سنوي مقارنة بـ889,482 طنًا في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وارتفعت فاتورة الاستيراد الشهرية إلى 819.315 مليون دولار، بزيادة قدرها 48.35% عن 552.248 مليون دولار، وهو تباين يعزز نفس الاستنتاج حول تفوق التدفقات المادية المتزايدة على الأسعار المحققة.
ويُظهر المسار الأطول تسارعًا في النطاق والترسخ، فقد ارتفعت شحنات الغاز المسال الروسي إلى الصين من 256.5 ألف طن (2016) و444.9 ألف طن (2017) إلى 734.4 ألف طن (2018)، ثم 2.5 مليون طن (2019)، و5.04 مليون طن (2020)، و4.5 مليون طن (2021).
يضاف إلى ذلك 6.55 مليون طن (2022)، و8.044 مليون طن (2023)، و8.283 مليون طن (2024)، والآن 9.799 مليون طن (2025)، وهو تراكم مطرد يتزامن مع توجه روسيا الأوسع نحو الشرق في مجال الطاقة.
في غضون ذلك أظهرت الصين قدرة متنامية على استيعاب الغاز المسال الروسي حتى في الحالات التي تستهدف فيها القيود الغربية مشروعات أو سلاسل خدمات.
وتكمن الأهمية الإستراتيجية للغاز المسال في أنه يمنح روسيا مرونةً لا توفرها خطوط الأنابيب:
- أولًا: يمكن إعادة توجيه الغاز المسال، ومزجه، وإعادة بيعه، وتغيير مساره بخيارات أوسع بكثير.
- ثانيًا: يسمح لروسيا بتحقيق إيراد مادي من الغاز حتى في ظل جمود السياسات المتعلقة بخطوط الأنابيب.
- ثالثًا: يوفر تحوطًا جزئيًا ضد انخفاض الطلب الأوروبي، حتى إن كان ذلك بأسعار مخفضة.
بالنسبة لروسيا يُعد الغاز المسال أداة "سائلة" لتعزيز نفوذها الطاقي في منطقة أوراسيا، فهو يُمكّنها من تحقيق توازن في السوق بطريقة لا تستطيع بنية خطوط الأنابيب تحقيقها.

معضلة الطاقة الثلاثية في أوروبا
لا تكمن المشكلة الأساسية لأوروبا ببساطة في "استبدال الغاز الروسي"، بل في المعضلة الهيكلية الثلاثية المتمثلة في الحفاظ على مصداقية العقوبات، وضمان أمن الإمدادات والحفاظ على القدرة على تحمل التكاليف والتنافسية الصناعية.
ويوضح تتبع واردات الغاز الأوروبية من قبل شركة بروجيل تنوع مزيج الواردات الأوروبية والأهمية الإستراتيجية المستمرة للغاز المسال.
ومن المتوقع أن تنخفض صادرات الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 30% لتصل إلى 38 مليار متر مكعب في عام 2025، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى توقف العبور عبر أوكرانيا.
في الوقت نفسه أصبحت الولايات المتحدة ثاني أكبر مورد للغاز إلى أوروبا (82.9 مليار متر مكعب) بعد النرويج فقط.
ويغطي الغاز المسال الأميركي حاليًا ما يقرب من 20% من استهلاك الاتحاد الأوروبي من الغاز، ولا يمكن لأوروبا التخلي عن هذه الكميات دون عواقب وخيمة.
وقد برزت نقطة ضعف جديدة، ألا وهي الاعتماد المتزايد على الغاز المسال الأميركي.
وتشير دراسة حديثة إلى أن تحول أوروبا بعد أوكرانيا قد خلق خط انكشاف إستراتيجيًا، لا سيما في ظل موقف أميركي قائم على المصالح المتبادلة، ويتعامل مع صادرات الطاقة بوصفها ورقة ضغط في مفاوضات سياسية أوسع.
وتُعد هذه هي النقطة الحاسمة؛ إذ لم تتخلص أوروبا من التبعية، بل أعادت تقييمها وإعادتها إلى الوطن في إطار علاقة سياسية مختلفة.
اتجاهات سوق الغاز المسال
من المتوقع أن يرتفع المعروض العالمي من الغاز المسال في عام 2026 نتيجةً لزيادة كبيرة في القدرة الإنتاجية، ما سيؤثر في الأسعار في كل من أوروبا وآسيا.
للوهلة الأولى يبدو هذا نبأ سارًا لأوروبا؛ إذ من المفترض أن تُقلل زيادة المعروض من الغاز المسال من تقلبات الأسعار.
لكن من الناحية الإستراتيجية يعني هذا ما يلي:
- أولًا: تصبح أوروبا أكثر عرضةً لدورات المنافسة العالمية في سوق الغاز المسال، وليس فقط لسياسات خطوط الأنابيب الروسية.
- ثانيًا: تصبح مرونة الطلب في آسيا (خصوصًا الصين والهند) عاملًا حاسمًا في استقرار الأسعار الأوروبية.
- ثالثًا: تزداد القيمة الجيوسياسية لـ"شحنات التأرجح"، وهي الشحنات التي يمكن توجيهها نحو المنطقة التي تُقدم إيرادًا صافيًا أعلى.
في ظل سيناريو احتكاك عبر الأطلسي يُمكن أن تُصبح الشحنات الأميركية أداة ضغط، بينما تُصبح شحنات الشرق الأوسط بديلًا عنها، ما يزيد من تأثر أوروبا بعلاوات المخاطر في الشرق الأوسط.
خيار خط أنابيب نورد ستريم
ينبغي فهم رسالة موسكو المتكررة -"بأن تدفقات الطاقة الروسية يمكن استئنافها إذا خُففت العقوبات وأُعيد تأهيل البنية التحتية"- على أنها حرب سردية إستراتيجية وليست خطة تجارية قصيرة الأجل.
والهدف هو إبقاء النقاش الأوروبي قائمًا بشأن إمكان رفع العقوبات وخفض تكاليف الطاقة من خلال "التطبيع".
وحتى إن كان الغاز الروسي من المحرمات السياسية فإنه يبقى قريبًا هيكليًا، وفي ظل ضغوط صناعية أو صدمات في الأسعار المحلية قد يصبح هذا القرب عاملًا مُقنعًا سياسيًا.
ولا يكمن الخطر في أن "تقرر أوروبا العودة إلى الوراء"، بل في أن يضعف تماسكها لدرجة تسمح بانتشار الاستثناءات والحلول البديلة والتبريرات الثنائية.
المكسب الإستراتيجي لأذربيجان
بدأت شركة "سوكار SOCAR" الأذربيجانية بتزويد ألمانيا والنمسا بالغاز في يناير/كانون الثاني 2026، موسعةً بذلك نطاق وصول أذربيجان إلى أوروبا، ومؤكدةً استمرار نضوج منطق ممر الغاز الجنوبي.
في نهاية عام 2025 صدّرت أذربيجان الغاز إلى 14 دولة أوروبية، وارتفع هذا العدد إلى 16 دولة بحلول يناير/كانون الثاني 2026.
وقد تكون الكميات المُصدّرة إلى كل دولة على حدة متواضعة مقارنةً بإجمالي الطلب الأوروبي، لكن من الناحية الجيوسياسية تُقدّم أذربيجان 3 مزايا إستراتيجية:
- أولًا: القبول السياسي مقارنةً بروسيا.
- ثانيًا: القرب الجغرافي مقارنةً بشحنات الغاز المسال.
- ثالثًا: التوافق مع إستراتيجية التنويع الأوروبي.
عمليًا تُصبح أذربيجان "عامل استقرار" للمحفظة الأوروبية، فهي ليست كبيرة بما يكفي لتحل محل الغاز المسال، لكنها ذات أهمية كافية لدعم رسائل التنويع وتوفير أمان إضافي لخطوط الأنابيب.
التقييم الإستراتيجي
غالبًا ما يُساء فهم إستراتيجية روسيا في مجال الطاقة، فتُصوَّر على أنها ارتجالية. والأصح وصفها بأنها سياسة دولة تكيفية في ظل ضغوط الإيرادات، مبنية على ثلاثة أركان:
أولًا: الأهمية من خلال مرونة حجم الصادرات
وتحافظ روسيا على جاذبيتها التصديرية من خلال ضمان استمرار تدفق الصادرات، حتى لو اقتضى ذلك البيع عبر قنوات مخفضة.
وهذا يقلل من احتمالية الانهيار المالي المفاجئ، ويحافظ على أهميتها الجيوسياسية في الدول المستوردة.
ثانيًا: الخصومات بوصفها استثمارًا جيوسياسيًا
وتشتري روسيا فعليًا استمرار الوصول إلى الأسواق من خلال الخصومات.
بالنسبة للمستوردين تصبح البراميل الروسية أرخص وذات فائدة إستراتيجية، إذ تدعم أمنهم الطاقي المحلي، وتمنحهم نفوذًا في التعامل مع الموردين الآخرين.
ثالثًا: تحالف الطاقة بين روسيا والصين
يُعدّ تعميق روسيا لتحالفها الطاقي مع الصين هو الخطوة الهيكلية، فهي تُضحي بالربحية مقابل الاستدامة، وتقبل مشترٍ (الصين) يتمتع بالقوة الكافية لفرض شروطه، ولكنه في الوقت نفسه متحالف سياسيًا بما يكفي لضمان استقرار الطلب.

التوقعات لعام 2026
ستتحدد المرحلة المقبلة بشكل أقل بالعقوبات المعلنة وأكثر باتجاهات ثانوية:
أولًا: تشديد الإجراءات على الخدمات البحرية والوسطاء
تعتمد فاعلية الحد الأقصى للعقوبات على مصداقية الامتثال ومدى نطاق الإنفاذ، وتُعد التحديثات القانونية وتحديثات الامتثال المتعلقة بفترات التخفيض التدريجي والأنظمة المتوافقة مهمة؛ لأنها تُشكل سلوك السوق ومستوى تقبّل المخاطر.
ثانيًا: استمرار فائض العرض العالمي
في حال تحققت توقعات وكالة الطاقة الدولية بشأن الفائض فستبقى روسيا عالقة في دوامة الاعتماد على الخصم.
ثالثًا: التماسك السياسي لأوروبا في ظل ضغوط التكاليف
يُعد موقف أوروبا من الطاقة في نهاية المطاف مسألة سياسية داخلية، فالناخبون يختبرون مستويات الأسعار، وليس هياكل العقوبات.
رابعًا: دور الصين بوصفها مُمتصة ومُحددة للأسعار
تكمن الميزة الهيكلية للصين في قدرتها على استيعاب الإنتاج الروسي مع فرض شروط الاستيعاب، ومع مرور الوقت قد يتطور ذلك إلى علاقة اعتماد غير متكافئة جديدة.
خامسًا: وفرة الغاز المسال الجديدة - والوضع الجيوسياسي الجديد
وفي حال تحقق التوسع في إمدادات الغاز المسال بحلول عام 2026 فقد ينخفض تقلب الأسعار، لكن النفوذ الجيوسياسي على اتجاه الشحنات سيزداد.
تأثير العقوبات على روسيا
تؤكد بيانات روسيا لشهر ديسمبر/كانون الأول 2025 الحقيقة الأساسية لنظام الطاقة ما بعد 2022، العقوبات تُقيّد الإيرادات بشكلٍ أكثر فاعلية من إلغاء أهميتها.
وهندست موسكو توازنًا تصديريًا قابلًا للاستمرار قائمًا على مرونة حجم الصادرات، والخصومات الإستراتيجية، وإعادة هيكلة منطقة أوراسيا بشكل متسارع، لا سيما من خلال خطوط أنابيب الصين وقدرتها على استيعاب الغاز المسال.
في الوقت نفسه لا يزال أمن الطاقة الأوروبي مُعرّضًا للخطر، فقد تحوّل الاعتماد نحو الغاز المسال ونحو الشروط السياسية للتحالف عبر الأطلسي، بينما يُقوّض الخلاف الداخلي بشأن التكلفة والقدرة التنافسية نقاء الإجماع على العقوبات.
وتُبيّن المكاسب التدريجية لأذربيجان القيمة السياسية المُضافة لـ"الأنواع المقبولة"، لكنها لا تلغي هشاشة أوروبا أمام دورات الغاز المسال العالمية.
ولم يُحسم الصراع في مجال الطاقة بعد، بل أُعيدت هيكلته ليصبح صراعًا طويل الأمد بشأن الخصومات، وإنفاذ العقوبات، والبنية التحتية، والتحالف، حيث تُحدّد الآفاق الزمنية، لا العناوين الرئيسة، من يدفع الفاتورة الإستراتيجية في نهاية المطاف.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- العقوبات على صادرات النفط الروسية تؤثر في أسواق الطاقة العالمية.. أبرز التداعيات (مقال)
- إيرادات صادرات النفط الروسية تواصل هبوطها.. آسيا طوق نجاة
- صادرات النفط الروسية تهدد الدنمارك بكارثة بيئية.. ناقلات الظل بلا رقيب
اقرأ أيضًا..
- المعادن الحيوية في أفريقيا تعزز الجهود العالمية لتحول الطاقة (تقرير)
- قفزة بصادرات أميركا من الغاز المسال في 2025.. ودولة عربية ترفع وارداتها 250%
- حقول النفط والغاز في موريتانيا.. أبرز المعلومات عن الاحتياطيات والإنتاج (ملف خاص)





