أنسيات الطاقةالتقاريرتقارير النفطسلايدر الرئيسيةنفط

هل يلبي النفط الفنزويلي الطلب العالمي بعد 3 سنوات؟ أنس الحجي يجيب

أحمد بدر

ما يزال النفط الفنزويلي في قلب الجدل العالمي حول مستقبل الإمدادات، وسط توقعات بزيادة الطلب وتراجع الإنتاج في دول عديدة، ما يُثير تساؤلات جوهرية بشأن قدرة فنزويلا على سد الفجوة خلال السنوات المقبلة، بعيدًا عن الضجيجَيْن السياسي والإعلامي المتصاعدَيْن.

وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن الأرقام المتداولة عن دور فنزويلا في إغراق الأسواق أو التحكم بالأسعار تتجاهل حقائق الطلب العالمي ومعدلات النضوب.

وقال إن النفط الفنزويلي لا يمكن تقييمه بمعزل عن الصورة الكاملة للسوق، إذ إن العالم بعد 3 سنوات سيواجه زيادة كبيرة في الطلب تقابلها خسائر ضخمة في الإنتاج القائم، ما يجعل أي زيادة محتملة من فنزويلا محدودة التأثير، ولا ترقى إلى تغيير قواعد اللعبة في السوق العالمية.

وأشار الحجي إلى أن التركيز الإعلامي على فنزويلا يعكس سوء فهم لطبيعة صناعة النفط، التي تعتمد على الاستثمارات طويلة الأجل، وليس على قرارات سياسية آنية أو رغبات مُعلنة من زعماء دول.

جاءت تصريحات أنس الحجي في حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيّات الطاقة"، الذي يقدّمه على مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا) كل ثلاثاء، وجاءت بعنوان: "من فنزويلا إلى إيران.. كيف يعيد ترمب رسم خريطة النفط؟".

فجوة الطلب والنضوب العالميَّيْن

قال أنس الحجي إن الطلب العالمي على النفط سيزيد بعد 3 سنوات بنحو 3 إلى 4 ملايين برميل يوميًا، في وقت يخسر فيه العالم قرابة 12 مليون برميل يوميًا بسبب النضوب الطبيعي، ما يخلق فجوة ضخمة لا يمكن تعويضها بسهولة.

وأوضح أن الحديث عن زيادة إنتاج النفط الفنزويلي بمقدار مليون برميل يوميًا لا يغيّر الصورة الكلية، لأن العالم يحتاج بشكل فعلي إلى إضافة ما يصل إلى 15 مليون برميل يوميًا فقط للحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية دون أي نمو.

وأضاف أن أي تصور عن إغراق الأسواق أو خفض أسعار النفط اعتمادًا على إنتاج فنزويلا وحدها يعكس جنونًا تحليليًا، لأنه يتجاهل أساسيات العرض والطلب وحجم التحدي الحقيقي الذي تواجهه صناعة النفط على المستوى العالمي.

أسعار النفط

وأشار أنس الحجي إلى أن إنتاج مليون برميل إضافي من النفط الفنزويلي يتطلّب استثمارات لا تقل عن 20 مليار دولار، متسائلًا عن مصادر هذا التمويل، ومن سيتحمل مخاطره في دولة تعاني عدم استقرار سياسي واقتصادي.

وأكد أن شركات الطاقة الكبرى قد تملك القدرة المالية، لكن القرار الاستثماري لا يرتبط بتوافر المال فقط، بل بجدوى المشروع، مقارنة بفرص أخرى في مناطق أكثر استقرارًا وأكثر ربحية في الوقت نفسه.

ولفت إلى أن زيادة إنتاج النفط الفنزويلي لن تكون إضافة صافية للسوق، وإنما ستأتي غالبًا على حساب استثمارات كانت ستُضخ في مناطق أخرى، ما يعني أن الأثر النهائي على المعروض العالمي محدود.

وشدد مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة على أن الأرقام وحدها كافية لإسقاط كل الشائعات المُتداوَلة عن قدرة فنزويلا على تغيير موازين سوق النفط العالمية خلال مدة قصيرة من الزمان.

مزاعم حاجة المصافي الأميركية

قال أنس الحجي إن إحدى الشائعات الرائجة تربط اهتمام ترمب بالنفط الفنزويلي بحاجة المصافي الأميركية في خليج المكسيك إلى الخام الثقيل، موضحًا أن هذه المصافي فعلًا مصممة لمعالجة نفوط ثقيلة ومتوسطة حامضة.

وأضاف أن الولايات المتحدة الأميركية تستورد يوميًا نحو 6 ملايين برميل نفط خام من هذه الأنواع، لكن ربط ذلك بفنزويلا تحديدًا غير صحيح، ويخدم أجندات سياسية وإعلامية أكثر مما يعكس واقع السوق.

وأوضح أن نحو 63% من هذه الواردات تأتي من كندا، التي توفر ما يزيد على 4 ملايين برميل يوميًا من نفط ثقيل مناسب تمامًا لتلك المصافي، في حين لا تتجاوز واردات النفط الفنزويلي 170 ألف برميل يوميًا.

مصفاة نفط مملوكة لشركة إكسون موبيل في مدينة باتون روج بولاية لويزيانا الأميركية
مصفاة نفط مملوكة لشركة إكسون موبيل في مدينة باتون روج بولاية لويزيانا الأميركية – الصورة من بلومبرغ

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن المصافي الأميركية استغنت سابقًا عن النفط الفنزويلي دون أي مشكلات تشغيلية، لأن النفط الكندي يتمتع بمزايا بنيوية لا تتوافر في أي مكان آخر على مستوى العالم.

وأكد أن البنية التحتية المشتركة بين كندا والولايات المتحدة من أنابيب ومضخات تُعد الأكبر عالميًا، وتخدم احتياطيات نفطية ضخمة تصل إلى 170 مليار برميل من النفط الخام بمعدلات نضوب منخفضة جدًا.

ولفت إلى أن تكلفة النفط الكندي أقل من خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنحو 13 دولارًا للبرميل، ما يجعله خيارًا اقتصاديًا مثاليًا للمصافي داخل الولايات المتحدة مقارنة بالمخاطر المرتبطة بفنزويلا.

وختم الدكتور أنس الحجي حديثه في هذا الجزء بالقول إن الحديث عن اعتماد أميركا على النفط الفنزويلي يتجاهل منطق الاستثمار والعقلانية الصناعية التي تحكم قرارات المصافي والشركات.

ما يريده ترمب فعليًا من فنزويلا

قال أنس الحجي إن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن السيطرة على النفط الفنزويلي فُسرت خطأ على أنها مرتبطة بتغذية المصافي الأميركية، وهذا الربط غير دقيق ولا ينسجم مع التجربة التاريخية للولايات المتحدة.

وأوضح أن تجربة العراق بعد عام 2003 تقدم مثالًا واضحًا، إذ لم يكن الهدف من السيطرة على النفط العراقي إمداد السوق الأميركية بهذا النفط الخام، وإنما كان تجريد نظام صدام حسين -القائم حينها- من مصدر قوته المالية.

وأشار إلى أن حماية حقول النفط ووزارة النفط في العراق، مقابل ترك مؤسسات أخرى، غذّت الاعتقاد الشعبي الخاطئ بأن واشنطن جاءت من أجل النفط العراقي فقط، في حين كان الواقع أكثر تعقيدًا وإستراتيجية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب - الصورة من سي إن إن

وأكد أنس الحجي أن الولايات المتحدة أدركت أن السيطرة على منابع النفط تعني التحكم في قدرة أي نظام على البقاء، وذلك من خلال حرمانه من الإيرادات التي تمول الجيش والموظفين والدولة.

ولفت إلى أن هذه الإستراتيجية لا تنطبق على ما قاله الرئيس دونالد ترمب بشأن فنزويلا ونفطها، لأن السياقَيْن السياسي والاقتصادي مختلفان، ولأن التصريحات جاءت دون إطار عملي واضح.

وأضاف أن تفسير كلام ترمب بوصفه خطة متكاملة تخص السيطرة على النفط الفنزويلي يعكس إسقاطات خاطئة، تتجاهل أن السيطرة على هذا القطاع ليست هدفًا بحد ذاتها، بل أداة سياسية في سياقات محددة.

وختم خبير اقتصادات الطاقة تصريحاته بأن النفط الفنزويلي سيبقى ورقة في الخطاب السياسي، لكنه لن يكون الحل السحري لأزمات السوق العالمية، ولا الأداة التي تلبي الطلب العالمي خلال السنوات المقبلة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق