تقارير الكهرباءتقارير منوعةسلايدر الرئيسيةكهرباءمنوعات

الفحم في الهند.. أزمات مستمرة بين الاحتكار واستنفاد الاحتياطيات (تقرير)

هل تنجح في الوفاء بأهدافها المناخية؟

دينا قدري

تعاني الهند أزمة متفاقمة، وسط انقطاع متكرر للتيار الكهربائي نتيجة نقص الفحم، ما أعاد إلى طاولة النقاش مسألة استمرار اعتماد البلاد على الفحم لتوليد الكهرباء، حتى عقب تقدمها الملحوظ في مجال الطاقة المتجددة.

إذ ما تزال الهند تعتمد على الفحم في 70% من إجمالي توليد الكهرباء، كما تُعد ثاني أكبر منتج ومستهلك للفحم بعد الصين، ما يضع البلاد تحت ضغوط مستمرة قبيل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ كوب26 في غلاسكو. المشكلة أن أهم الصناعات في الهند، والمهمّة لأي تطور اقتصادي وتوسع في البنية التحتية وزيادة الصادرات، كثيفة الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الفحم والكهرباء المولدة من الفحم، وأهمها الحديد والصلب والإسمنت. هذا الواقع يجعل الهند تعارض مقترحات مؤتمر المناخ كوب26.

وتستعرض منصة "الطاقة" في هذا التقرير عوامل تراجع إنتاج الفحم في البلاد، بدايةً من احتكار شركة الفحم المملوكة للدولة "كول إنديا"، مرورًا باستنفاد الاحتياطيات الهائلة، ونقص واضح في الواردات، فضلًا عن زيادة استهلاك الكهرباء.

احتكار كول إنديا

أمّمت الهند مناجم الفحم بين عامي 1971 و1973، بعد أن كان الكثير من إنتاج الفحم في الهند ما بعد الاستقلال مملوكًا للقطاع الخاص، وثبت أن النمو في الإنتاج كان بطيئًا وأقل من 2% سنويًا قبل السبعينيات.

ووُضعت الشركات الخاصة تحت نطاق شركة كول إنديا، التي تشكلت بوصفها مشروع قطاع عام في نوفمبر/تشرين الثاني 1975.

وتمتلك الشركة 7 شركات تابعة مملوكة لها بالكامل لإنتاج الفحم، وأخرى استشارية لتخطيط المناجم، حسبما أفادت منصة "لايف منت".

في عامي 2020-2021، بلغ إجمالي الفحم الذي أنتجته كول إنديا 596.2 مليون طن، وهو ما يزيد قليلًا على 83% من إجمالي 716.1 مليون طن منتجة في البلاد.

أحد مناجم الفحم في الهند
أحد مناجم الفحم في الهند

احتياطيات الفحم

تمتلك الهند خامس أكبر احتياطيات مؤكدة من الفحم في العالم، وهو ما يكفي لاستمرارها لأكثر من قرن.

وفي أبريل/نيسان 2020، كان لدى الهند 344 مليار طن من احتياطيات الفحم. وأشار التقرير السنوي لشركة كول إنديا لعامي 2020-2021 إلى أن الاحتياطيات كافية لتلبية الطلب لعدة قرون، وفقًا لمعدل الإنتاج المحلي.

إلا أن الطلب على الفحم الذي جرى الوفاء به يتناقص على مر السنين، ففي 2020-2021، جرت تلبية 86.1% فقط من الطلب على الفحم، وهو ما يرجع أساسًا إلى انخفاض الإنتاج في البلاد.

وفي العقد بين 2010-2011 و2020-2021، انخفض إنتاج الفحم في الهند إلى أدنى مستوى له على الإطلاق إلى 3.3% سنويًا، ويمكن أن يُعزى جزء من هذا التباطؤ إلى جائحة فيروس كورونا التي أدّت إلى تقلص الإنتاج في 2020-2021.

ولم تتمكن كول إنديا من توسيع إنتاج الفحم بالسرعة الكافية، نظرًا إلى عدم قدرتها على بدء مناجم فحم جديدة.

إذ أشار التقرير السنوي لـ2020-2021 إلى أن 114 مشروعًا للفحم بقدرة 836.5 مليون طن برأسمال 1.2 تريليون روبية هندية تُعد في مراحل مختلفة من التنفيذ، من بينها 75 مشروعًا قيد التنفيذ في الموعد المحدد، و39 مشروعًا سيجري تأخيرها.

ويرجع ذلك إلى التأخير في إزالة الغابات، وامتلاك الأراضي التي يجب استخراج الفحم منها، وإعادة تأهيل الأشخاص الذين يعيشون على تلك الأرض وإعادة توطينهم.

كول إنديا - شركة الفحم الهندية
ناقلات تفريغ في مناجم الفحم - أرشيفية

واردات الفحم

تقع معظم مناجم الفحم في شرق الهند ووسطها، في حين هناك حاجة إليه في جميع أنحاء البلاد، ومن هنا جاءت أهمية الواردات.

إذ يُمكن أن تكون تكاليف النقل كبيرة، فالسكك الحديدية الهندية -التي تنقل الجزء الأكبر من الفحم داخل البلاد- تستخدم عائدات الشحن لدعم سفر الركاب.

وبين عامي 2012-2013 و2020-2021، لبّت واردات الفحم ما يزيد قليلاً على خُمس الطلب، وأصبحت الواردات من إندونيسيا -بصفة خاصة- مهمة للغاية.

ففي 2020-2021، استوردت الهند 92.5 مليون طن أو نحو 43% من إجمالي وارداتها من الفحم من إندونيسيا.

وبين أبريل/نيسان وأغسطس/آب 2021، بلغت واردات الفحم من إندونيسيا 31.8 مليون طن فقط، بانخفاض 34.3% من 48.4 مليون طن خلال المدة ذاتها من عام 2019.

وكان هذا في المقام الأول بسبب الأمطار في إندونيسيا، وهو السبب الرئيس وراء النقص الأخير في الفحم.

وقد أدّى هذا إلى انخفاض إجمالي الواردات بنسبة 12.5% إلى 94.9 مليون طن خلال المدة من أبريل/نيسان إلى أغسطس/آب في عام 2021، مقابل 108.5 مليون طن خلال المدة ذاتها من عام 2019.

ولم يُستبدل بهذا الانخفاض واردات من دول أخرى، بسبب ارتفاع أسعار الفحم على المستوى العالمي.

وقف استيراد الفحم

على الرغم من ذلك، أعلنت الهند توقفها عن استيراد الفحم الحراري، بدءًا من السنة المالية المقبلة، أي أبريل/نيسان 2022.

وقال وزير الفحم والمناجم الهندي، برالهاد جوشي: "واجهت البلاد نقصًا في الفحم الحراري لبعض الوقت بسبب استمرار هطول الأمطار وارتفاع تكاليف الاستيراد.. لكننا نجحنا في تلبية الطلب على إمدادات الفحم بالاحتياطيات المتاحة في البلاد".

وأضاف -في حديثه للصحفيين-: "لقد قررنا الاستفادة من الاحتياطيات الهائلة من الفحم في البلاد والتوقف عن الاستيراد بدءًا من السنة المالية المقبلة"، حسبما نقلت صحيفة "ديكان هيرالد".

تشغيل محطات الفحم

في محاولة للسيطرة على الوضع، طالبت وزارة الكهرباء الهندية جميع وحدات توليد الكهرباء القائمة على الفحم في جميع الولايات بالتشغيل بكامل طاقتها، مشددة على أن أسعار الكهرباء سترتفع حال عدم زيادة التوليد إلى القدرة المتاحة، حسبما أفادت صحيفة "ذا نيو إنديان إكسبريس".

كما نصحت الوزارة جميع وحدات التوليد القائمة على الفحم بالحفاظ على مخزونها منه، للوفاء بالتزاماتها وضمان توافر المحطات لتلبية الطلب على الكهرباء، وفقًا لمتطلبات الشبكة.

وقالت الوزارة: "إذا كانت إمدادات الفحم المحلية أقل من المتطلبات، فقد يجري مزجها بالفحم المستورد بنسبة تصل إلى 15%".

زيادة قطارات الفحم

من جانبها، تعمل السكك الحديدية الهندية على زيادة عدد عربات شحن الفحم، وسط النقص الذي تعانيه محطات توليد الكهرباء الحرارية.

وقال مسؤول في السكك الحديدية المركزية: "ندير 59 قطارًا لعربات الشحن، كل عربة تحمل 60-75 طنًا من الفحم. كل قطار يحمل نحو 5 آلاف طن من الفحم".

وأوضحت مصادر أن اجتماعات عُقدت يوميًا لمراقبة الجدول الزمني لقطارات الفحم هذه مباشرة من مجلس السكك الحديدية، وفقًا لما نقلته صحيفة "فري برس جورنال".

الهند
محطة توليد الكهرباء بالفحم في الهند

الكهرباء والفحم

ارتفع الطلب على الكهرباء في الهند بين أبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول من هذا العام بنسبة 13%، مقارنةً بالمدة نفسها قبل عام، و3.1% مقارنةً بالمدة نفسها من عام 2019، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على الفحم.

وعلى الرغم من الاهتمام المتزايد بالطاقة المتجددة، شكلت الكهرباء القائمة على الفحم 53% من إجمالي الكهرباء المنتجة في الهند في 2020-2021، بتراجع من 55.1% في 2005-2006.

وفي الواقع، من غير المرجح أن يتغيّر هذا الاعتماد على الفحم في السنوات المقبلة.

إذ أوضح التقرير السنوي لـ كول إنديا: "بما أن الهند تهدف إلى زيادة قدرتها على توليد الكهرباء في السنوات المقبلة، فمن المتوقع أن يأتي جزء كبير من السعة من الفحم نفسه".

وأكد أنه من المتوقع أن تظل حصة الفحم في مزيج الطاقة الإجمالي مرتفعة عند 48-54% حتى بعد عام 2030.

الرياح والفيضانات

أرجع البعض الأزمة في الهند إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء وتقلبات الأسعار العالمية، ما أدى بدوره إلى نقص حاد في الفحم، وبالتالي التهديد بانقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع.

إلا أن ارتفاع الأسعار على مستوى العالم لا يُعد السبب الوحيد في الأزمة التي تشهدها الهند، حسبما أفادت منصة "إن بي آر".

فقد أوضح اقتصادي الطاقة، فيبهوتي غارغ، أن البلاد شهدت نوعًا من الرياح الموسمية الممتدة خلال شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول.

وأشار إلى أن إنتاج الفحم تأثّر بسبب الفيضانات في المناجم، ما أدى بدوره إلى تأخير شحنات الفحم عبر الشاحنات.

الانبعاثات الكربونية - الدول

خفض الانبعاثات.. والطاقة المتجددة

في ظل هذه الأوضاع، يظل السؤال المطروح: ما مدى نجاح الهند في الوفاء بالتزاماتها المناخية، بعد أن حددت هدفًا لخفض كثافة الانبعاثات بنسبة 33-35% بحلول عام 2030، لتوليد نحو 40% من الكهرباء من مصادر متجددة؟

وتُعد الهند ثالث أكبر مصدر لانبعاثات الكربون في العالم، وأسهمت بنسبة 7% من الانبعاثات العالمية في عام 2019، بعد الصين والولايات المتحدة المسؤولتين عن 27% و14% من الانبعاثات على التوالي.

وعلى الرغم من أنها تمكنت من إنشاء رابع أكبر هيكل للطاقة المتجددة في العالم، فإن هذا لا يعني تلقائيًا أن الدولة ستتوقف عن حرق الفحم في أي وقت قريبًا، إذ سيكون للتخلص التدريجي من الفحم -أرخص مصدر للكهرباء في الهند- تداعيات كبيرة على اقتصاد البلاد.

وقد أعلنت الحكومة -مؤخرًا- أنها ستصل إلى هدف توليد 175 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2022، معربة عن أملها في تحقيق هدف عام 2030 المتمثل في تحقيق 450 غيغاواط من الطاقة المتجددة المركبة -بما في ذلك الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية- بحلول عام 2030.

وعلى الرغم من أن الطاقة المتجددة أصبحت تنافسية من ناحية التكلفة مقارنة بالفحم، فإن هدف 450 غيغاواط سيتطلب استثمارات كبيرة، ومساحات واسعة من الأراضي، والتسعير المناسب والحوافز المالية.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى