المقالاترئيسيةمقالاتنفط

فاندانا هاري تكتب: شيطنة الوقود الأحفوري لن تحقق الحياد الكربوني

التحوّل إلى الطاقة الخضراء لا يعني القضاء على الوقود التقليدي

ترجمة حازم العمدة

اقرأ في هذا المقال

  • حملات نشطاء البيئة حماسية وعاطفية ولا تقدم رؤية متزنة لانتقال سلس نحو مستقبل منخفض الانبعاثات
  • الأمير عبد العزيز بن سلمان يقدم رؤية شجاعة ومتعمقة تنطوي على تفكير عملي بشأن الطاقة وأزمة المناخ
  • هناك ما يشبه بسور الصين العظيم بين رؤية عالم أكثر اخضرارا وبين استخدام الوقود الأحفوري
  • إنتاج الوقود الأحفوري مسؤول عن 10% فقط من الانبعاثات

مع تزايد صخب الدعوات إلى وقف استخدام الوقود الأحفوري -لاسيّما النفط والفحم- وسيلةً لحلّ المشكلات البيئيّة في العالم، يتبادر إلى الذهن سؤال، ربّما لم يفطن إليه كثير من المتحمّسين للانتقال إلى الطاقة الخضراء: هل نخلط الحابل بالنابل، أو نرمي الصالح مع الطالح؟

ربّما تأتي هذه الدعوات التي يرى مطلقوها أنّها لا تحتمل النقاش، ويحاولون فرضها بشتى السبل، نتيجة المبالغة في تبسيط علم تغيّر المناخ المعقّد لتسهيل فهمه للناس، بيد أن شيطنة الوقود الأحفوري قد لا تُصعِّب فقط جهود كبح انبعاثات الكربون العالمية، بل ستترك العالم أيضًا دون موارد طاقة كافية، في رحلة طويلة ومؤلمة نحو بدائل صديقة للبيئة.

وفي ظلّ هذا الصخب الهائل، من يمتلك الشجاعة ليقف في وجه هذه الدعوات لتهذيبها، ويعرض رؤية أكثر اتّزانًا، تنطوي على تفكير عملي يكفل الانتقال السلس إلى مستقبل أخضر؟.

تعزيز الهيدروكربونات الصديقة للبيئة هو الحلّ الأمثل لأزمات المناخ

الحقيقة أنّنا أقمنا ما يشبه سور الصين العظيم بين رؤية عالم أكثر اخضرارًا وبين استخدام الوقود الأحفوري التقليدي الذي لبّى معظم احتياجات الطاقة في العالم، منذ بداية القرن الـ20.

دون أصوات ذات مصداقية كافية، تتحدّى الرواية الشعبية التي يغلب عليها الحماسة والعاطفة، سيميل الناس إلى تجاهل النقاط المقابلة التي يقدّمها المستشارون والخبراء في صناعة النفط والغاز، لكونها تصبّ في مصلحة الصناعة، في المقام الأوّل.

الرؤية السعوديّة

في هذا الصدد، كان من المثير للإعجاب والاهتمام أن نرى وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، يأخذ على عاتقه القضيّة، عندما سُئل عن مشاركة رؤيته بشأن الانتقال إلى اقتصاد “منخفض الكربون”، وتناول القضيّة بشجاعة ورؤية متعمّقة في مؤتمر الطاقة رفيع المستوى الذي استضافته سنغافورة، الشهر الماضي.

قال الأمير عبدالعزيز بوضوح: “نحن لا نؤمن باقتصاد منخفض الكربون.. إنّما نؤمن باقتصاد منخفض الانبعاثات”.

لابدّ من معالجة وسائل وتقنيات الاستهلاك وعدم تركيز السهام على النفط والفحم

وأوضح الوزير -الذي يمثّل أكبر دولة مصدّرة للنفط الخام في العالم- أن انبعاثات الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري لا تقتصر على ثاني أكسيد الكربون الناجم عن حرق الوقود الأحفوري، مشيرًا إلى أن العديد من الغازات الضارّة الأخرى تأتي من مجموعة متنوّعة من المصادر، ويجب التعامل معها جميعًا ، وليس التركيز فقط على الكربون.

في السياق ذاته، شدّد الأمير عبدالعزيز على أن الكربون -مثل أيّ مادة أخرى- يمكن التقاطه وتخزينه وتحويله إلى منتجات مفيدة، بدلًا من إطلاقه في الغلاف الجوّي.

وبالرغم من أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الوقود الأحفوري والعمليات الصناعية تشكّل نحو 65% من غازات الدفيئة، فإن الميثان وأكسيد النيتروز -يعرف أيضًا بأكسيد النيتروجين الثنائي، أو أحادي أكسيد ثنائي النيتروجين- ومجموعة الغازات المفلورة الأخرى -التي تشمل مركّبات الكربون الهيدروفلورية، ومركّبات الكربون المُشبع بالفلور، وسداسي فلوريد الكبريت- تسهم في الاحتباس الحراري.

كما تعدّ الأنشطة الزراعية وإدارة النفايات والعمليات الصناعية والتبريد مصادر رئيسة لغازات الدفيئة. يشار إلى أن الغازات المفلورة أكثر فاعلية بصفتها عاملًا من عوامل الاحتباس الحراري من ثاني أكسيد الكربون.

مجرّد خيار

الحقيقة أن استبدال الوقود الأحفوري بمصادر طاقة أنظف إحدى الطرق لتقليل انبعاثات الكربون، لكنّها مجرّد وسيلة واحدة من بين العديد من الخيارات.

ولا تعدّ كهربة قطاع النقل علاجًا شاملا للأزمة البيئيّة، إلّا إذا جرى إنتاج الكهرباء اللازمة لتشغيل كلّ تلك المركبات دون تلويث الهواء.

صحيح أن العالم يواصل تنمية طاقة الرياح والطاقة الشمسية، لكن هناك قيود طبيعية تمنعهما من أن يتحمّلا العبء الأساس لتوليد الكهرباء.

سيظلّ توليد الطاقة باستخدام الفحم ضروريًا للعالم النامي، لاسيّما في آسيا، لتلبية احتياجات الطاقة المتزايدة بسرعة لسكّان حسّاسين للأسعار ودفع النموّ الاقتصادي.

استبدال الوقود الأحفوري بمصادر طاقة أنظف مجرّد وسيلة لخفض الانبعاثات

وبالرغم من أن أنواع الوقود عديمة الانبعاثات -مثل الهيدروجين- قيد التطوير، لكن الجدوى الاقتصادية لهذه المصادر وتكلفتها لم تثبت بعد ، فضلًا عن أن الإطار الزمني لتوافرها بكمّيات كبيرة غير مؤكّد إلى حدّ كبير.

عندما يتعلّق الأمر بتأمين مصادر الطاقة، لا يمكننا تحمّل الانخراط فقط في تفكير قائم على الأمنيات والطموحات، أو التفكير في خيارات مزدوجة.

إن خطر التركيز الشديد على النظر إلى ما هو أبعد من الوقود الأحفوري يكمن في أنّنا سنفتقد الابتكار التكنولوجي الذي يمكن أن يسهم في حلّ الأزمة، وتحقيق الاستخدام الأكثر استدامة للنفط والغاز والفحم، وتوفير أمن الطاقة.

يتحدّث برنامج الأمم المتّحدة للبيئة عن “الكفاءة المادّية”، ويقترح الحدّ من الانبعاثات الكبيرة من صناعات الحديد والخرسانة من خلال الابتكار في الموادّ المستخدمة، واستبدال الموادّ، وإطالة العمر الافتراضي للمنتجات والهياكل، وإعادة استخدام المكوّنات، وإعادة التدوير عالية القيمة.

الاقتصاد الدائري

في الواقع، تنطبق العناصر الـ4 التي يقوم عليها مفهوم الاقتصاد الدائري على استغلال النفط والغاز والفحم، تمامًا مثل الموارد الأخرى، وتهدف إلى تقليل انبعاثات الكربون أيضًا.

والاقتصاد الدائري هو نظام اقتصادي يهدف إلى القضاء على الهدر والاستخدام المستمرّ للموارد. تستخدم الأنظمة الدائرية إعادة الاستخدام والمشاركة والإصلاح والتجديد وإعادة التصنيع وإعادة التدوير لإنشاء نظام حلقة مغلقة، ما يقلّل استخدام مدخلات الموارد إلى الحدّ الأدنى، ويخفّض انبعاثات النفايات والتلوّث وانبعاثات الكربون.

ينبغي تشجيع الابتكار التكنولوجي لتحقيق استخدام أكثر استدامة للنفط والغاز والفحم وتوفير أمن الطاقة

ومع استهداف الوقود الأحفوري من قبل نشطاء البيئة، بهذه النظرة الضيقة، يتوقّف جذب تمويل البحث والتطوير التكنولوجي. ولا يحظى الوقود الأحفوري أيضًا باهتمام كافٍ من قطاعي الشركات والحكومة، وهو الأمر الذي قد يساعد في الحفاظ على ملاءمته واستجابته للاحتياجات المتغيّرة.

لقد عانى احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه -وهي تقنية واعدة تزيل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الضارّة من الغلاف الجوّي في مواقع محطّات الطاقة أو في عمليات التصنيع- من التبنّي البطيء والاستثمار الهزيل، على مرّ السنين.

تتصاعد الغالبية العظمى من الانبعاثات العالمية من الوقود الأحفوري في مرحلة الاستهلاك، بينما ينطلق نحو 10% فقط منها أثناء الاستخراج والمعالجة والنقل، وفقًا لوكالة حماية البيئة الأميركية، وهذا يضع عبء الحدّ من الانبعاثات على قطاعات النقل الجوّي والمائي والبرّي، ومستخدمي الكهرباء في الصناعات، بما في ذلك الحديد والصلب والغذاء والتبغ والكيماويات والبتروكيماويات، وكذلك قطاعي التصنيع والبناء.

رؤية ضيّقة

مع ذلك، تُوجَّه السهام إلى صناعة النفط والغاز، التي تجتذب قدرًا غير متناسب من الاهتمام، وتتلقّى اللوم عن ظاهرة الاحتباس الحراري التي تسبّبها بالفعل مجموعة متنوّعة من القطاعات التي تحرق الوقود.

تفتقر الرؤية الضيقة لتحوّل الطاقة إلى فهم الدورة الكاملة للطاقة والانبعاثات الناتجة على طول الطريق، فالكثيرون ينظرون إلى السيّارة الكهربائية نموذجًا للنقل “الأخضر” الصديق للبيئة، دون الانتباه إلى مدى نظافة أو مقدار التلوّث الناجم عن الطاقة اللازمة لإنتاج مثل هذه السيّارة.

يحتاج العالم إلى نهج شامل في التعامل مع ملّف الطاقة والانبعاثات. وفي الوقت الذي توجّه فيه الحكومات بعض حزم التحفيز الاقتصادي الخاصّة بها إلى مبادرات الطاقة الخضراء وإستراتيجيات لتحقيق الحياد الكربوني، على المدى الطويل، ينبغي عليها أيضًا تشجيع المشروعات والبحوث والتقنيات التي تعزّز الهيدروكربونات الصديقة للبيئة، على طول الطريق، بدءًا من استخراجها من الآبار، ونقلها إلى المستهلك النهائي، وحتّى خلال استخدامها في السيّارات ووسائل النقل.

نُشر المقال في الأصل بمؤسّسة “نيكي إشيا”

*فاندانا هاري هي مؤسّسة مركز “فاندا إنسايتس” المعني بأسواق الطاقة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى