التقاريرتقاريررئيسيةسلايدر الرئيسيةنفط

السعودية.. كيف أصلح ولي العهد ووزير النفط سفينة أوبك المتهالكة؟

بسياسة العصا والجزرة ومواقف أكثر صرامة

ترجمة: حازم العمدة

اقرأ في هذا المقال

  • السعودية أجبرت أبناء أوبك الضالين على العودة إلى رشدهم
  • روسيا عادت إلى السرب بعدما أدركت أن ضريبة حرب الأسعار والمواقف الأحادية باهظة
  • بصمات محمد بن سلمان والأمير عبد العزيز كانت كفيلة بضبط إيقاع أوبك وأسواق النفط
  • الرياض تتخلى عن الدبلوماسية الهادئة وتتحول إلى التهديد المباشر بحرب أسعار شاملة تستهدف المتقاعسين
  • نجاح أوبك على المدى القريب في إدارة السوق العديد يواجه عقبات

جيم كرين* ومارك فينلي**

ظنّ الكثيرون أن منظّمة أوبك فقدت بوصلتها، وتهالكت سفينتها، وسط أمواج هائجة وأزمات نفطية عاصفة، في ظلّ الاضطرابات الشديدة في أسواق النفط، جراء تفشّي فيروس كورونا، وما تبعه من انهيار كارثي في الطلب، فضلًا عن حرب الأسعار القصيرة بين السعودية وروسيا.. لكن المنظّمة تمكّنت من لملمة جراحها، وأصلحت، ليس فقط سفينتها المتهالكة، كما يتصوّر بعضهم، بل ضبطت -ولو بشكل نسبي- إيقاع أسواق النفط.. وكانت بصمات ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وأخيه الأمير عبد العزيز، واضحة للجميع، في إعادة المنظّمة إلى مسارها الصحيح، واستعادة دورها الحقيقي ونفوذها.. وفي سبيل تحقيق ذلك، اتّبعت الرياض سياسة العصا والجزرة، لتصبح لها الكلمة العليا في نهاية المطاف، وتكون رمّانة الميزان في أوبك..

هذا ما خلص إليه الكاتبان جيم كرين، ومارك فينلي، في مقال ترجمته ونشرته منصّة "الطاقة"، بالتنسيق مع الكاتبين، وبإذن من صحيفة فوربس الأميركية.

فيما يلي نصّ المقال:

منذ وقف حرب الأسعار الكارثية بين المملكة العربية السعودية وروسيا، بعد خمسة أسابيع من اندلاعها، لم تقم منظّمة أوبك فقط بإصلاح سفينتها التي بدت متهالكة، متحدّيةً جولة أخرى من التعليقات حول زوالها، ولكن يبدو أنّها أصلحت أيضًا أسواق النفط العالمية، وضبطت إيقاعها نسبيًا، وسط انهيار غير مسبوق في الطلب على النفط، جراء تفشّي فيروس كورونا المستجدّ، والتدابير التي اتّخذتها حكومات العالم لاحتوائه.. وكأنّها تريد أن تعلن عن نفسها من جديد، في الذكرى الستّين لتأسيسها.

فجأة عاد أبناء أوبك الضالّون إلى رشدهم، ليس فقط من خلال الالتزام بحصص تخفيض إنتاج النفط، التي اتّفقت عليها أوبك وحلفاؤها، فيما يًعرف بتحالف أوبك+، بل في الامتثال بأكثر من المطلوب في بنود الاتّفاق، أو الوعد بالوفاء الكامل بالتعهّدات. وقد بلغت نسبة التزام أعضاء أوبك+ بتخفيض 9.7 مليون برميل يوميًا 108 ٪، في يونيو/حزيران، والذي نُفّذ بقيادة السعودية وحلفائها الخليجيّين، الذين خفضوا إنتاجهم بمعدّل مليون برميل إضافي في اليوم، عن الحصص المتّفق عليها،

لقد عادت موسكو والرياض تسيران جنبًا إلى جنب، وتتعاونان معًا، بهدف إعادة التوازن لأسواق النفط، بعدما أدركت موسكو أن ضريبة حرب الأسعار والمواقف الأحادية ستكون باهظة. ومن ثمّ انعكست هذه الروح على أسعار النفط، حيث ارتفعت سلّة أوبك، في يوم الجمعة الماضي، إلى 43 دولارًا للبرميل، كما لو أن السعودية قالت: "اقفزوا!"، فردّ باقي أعضاء أوبك+ "إلى أيّ مستوى؟"

كيف وصلنا إلى هنا؟

لعب الرئيس ترمب دورًا مفيدًا في حمل السعوديّين على وقف حرب الأسعار التي شنّتها في أبريل/نيسان، والتي تزامنت مع انهيار الطلب على النفط، جراء تفشّي فيروس كورونا.

ومنذ ذلك الحين، تشير التطوّرات إلى قيادة أكثر صرامة وكفاءة لأوبك+، وتظهر عليها بصمات ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، "الشابّ المستعجل"، واضحة، وكذلك بصمات أخيه غير الشقيق، وزير النفط الأمير عبد العزيز، الذي يوصف ب "التكنوقراط الملكي"، والذي يُظهر كثيرًا من الصرامة والقوّة.. هذه ليست القيادة السعودية الحذرة التي نشأنا معها، واعتدنا عليها.

في السابق، كانت المملكة تنتظر وصول البيانات بشأن تجاوز الحصص الإنتاجية، ثمّ تصعد ببطء ضدّ المتجاوزين، حيث تبدأ بالدبلوماسية الهادئة، إلى التشهير العامّ، إلى التهديد، تأتي بعدها حرب الأسعار ملاذًا أخيرًا. اختلف الأمر الآن، حيث جرى تجاوز كلّ المجاملات. فقبل أن تأتي أرقام الإنتاج في يونيو/حزيران، تخطّى الأمير عبد العزيز الخطوات المعتادة، وذهب مباشرة إلى التهديد بحرب أسعار شاملة أخرى.

ليس هذا فحسب، بل طالب الأمير عبد العزيز من الأعضاء غير الملتزمين بالحصص، بالتعويض، وهو ما يعني تخفيضهم الإنتاج بنحو 1.25 مليون برميل يوميًا إضافية، وهي الكمّيات التي تجاهلوا تخفيضها الشهرين السابقين. وبنبرة حاسمة، قال الأمير عبد العزيز: "ليس لدينا مجال -على الإطلاق- لعدم الامتثال". وبالفعل، نجحت هذه الإستراتيجية.

لقد أجبر السعوديون أنغولا ونيجيريا والعراق على الالتزام، ليس فقط بحصصهم، ولكن بمزيد من التخفيضات التي تعوّض ما أخلّت به في السابق. كانت أنغولا تزيد الإنتاج عن الحصص المقرّرة بواقع 90 ألف برميل يوميًا في مايو/أيّار، ونيجيريا بواقع 175 ألف برميل، والعراق بواقع 600 ألف برميل يوميًا. ودفعت روسيا كازاخستان -التي كان إنتاجها يتجاوز حصّة أوبك+ بـ 125 ألف برميل يوميًا- إلى الالتزام بنفس النهج.

العصا والجزرة

في هذا الواقع النفطي الجديد، تتبنّى الرياض سياسة العصا والجزرة. بيد أن موقفها الصارم مع العراق يتناقض مع تعيين المملكة سفيرًا جديدًا لدى بغداد، وملحقًا تجاريًا في سفارتها التي أعيد افتتاحها مؤخّرًا، بعدما أغلقتها لمدّة 25 عامًا، علاوةً على عدد كبير من وعود القروض والاستثمارات، والتي تتضمّن تمويل حقل غاز عكاس.

ومن غير الواضح ما إذا كانت المملكة قد قدّمت جزرة ساعدت في تغيير موقفي أنغولا ونيجيريا. ولكن -بالتأكيد- كانت هناك عصا، حيث حذّر الأمير عبد العزيز، مؤخّرًا، وفدي البلدين في أوبك، بقوله: "نحن نعرف من هم عملاؤكم". ففي بداية شهر يوليو/تمّوز، رفضت أنغولا، ليس فقط إجراء تخفيضات تعويضية، بل أيضًا الامتثال للحصّة المتّفق عليها في أوبك. ولكن، بعد بضعة أيّام، تغيّر الموقف تمامًا، وأعلنت أنغولا الالتزام الكامل. واتّصل ولي العهد السعودي بالرئيس النيجيري، محمد بخاري، في أواخر يونيو/حزيران، وتعهّدت أبوجا بالامتثال الكامل في ذلك الشهر.

ربّما تأثّرت أنغولا ونيجيريا بما فعلته السعودية في أبريل/نيسان، عندما شنّت حرب أسعار فورية. وعزّزت المملكة تهديدها بزيادة كبيرة في الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة، حيث وصل إلى 12 مليون برميل يوميًا، في الوقت الذي كان فيه الفيروس التاجي يدفع الطلب العالمي على النفط إلى السقوط الحرّ. وكان كلّ منتج للنفط على هذا الكوكب مرعوبًا، وليس فقط الأعضاء المتقاعسون في أوبك. وقد تكون هذه الرغبة من قبل السعودية في زيادة إنتاجها، هي العصا المسنّنة التي تدعم مطالب الأمير عبد العزيز للأعضاء المتخلّفين بالتعويض.

العوامل السياسية والتغيّر المناخي

الصورة الأكبر للأزمة تجعل الخروج على الاتّفاق أقلّ جاذبية. يميل منتجو النفط الذين لا تتّفق معهم السعودية، إلى التعثّر. فليبيا، ذلك العضو الذي كان عنيدًا في السابق، تمكّنت بصعوبة من إنتاج 90 ألف برميل يوميًا فقط، في مايو/أيّار، وسط حرب أهلية، أي خمسة بالمئة فقط من 1.8 مليون برميل يوميًا، كانت تنتجها عام 2010، بعد أن بدأت المملكة العربية السعودية والإمارات وروسيا في دعم قوّات شرق ليبيا (الجيش الوطني)، بقيادة الجنرال خليفة حفتر.

وتعرّضت فنزويلا وإيران -المنافستان للسعودية في منظّمة أوبك- لشلل شبه كامل في صناعة النفط، وخرجتا بنتائج كارثية. وتعود هذه الأزمة -بشكل أساس- إلى العقوبات الأميركية، والتي تفاقمت في حالة فنزويلا، بسبب سوء الإدارة الداخلية. أمّا قطر، فقد انسحبت من المنظّمة تمامًا. وللتدخّل الأميركي المباشر هدف مزدوج، وهو معاقبة الأنظمة المتمرّدة، ومكافأة الحلفاء بجزء من حصّة العضو المتمرّد في السوق.

ومن المتوقّع أن تزداد أوبك صرامة في تطبيق الحصص الإنتاجية، مع تآكل الطلب على النفط، نتيجة التغيّر المناخي، حيث إن الالتزام بالحصص الإنتاجية يصبح ذا أهمّية عالية.

ويواجه نجاح أوبك في إدارة السوق، على المدى القريب، العديد من العقبات، والتي تتضمّن -إذا استمرّت أسعار النفط بالارتفاع- انتعاش إنتاج النفط الصخري في الولايات المتّحدة.

مثلما هو الحال في كلّ منظّمة، واجهت مجموعة أوبك / أوبك+، -تاريخيًا- صعوبات في فرض ما جرى الاتّفاق عليه، ومع المنتفعين من تخفيض الآخرين للإنتاج، أو ما يسمّى بالركوب المجّاني (وهو الانتفاع من الخدمات أو السلع، دون المشاركة في تحمّل كلفتها أو مصاريف إنتاجها، ممّا يجعل هذا الانتفاع عبئًا اقتصاديًا على الآخرين). بالنسبة للرياض، فإن فوائد زيادة الانضباط واضحة للغاية. فهناك حاجة ماسّة لارتفاع أسعار النفط، لتمويل رؤية ولي العهد، محمد بن سلمان، لتطوير المملكة، كما إن الانضباط من قبل متجاوزي الحصص الإنتاجية، يجعلهم شركاء في الألم داخل أوبك، ومن ثمّ، لن تضحّي السعودية وحدها.

وفي هذا السياق، يطرح سؤال -في غاية الأهمّية- نفسه، هل وجدت السعودية أخيرًا "الخلطة السرّية؟" أم أن الانضباط اليوم - مدفوعًا بأكبر انخفاض على الإطلاق في الطلب على النفط - سيتلاشى جنبًا إلى جنب مع فيروس كورونا؟ من السابق لأوانه الجزم بذلك، لكن استعداد السعودية للتحرّك، بناءً على النجاح الأخير، يجعل المتقاعسين في أوبك يفكّرون مرّتين قبل تجاوز الحصص المقرّرة مرّةً أخرى.

في نهاية المطاف، فإن اللجوء المتكرّر لحرب الأسعار يقوّض رؤية أوبك في تخفيف الذبذبة في السوق، وجعلها أكثر استقرارًا وأقلّ ضبابية. في أسواق النفط، "قليل" من الجنون يقطع بنا شوطًا طويلًا.

*جيم كرين: خبير الطاقة في معهد جيمس بيكر بجامعة رايس، ومؤلّف كتاب (ممالك الطاقة)

** مارك فينلي: زميل الطاقة والنفط العالمي في معهد جيمس بيكر.

الوسوم
أسعار النفطأسواق النفطأوبكالسعوديةتخفيض الإنتاجعبد العزيز بن سلمانمحمد بن سلماننفط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى