
تواجه آسيا صدمة مزدوجة في أسواق النفط، عقب ارتفاع الأسعار فوق 100 دولار للبرميل، مع استمرار شح الإمدادات متأثرة بالتوترات الجيوسياسية.
وتهدد هذه الصدمة بكبح الطلب على الوقود، وتفاقم الضغوط التضخمية، ومخاطر النمو الاقتصادي، في منطقة تعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة، وفق التفاصيل التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.
ودفعت تطورات السوق الأخيرة الدول الآسيوية إلى تبني إستراتيجيات متنوعة لتعزيز مرونة قطاع الطاقة، تراوحت بين السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية وفرض سقف لأسعار الوقود المحلية.
وأشار المحللون إلى ظهور بوادر مبكرة لتراجع الطلب، وهي بوادر قد تتفاقم حدتّها ما لم تهدأ الصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا وتنخفض الأسعار، إذ قد يعوق ذلك جهود الدول الآسيوية لتأمين شحنات إضافية وبناء احتياطيات لضمان أمن الطاقة.
تأثير أسواق النفط في آسيا
تعليقًا على تطورات أسواق النفط العالمية، قال المدير التنفيذي لتحليلات النفط في شركة "إس آند بي غلوبال إنرجي سيرا" (S&P Global Energy CERA) بريماسيش داس: "تواجه آسيا صدمة مزدوجة تتمثل في ارتفاع الأسعار وانخفاض توافر الإمدادات الفعلية".
وتابع: "في الماضي كان تعديل الطلب يحدث بصورة أساسية نتيجة استجابة المستهلكين والشركات لارتفاع التكاليف، أما هذه المرة فالمنطقة لا تتعامل مع صدمة في الأسعار فحسب، بل مع صدمة في الإمدادات أيضًا".
كما قال: "ما نشهده اليوم هو في المقام الأول كبح للطلب وليس تدميرًا تامًا له، فالمستهلكون يقللون من استعمال المركبات، والصناعات تخفض معدلات التشغيل، والمصافي تقلص كميات المعالجة نظرًا لارتفاع التكاليف وشح المواد الخام".
وأشار "داس" إلى أنه حال تعافي الإمدادات وانخفاض الأسعار فسيعود جزء من ذلك الطلب، لكن طرح السؤال الأهم: ماذا سيحدث إذا استمرت الأسعار المرتفعة؟
يُذكر أن أسعار العقود الآجلة لخام برنت القياسي تسليم نوفمبر/تشرين الثاني 2026 تتداول في نطاق 106 دولارات للبرميل، بحلول الساعة 04:00 مساءً بتوقيت غرينتش (07:00 صباحًا بتوقيت مكة المكرمة)،
كما تتداول أسعار العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي تسليم أكتوبر/تشرين الأول 2026 ما بين 102 إلى 103 دولارات للبرميل، بحسب الأرقام التي تتابعها منصة الطاقة المتخصصة لحظيًا.
ووفقاً لمؤسسة "سيرا"، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط لمدّة طويلة قد يدفع الشركات إلى تحسين الكفاءة، ويشجع المستهلكين على تغيير أنماط إنفاقهم وسفرهم، كما يجعل البدائل -مثل السيارات الكهربائية- أكثر جاذبية.
ونتيجة لذلك، قد تتحول الانخفاضات المؤقتة في استهلاك النفط إلى تراجع دائم في الطلب، بحسب ما نقلته منصة "إس آند بي غلوبال" (S&P Global).

انخفاض إمدادات النفط من الشرق الأوسط
شهدت قارة آسيا شحًا في إمدادات النفط وغاز النفط المسال والنافثا، نتيجة انخفاض إنتاج النفط في الشرق الأوسط من نحو 24.8 مليون برميل يوميًا في الربع الرابع من عام 2025 إلى ما يقرب من 18.2 مليون برميل يوميًا في الربع الثالث من عام 2026، وفقًا لبيانات مؤسسة "سيرا" (CERA).
ونتيجةً لذلك، اضطرت شركات التكرير ومنتجو البتروكيماويات والمستهلكون إلى تعديل أوضاعهم بصورة متزامنة، إذ تركزت نسبة كبيرة من التغيرات في الطلب العالمي داخل قارة آسيا.
وتشير التقديرات إلى أنه من المتوقع أن ينخفض الطلب العالمي على النفط بنحو 2.4 مليون برميل يوميًا في عام 2026 مقارنةً بمستويات عام 2025، على أن تكون آسيا مسؤولة عن نحو 1.5 مليون برميل يوميًا من هذا الانكماش.
وقال المدير التنفيذي لتحليلات النفط في شركة "إس آند بي غلوبال إنرجي سيرا" بريماسيش داس: "في حين نتوقع بعض التعافي في الطلب خلال عام 2027، فإن وتيرة هذا التعافي ونطاقه سيعتمدان بصورة كبيرة على استعادة مستويات الإنتاج في الشرق الأوسط وعودة تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها".
وأظهرت البيانات أن نحو 75% من واردات آسيا من النفط الخام القادمة من الشرق الأوسط كانت تمر عبر مضيق هرمز في عام 2025.
وبحلول الربع الثالث من عام 2026، انخفضت هذه النسبة بصورة حادة لتتراوح بين 10% و20%، وفقًا لبيانات تتبع حركة السفن الصادرة عن خدمة "إس آند بي غلوبال كوموديتيز آت سي" (S&P Global Commodities at Sea).
تداعيات ارتفاع أسعار النفط
امتد تأثير وصول أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد استهلاك الوقود المباشر، وفق التقرير الذي نشرته "إس آند بي غلوبال".
فقد أدت تكاليف الطاقة المرتفعة إلى زيادة تكاليف الشحن والتصنيع والنفقات المنزلية، ما شكل ضغطًا على هوامش أرباح الشركات وأثار مخاوف من حدوث موجة تضخم أوسع نطاقًا، بحسب آراء محللين واقتصاديين ومصادر في قطاع الطاقة.
وقال كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في وكالة "إس آند بي غلوبال للتصنيفات الائتمانية" (S&P Global Ratings) فيشروت رانا: "تُعد آسيا مستهلكًا كبيرًا للطاقة ومنطقة تعتمد على استيراد الطاقة، ولذا فإن ارتفاع أسعار الطاقة يفرض ضغوطًا على اقتصادات القارة".
كما ارتفعت أسعار المنتجين بصورة حادة، ما جعلت الشركات الصغيرة والمتوسطة عرضة للمخاطر بصورة خاصة، نظرًا إلى محدودية قدرتها على التحكم في الأسعار وضعف احتياطياتها المالية.

وأشار رانا إلى أن الاقتصادات المستوردة للطاقة شهدت تدهورًا في أرصدة الحسابات الجارية، في حين عمدت الأسر -التي واجهت فواتير طاقة أعلى- إلى خفض نفقات أخرى.
ورغم هذه التحديات، تواصل آسيا إظهار قدرة على الصمود، إذ تماسكت معدلات النمو في العديد من الاقتصادات خلال النصف الأول من عام 2026، مدعومةً بقوة التجارة العالمية وقطاع التصنيع -لا سيما في السلع المرتبطة بالتقنية- في حين ظل الطلب المحلي مستقرًا إلى حد كبير.
وأضاف رانا: "بوجه عام، تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى إضعاف زخم آفاق النمو في آسيا".
ومن جانبه، قال المدير الإداري لقطاع النفط والغاز في شركة "سينيرجي كونسلتينغ" (Synergy Consulting) راجات كابور: إن الأثر الاقتصادي قد يكون حادًا بصورة خاصة بالنسبة إلى الدول التي تستورد معظم احتياجاتها من النفط.
وحدد كابور 3 مسارات رئيسة لهذه الضغوط:
- أولًا، قد تؤدي فاتورة استيراد النفط المرتفعة إلى توسيع عجز الحساب الجاري وإضعاف العملات المحلية، ما يجعل الشحنات اللاحقة أكثر تكلفة عند حسابها بالعملة المحلية.
- ثانيًا، تؤدي أسعار الوقود المرتفعة إلى زيادة التضخم بصورة مباشرة عند محطات الوقود، وبصورة غير مباشرة من خلال تكاليف الشحن وتكاليف الإنتاج الأخرى.
- ثالثًا، فإن الجهود الحكومية الرامية لحماية المستهلكين قد تؤدي ببساطة إلى نقل العبء المالي إلى جهات أخرى.
وقال كابور: "يمكن التعامل مع ارتفاع مؤقت في الأسعار ليتجاوز 100 دولار للبرميل، أما بقاء الأسعار عند هذا المستوى لعدة أرباع سنوية أخرى فسيشكل عائقًا ملموسًا أمام النمو الاقتصادي في آسيا".
موضوعات متعلقة..
- أسواق النفط خلال حرب إيران.. هرمز يغيّر خريطة الإمدادات وأميركا تتصدر الرابحين
- أنس الحجي: أسواق النفط لم تصدق ترمب.. وهذا أثر عقوباته ضد إيران
- أزمة البحر الأحمر وارتفاع أسعار النفط والغاز.. الحجي يكشف عما يغفله المحللون
نرشح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- أبرز اكتشافات الذهب والمعادن في سبتمبر 2026.. مفاجآت عربية وعالمية
- 7 دول عربية مرشحة لرفع أسعار الوقود قريبًا
المصدر:





