صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- النفط ما يزال مصدر إيران الرئيس للعملات الأجنبية المتاحة
- الصين اشترت ما معدّله 1.4 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني خلال عام 2025
- ناقلات نفط قديمة تنقل النفط الإيراني تحت أسماء وأعلام متغيرة باستمرار
- مكاتب الصرافة تربط إيرادات النفط بالمستوردين الإيرانيين والمشتريات العسكرية
تستعد صادرات النفط الإيرانية للتعامل مع عقوبات ترمب الاقتصادية المرتقبة بالوسائل المتاحة لديها، ويأتي ذلك وسط هشاشة منشآت الإنتاج ومواني التصدير في البلاد.
وتمثّل عقوبات "يوم الحسم الاقتصادي"، التي وعد بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد إيران، محاولةً لتحقيق ما عجزت عنه أشهر من الضغط العسكري، ألا وهو إجبار طهران على تغيير سياستها النووية وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، وذلك من خلال العزل المالي.
وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية لم تُفصح حتى الآن إلّا عن تفاصيل قليلة حول العمليات، من الواضح أنها تعتزم توسيع نطاق "عملية الغضب الاقتصادي" عبر معاقبة المشترين الأجانب والبنوك وشركات الشحن والوسطاء الذين يربطون إيران بالأسواق الدولية.
ومن المؤكد أن طهران تعاني من هشاشة اقتصادية، فقد فقدت عملتها جزءًا كبيرًا من قيمتها، وأدى التضخم إلى تدمير القدرة الشرائية للأسر، وما تزال صادرات النفط الإيرانية مصدرها الرئيس للعملات الأجنبية المتاحة.
الهشاشة والاستسلام
تجدر الإشارة إلى أنه لا ينبغي الخلط بين هشاشة إيران الاقتصادية والاستسلام الوشيك.
وبعد عقود من القيود، أنشأت طهران نظامًا تجاريًا موازيًا مكلفًا، ولكنه يتمتع بقدرة ملحوظة على التكيف.
وقد تُعمّق العقوبات الأزمة الاقتصادية الإيرانية وتُقيّد الموارد المتاحة للدولة، أمّا إمكان تحقيق استسلام سياسي سريع فهو مسألة أخرى.

نظام تهرب متطور ولكنه مكلف
أصبحت إيران أكثر كفاءة في التهرب من العقوبات، رغم أنها لا تستطيع التخلص من تكلفتها الاقتصادية. وبعد انهيار صادرات النفط الإيرانية خلال حملة الضغط القصوى الأولى التي شنّها ترمب، انتعشت مبيعات النفط الإيراني بشكل ملحوظ.
وتشير تقديرات شركة كبلر إلى أن الصين اشترت ما معدله 1.4 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني خلال عام 2025، واستحوذت على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحرًا.
واعتمد هذا التعافي على بنية تحتية بحرية ومالية متكاملة، إذ تنقل ناقلات نفط قديمة، مملوكة لشركات غير شفافة، النفط الإيراني تحت أسماء وأعلام متغيرة باستمرار.
وتتلاعب بعض السفن بإشارات نظام التعريف الآلي (AIS) أو تُعطّلها، وتجري عمليات نقل من سفينة إلى أخرى، وتقدّم وثائق شحن أو شهادات منشأ مزورة.
وقد تُخلَط الشحنات الإيرانية مع أنواع أخرى من النفط أو يُعاد تصنيفها على أنها منتجات من ماليزيا أو سلطنة عمان أو أيّ دولة أخرى.
واكتسبت عمليات النقل قرب الحدود الخارجية الشرقية لماليزيا أهمية خاصة، نظرًا للثغرات القضائية ومحدودية الرقابة التي تُعقّد عملية الإنفاذ.
بدورها، تُقرّ السلطات الماليزية بحدوث عمليات نقل مشبوهة قرب مياهها، لكنها ترى أن العديد منها يجري خارج نطاق ولايتها القضائية.
وتُشير توجيهات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوكالة أسوشيتد برس إلى أن عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، والتلاعب بنظام التعريف الآلي، والملكية غير الشفافة، والوثائق المزورة، تُعدّ من السمات المتكررة لصادرات النفط الإيرانية.
إيرادات النفط
تُنشئ شركات الصرافة الإيرانية -أو تُسيطر على- شركات واجهة ذات حسابات مصرفية أجنبية، ما يسمح للبنوك الخاضعة للعقوبات ومصدّري النفط والمؤسسات العسكرية بتلقّي المدفوعات وإعادة توجيهها دون تحويل إيرادات النفط علنًا إلى إيران.
وقد رصدت شبكة مكافحة الجرائم المالية (FinCEN) نشاطًا مصرفيًا إيرانيًا غير رسمي بقيمة تقارب 9 مليارات دولار أميركي خلال عام 2024، يشمل شبكات مُركّزة في الإمارات العربية المتحدة وهونغ كونغ وسنغافورة.
وأصبح اليوان الصيني محورًا أساسيًا في هذا النظام، إذ يُمكن استعمال إيرادات النفط المُحتفظ بها في الصين لتمويل الواردات الإيرانية أو تحويلها عبر شركات الصرافة والتجارة.
ويُقلّل نظام المقايضة من حاجة طهران إلى إعادة الأموال إلى البلاد بصورة كاملة: فقد أفادت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد حول إيران 2040 أن المقايضة مثّلت 32% من صادرات النفط في موازنة إيران لعامي 2025-2026، وكان من المتوقع أن تصل إلى 41% في عامي 2026-2027.
وتجري مقايضة النفط مقابل سلع وتكنولوجيا وخدمات بنية تحتية صينية، وغالبًا ما يشمل ذلك مُقاولين تابعين للدولة أو الحرس الثوري.
وتُضيف المدفوعات بالعملة المحلية، والتحويلات غير الرسمية على غرار نظام الحوالة، والعملات المشفرة، والتجارة التي تمرّ عبر تركيا والعراق والإمارات العربية المتحدة وشرق آسيا، طبقاتٍ من التعقيد.
ولا تخلو أيٌّ من هذه الآليات من التعقيد، إذ تتلقى إيران عملة أقل مرونة، وتقبل الخصومات، وتدفع للوسطاء، وتفقد الشفافية بشأن إيراداتها.
وفي الوقت نفسه، يتمتع النظام بقدرٍ كافٍ من اللامركزية يسمح له بالتعافي بعد فرض عقوبات على سفن أو شركات بعينها.

ضغوط واشنطن
إذا أرادت واشنطن إحداث اضطراب سريع، فيمكنها تشديد العقوبات على مصافي التكرير الصينية المستقلة، ووسطائها والمواني التي تتعامل مع شحناتها.
ويمكنها معاقبة جهات تسجيل السفن، وهيئات التصنيف، ومديري السفن، وموردي وقود السفن، وشركات التأمين التي تستمر في تقديم خدماتها للسفن غير المرخصة.
وقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على أكثر من 100 سفينة مرتبطة بإيران خلال عام 2026، ما يُظهر حجم الإجراءات وسرعة ظهور البدائل.
ويمكن أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تأخير الشحنات، وتعطيل البضائع، وإجبار التجّار على إعادة تنظيم أعمالهم.
ولا تُؤدي هذه العقوبات، بالضرورة، إلى حظر مستدام، فقد استمرت مصافي التكرير الصينية التي سبق فرض عقوبات عليها في معالجة النفط الخام الإيراني، في حين يمكن لشركات وهمية جديدة أن تحلّ محلّ الوسطاء المكشوفين.
ولذلك، تُسبّب هذه الإجراءات اضطرابًا مؤقتًا ما لم تُغلق واشنطن القنوات المالية واللوجستية التي تقف وراءها.
ويتطلب الضغط الأكثر استدامة اتخاذ إجراءات منسّقة ضد الشبكات بأكملها بدلًا من قوائم متتالية من ناقلات النفط.
وستحتاج واشنطن إلى تبادل معلومات استخباراتية فورية مع المواني الآسيوية، وتدقيق أكثر صرامة في وثائق الشحن، ومراقبةً أدق لعمليات نقل الأموال بين السفن، وفرض عقوبات على البنوك التي تحتفظ بحسابات لشركات واجهة.
تكتسب مكاتب الصرافة أهمية خاصة، لأنها تربط إيرادات النفط بالمستوردين الإيرانيين والمشتريات العسكرية.
وتشير وزارة الخزانة الأميركية إلى أن هذه الشبكات تُحوّل عشرات المليارات من الدولارات سنويًا، وتعمل غالبًا عبر الإمارات العربية المتحدة وتركيا وهونغ كونغ والصين.
وتتمثل الخطوة الأقوى والأكثر خطورة في تهديد المؤسسات المالية الصينية الكبرى بفقدان إمكان الوصول إلى مقاصة الدولار.
وقد يُثني ذلك البنوك عن معالجة المعاملات الإيرانية، ولكنه سيُحوّل العقوبات المفروضة على إيران إلى مواجهة مع بكين.
من جانبها، ترفض الصين القيود الأميركية الأحادية، في حين قد يُقاوم حلفاء واشنطن الإجراءات التي تُهدد إمدادات الطاقة أو الشحن أو الاستقرار المالي.
ويمكن أن يُؤدي الحظر الفعلي والحصار إلى خفض الصادرات بوتيرة أسرع بكثير من العقوبات التقليدية، لأنهما يمنعان ناقلات النفط من المغادرة بدلًا من مجرد رفع التكلفة القانونية لشراء شحناتها.
وقدّرت شركة كبلر أن واردات الصين من النفط الإيراني انخفضت إلى 785 ألف برميل يوميًا في يونيو/حزيران 2026، ثم تعافت قليلًا إلى 823 ألف برميل في يوليو/تموز المنصرم، قبل أن تتراجع إلى نحو 534 ألف برميل في أغسطس/آب الجاري، نتيجةً لتقليص الإمدادات المتاحة بسبب الحصار المتجدد.
وتُعدّ هذه الأرقام تقديرية، إذ يصعب رصد السفن التي تعمل دون إشارات تتبّع موثوقة.
ويُظهر الدليل نفسه قصور التدابير الاقتصادية البحتة: فالعقوبات تزيد التكاليف، وبينما يُمكن للتدخل العسكري أن يُعطّل صادرات النفط الإيرانية، فإنه لا يُؤدي أيٌّ منهما تلقائيًا إلى استسلام سياسي.
ويُنذر الحظر بخطر الردّ، وتعطيل حركة الشحن، وارتفاع أسعار الطاقة للولايات المتحدة وحلفائها.

تأثير العقوبات الإضافية
ستؤثّر العقوبات الإضافية أولًا في المواطنين الإيرانيين العاديين، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط التضخم في إيران 68.9%، وأن ينكمش الاقتصاد بنسبة 5.4% بحلول عام 2026.
وقد كانت مؤشرات صندوق النقد الدولي المحلية أسوأ في بعض الأحيان، وأفادت التقارير أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 89% تقريبًا على أساس سنوي في يوليو/تموز المنصرم، في حين اقترب سعر صرف السوق المفتوحة من 1.9 مليون ريال إيراني للدولار، وقد ارتفع تضخم أسعار المواد الغذائية بوتيرة أسرع.
لذلك، لا يُمكن للعمال والمتقاعدين الذين يتقاضون رواتبهم بالريال حماية دخولهم من هذا الانخفاض في قيمة العملة.
وتواجه الشركات التي تعتمد على الاستيراد تكاليف مدخلات أعلى، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على العملات الأجنبية.
وتخسر الطبقة المتوسطة مدّخراتها وفرص الاستثمار وأمنها الاقتصادي.
وبالمثل، توصلت الدراسات الأكاديمية حول إيران بعد عام 2012 إلى أن العقوبات قلّصت بصورة كبيرة الطبقة المتوسطة من خلال تراجع التجارة والتوظيف والدخول الحقيقية.
وتخسر المؤسسات الحكومية الإيرادات، لكن العبء متفاوت، فالمؤسسات التي تتمتع بامتيازات الوصول إلى العملة المدعومة والمعابر الحدودية وطرق التهريب هي الأقدر على البقاء.
ويمكن للحرس الثوري الإيراني والشبكات التجارية المرتبطة به سياسيًا أن تستفيد من خصومات وعمولات واحتكارات أكبر على السلع المحظورة.
ومن ثم، قد تُضعف العقوبات الاقتصاد الرسمي وفي الوقت نفسه قد توسّع النفوذ النسبي للجهات الفاعلة التي تُسيطر على التجارة غير المشروعة.
وقد تُفقر هذه العقوبات المجتمع دون أن تُحدث خسارة مماثلة في القدرة القسرية لدى مركز الدولة.

أهداف عقوبات "يوم الحسم الاقتصادي"
تتمثل الأهداف المباشرة في تقليص إيرادات النفط والعملات الأجنبية، وتعطيل العمل المصرفي الموازي، وإجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز وقبول قيود على أنشطتها النووية.
أمّا الهدف الثانوي، فهو تقييد الموارد المتاحة لبرامج الصواريخ والشركاء الإقليميين.
وقد تأمل الإدارة الأميركية في أن يُولّد التضخم والبطالة ونقص السلع ضغطًا داخليًا كافيًا لتغيير حسابات طهران.
ويبقى من غير المؤكد ما إذا كانت زعزعة استقرار النظام هدفًا مقصودًا.
وتشير تصريحات ترمب إلى رغبة أوسع في وضع الجمهورية الإسلامية على حافة الهاوية، لكن لا توجد خطة مُفصّلة مُعلنة تُحدّد تغيير النظام هدفًا رسميًا.
لذلك، من المهم التمييز بين الأهداف المُعلنة والتكهنات، ويمكن أن تجعل عقوبات "يوم الحسم الاقتصادي" التهرب الإيراني أكثر تكلفة وأقل موثوقية.
وقد يُقلل هذا الإيرادات بشكل حادّ، إذا أقنعت واشنطن الصين والمراكز المالية الرئيسة في دول ثالثة بالتعاون، أو أجبرتها على ذلك.
من ناحية ثانية، تُظهر تجربة إيران أن الضغط نادرًا ما ينتقل بسلاسة من خسارة الإيرادات إلى الاستسلام السياسي.
وفي غياب مسار دبلوماسي موثوق يمكن لطهران من خلاله تبادل التنازلات مقابل تخفيف الأعباء، قد تؤدي العقوبات المشددة إلى مزيد من المعاناة، واقتصاد غير مشروع أكبر، واعتماد أعمق للدولة على الحرس الثوري الإيراني، مع ترك المأزق السياسي الأساس دون حل.
* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- هل تتوقف صادرات النفط الإيرانية باحتلال جزيرة خرج؟ (تقرير)
- قبل ساعات من انطلاق مباحثات نووية.. أميركا تهدد بمنع صادرات النفط الإيرانية
- هل تتراجع صادرات النفط الإيرانية بعد العقوبات الأميركية؟ (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الهيدروجين في الدول العربية
- أكبر اكتشافات الغاز في 2026.. دولتان عربيتان بالقائمة
- شحنات أكبر 10 شركات مصنعة للألواح الشمسية تهبط 31%





