المقالاترئيسيةسياراتمقالات السيارات

السيارات الكهربائية والبطاريات في المغرب.. قطاع جاذب لاستثمارات الصين يترقب طفرة (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • الصين وسّعت وجودها بقطاع السيارات الكهربائية والبطاريات في المغرب
  • المغرب يمتلك مكامن من الكوبالت والمنغنيز وإمكانات واعدة لمعادن أخرى تُستعمل في صناعة البطاريات
  • التعدين والتكرير في المغرب يدعم تصنيع المكونات محليًا وتجميع السيارات الكهربائية والتصدير
  • هيمنة الصين في المغرب قد تؤدي إلى استمرار اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الصينية

يمثّل قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات في المغرب بيئة استثمارية واعدة للشركات الصينية، وقد وسّعت الصين حضورها في هذا القطاع وضخّت مليارات الدولارات في مرافق التصنيع، ولا سيما إنتاج البطاريات.

ومن شأن هذا التدفق الاستثماري الهائل، الذي تسارَع في عامي 2023 و2024، أن يُحوّل المغرب إلى مركز ناشئ لسلسلة توريد السيارات الكهربائية، ويُعيد تشكيل شبكات تكنولوجيا الطاقة النظيفة العالمية.

ومن خلال الاستفادة من المعادن الحيوية في المغرب، وموقعه الإستراتيجي، واتفاقياته التجارية، تُطوّر الشركات الصينية قواعد إنتاج متكاملة تخدم الأسواق الأوروبية والأفريقية والعالمية.

وعلى الرغم من أن هذا يدعم طموحات المغرب الصناعية، فإنه يُشكّل تحديات أمام جهود الاتحاد الأوروبي لتقليل اعتماده على الصين في المعادن الحيوية ومكونات البطاريات وتقنيات الطاقة النظيفة.

السيارات الكهربائية والبطاريات في المغرب

بلغت الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات في المغرب ما يقارب 6-10 مليارات دولار أميركي في السنوات الأخيرة، مع تركيز كبير على إنشاء مصانع ضخمة للبطاريات وتصنيع مكوناتها.

ومن أبرز هذه الاستثمارات مشروع شركة غوتيون هاي-تك في مدينة القنيطرة، الذي يتضمن مرحلة أولية بقيمة 1.3 مليار دولار أميركي لإنشاء مصنع ضخم، مع خطط لتوسيع قدرته الإنتاجية إلى 100 غيغاواط/ساعة، واستثمارات إجمالية محتملة تصل إلى 6.5 مليار دولار أميركي.

ومن بين المستثمرين الرئيسين الآخرين: مجموعة بي تي آر نيو ماتريال غروب، التي تُنشئ مصنعًا للكاثودات بتكلفة 300 مليون دولار أميركي بالقرب من مدينة طنجة.

يضاف إلى ذلك مشروع كوبكو المشترك بين شركة سي إن جي آر، الذي يركّز على المواد الأولية الفعالة للكاثودات وإنتاج النيكل والمنغنيز والكوبالت، بالإضافة إلى منشآت أخرى تابعة لشركات هايليانغ" وشينزوم وسنتوري تاير.

وتمتد هذه الاستثمارات لتشمل سلسلة القيمة الأوسع للبطاريات، بما في ذلك الكاثودات والأنودات والمواد الأولية وإعادة التدوير، بالإضافة إلى تجميع السيارات.

وبدأ الإنتاج في بعض المواقع، ومن المتوقع بدء التشغيل الكامل في العديد من المصانع الرئيسة في عام 2026.

ويهدف المغرب إلى إنشاء سلسلة إمداد متكاملة قادرة على دعم مكونات مئات الآلاف من السيارات الكهربائية سنويًا بحلول نهاية عام 2026.

ويتماشى هذا التطور مع مبادرة الحزام والطريق الصينية الأوسع نطاقًا، التي شارك فيها المغرب منذ عام 2017، ويعكس إستراتيجية بكين لنقل أجزاء من قدرتها الصناعية إلى الخارج وسط تصاعد التوترات التجارية مع الدول الغربية.

مراسم توقيع اتفاقية لتصنيع البطاريات بين المغرب مجموعة غوتيون هاي-تك الصينية الأوروبية
مراسم توقيع اتفاقية لتصنيع البطاريات بين المغرب مجموعة غوتيون هاي-تك الصينية الأوروبية – الصورة من نورث أفريكا بوست

المعادن الحيوية وتكامل سلاسل التوريد

تُشكّل احتياطيات الفوسفات الهائلة في المغرب ركيزة أساسية لهذه الشراكة.

إذ تمتلك البلاد ما يُقدّر بنحو 70-80% من احتياطيات صخور الفوسفات العالمية، وهي مادة أساسية لبطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، التي يزداد الإقبال عليها نظرًا لسلامتها وتكلفتها المعقولة ومتانتها في السيارات الكهربائية واسعة الانتشار.

وتستثمر الشركات الصينية في مرافق المعالجة وفي مشروعات مشتركة مع مجموعة مكتب الشريف للفوسفات المغربية (OCP) المملوكة للدولة لتطوير الأسمدة ومواد البطاريات.

وفي الوقت نفسه، يُقلّل الاعتماد على المصادر المحلية من الاعتماد على الواردات البعيدة ويُخفّض من مخاطر انقطاع الإمدادات الخارجية.

وإلى جانب الفوسفات، يمتلك المغرب مكامن من الكوبالت والمنغنيز، فضلًا عن إمكانات واعدة لمعادن أخرى تُستعمل في صناعة البطاريات.

وبفضل مواردها من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تُوفّر البلاد بيئة منخفضة الكربون نسبيًا لإنتاج البطاريات كثيفة استهلاك الطاقة.

وتعمل الشركات الصينية على دمج هذه الأصول في سلاسل توريد متكاملة رأسيًا، حيث يدعم التعدين والتكرير في المغرب تصنيع المكونات محليًا، وتجميع السيارات الكهربائية، والتصدير.

ويُحسّن هذا الهيكل الكفاءة، ويُخفّض تكاليف الإنتاج، ويُمكّن الشركات الصينية من الاحتفاظ بالسيطرة على التقنيات الرئيسة مع توطين مراحل مُحدّدة من الإنتاج.

ويُعزّز قطاع صناعة السيارات الراسخ في المغرب هذا النموذج، إذ تُعدّ البلاد مُصدّرًا رئيسًا للسيارات، وقد طوّرت قوة عاملة ماهرة وقاعدة مورّدين واسعة تشمل الإطارات والفرامل والإلكترونيات ومكونات أخرى.

وتُركّز المناطق الصناعية -بما فيها مدينة محمد السادس طنجة التقنية- هذه الأنشطة، وتُشجّع على تحقيق وفورات الحجم.

وأسهمت تكاليف العمالة التنافسية والحوافز الحكومية، كالإعفاءات الضريبية وتخصيص الأراضي وتيسير إجراءات الترخيص، في جذب رؤوس الأموال الصينية.

الموقع الإستراتيجي للمغرب

يحتلّ المغرب موقعًا جغرافيًا اقتصاديًا متميزًا بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، ويتيح قربه من الأسواق الأوروبية تقليل أوقات الشحن عبر مضيق جبل طارق مقارنةً بالطرق المباشرة من آسيا، ما يقلل من مخاطر النقل وأوقات التسليم والانبعاثات.

ويوفر ميناء طنجة المتوسطي -أحد أكثر مواني البحر الأبيض المتوسط ​​ازدحامًا- بوابة تصدير فعّالة، ويدعم النقل السريع للسلع الصناعية.

وتعزز الاتفاقيات التجارية هذه الميزة، إذ تمنح اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب وصولًا تفضيليًا أو معفيًا من الرسوم الجمركية للسلع المؤهلة، بينما تتيح اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمغرب الوصول إلى أسواق أميركا الشمالية.

بدورها، تُوسّع عضوية المغرب في منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية نطاق وصوله في جميع أنحاء أفريقيا.

ويمكن للمصنّعين الصينيين توطين مراحل إنتاج كافية للحصول على علامة "صُنع في المغرب"، ما قد يجنّبهم بعض الرسوم الجمركية المرتفعة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على واردات السيارات الكهربائية والبطاريات الصينية المباشرة.

ويدعم هذا الموقف جهود المغرب لتنويع اقتصاده بما يتجاوز صادرات الفوسفات والسياحة.

وتجاوزت صادرات السيارات، حاليًا، قيمة صادرات الفوسفات، في حين توفر الصناعات المرتبطة بالسيارات الكهربائية فرص عمل تتطلب مهارات عالية، ونقل التكنولوجيا، ونموًا اقتصاديًا إضافيًا.

ومن خلال الترحيب برؤوس الأموال الصينية مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع أوروبا والولايات المتحدة، ينتهج المغرب إستراتيجية تحوطية تعزز نفوذه الاقتصادي والإقليمي.

مصنع لمكونات بطاريات الليثيوم أيون في مدينة جرف الأصفر بالمغرب
مصنع لمكونات بطاريات الليثيوم أيون في مدينة جرف الأصفر – الصورة من كوبكو

تعزيز مكانة المغرب كمركز للسيارات الكهربائية والبطاريات

يسهم الاستثمار الصيني في تسريع بروز المغرب بصفته أحد أبرز المنتجين الأفارقة لبطاريات ومكونات السيارات الكهربائية.

ويُشكّل مزيج الموارد المعدنية، والبنية التحتية للمواني، والمناطق الصناعية، والطاقة المتجددة، والدعم الحكومي، منصةً قويةً لمزيد من التوسع.

ومن شأن خطوط النقل المخطط لها والتنمية الصناعية أن تُساعد المغرب على الانتقال من تجميع السيارات منخفضة التكلفة إلى إنتاج البطاريات والمكونات ذات القيمة المضافة العالية بحلول عام 2030، بما يخدم المصنّعين الأوروبيين والأسواق الأفريقية على حدٍّ سواء.

في المقابل، فإن النجاح سيعتمد على استمرار الاستقرار السياسي، وتنمية القوى العاملة، والشراكات التي تُسفر عن نقل فعّال للتكنولوجيا إلى الشركات المغربية.

وفي حال توفُّر هذه الشروط، سيُمكن لهذا القطاع أن يُوفر آلاف الوظائف، ويُوسّع الصادرات، ويُبرهن على طريقة مشاركة الاقتصادات الناشئة الغنية بالموارد بشكلٍ أكثر فاعلية في التحول الأخضر العالمي.

موقف الاتحاد الأوروبي

ينظر الاتحاد الأوروبي إلى هذه التطورات بأنها فرصة ومخاطرة في آنٍ واحد.

فمن جهة، قد يُسهم توطين إنتاج البطاريات في المغرب في إنشاء سلاسل إمداد أقصر وأكثر مرونة من الاعتماد المستمر على المصانع في شرق آسيا.

ويمكن لشركات صناعة السيارات الأوروبية الاستفادة من المكونات القريبة والأقل تكلفة، في حين يُمكن أن يدعم الإنتاج في المغرب أهداف قانون الاتحاد الأوروبي بشأن الصناعة المحايدة كربونيًا وقانون المواد الخام الحيوية.

ومن جهة أخرى، قد تؤدي هيمنة الصين في المغرب إلى استمرار اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الصينية، وقدراتها التصنيعية، وحقوق الملكية الفكرية، وشبكات الإمداد المتكاملة.

ويشعر صانعو السياسات في الاتحاد الأوروبي بالقلق من أن الإنتاج الصيني المدعوم بكثافة قد يُزوّد ​​السوق الأوروبية ببطاريات ومكونات سيارات كهربائية عالية التنافسية، ما يُضعف استثمارات المصانع العملاقة المحلية في ألمانيا وفرنسا وشرق أوروبا.

وبرزت مخاوف بشأن إمكان التحايل على الرسوم الجمركية وتآكل القاعدة الصناعية الأوروبية.

ويُشكّل هذا معضلة لإستراتيجية الاتحاد الأوروبي للحدّ من المخاطر.

وقد تواجه الواردات المباشرة من الصين تعرفات جمركية وتدقيقًا تنظيميًا، في حين يمكن للمنتجات التي تسيطر عليها الصين في المغرب أن تدخل السوق الأوروبية بشروط تجارية أكثر ملاءمة إذا استوفت قواعد المنشأ.

من ثم، فإن التنويع الجغرافي لا يعني بالضرورة تنويعًا تكنولوجيًا أو صناعيًا. قد تبقى أوروبا معتمدة على الشركات الصينية حتى لو انتقل التصنيع إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.

ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يستجيب من خلال تشديد إجراءات التحقق من المنشأ، أو زيادة الاستثمار في المغرب في إطار مبادرة البوابة العالمية، أو التعاون الثلاثي بين الشركات الأوروبية والمغربية والصينية.

ومن دون إستراتيجية أكثر فعالية، تُخاطر أوروبا باستبدال اعتمادها المباشر على الصين بالاعتماد على سلاسل التوريد التي تديرها الصين، والواقعة في الدول المجاورة.

مصنع عجلات الألمنيوم التابع لشركة سيتيك ديكاستال الصينية بمدينة القنيطرة في المغرب
مصنع عجلات الألمنيوم التابع لشركة سيتيك ديكاستال الصينية بمدينة القنيطرة– الصورة من شينخوا

الخلاصة

يعكس استثمار الصين في قطاع بطاريات السيارات الكهربائية في المغرب إستراتيجية جيواقتصادية متطورة تجمع بين الوصول إلى المعادن الأساسية، والتوسع الصناعي في الخارج، والقرب من أسواق التصدير الرئيسة.

بالنسبة للمغرب، توفّر هذه الاستثمارات مسارًا نحو تطوير الصناعة، وخلق فرص عمل، وتعزيز مكانته الإستراتيجية.

أمّا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فهي تُمثّل اختبارًا صعبًا لخطّته للحدّ من المخاطر: إذ قد يُحسّن الإنتاج في المغرب من مرونته الجغرافية مع الحفاظ على الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، ورأس المال، والتحكم في سلسلة التوريد.

ومع توسُّع الإنتاج في عام 2026 وما بعده، سيُشكّل التفاعل بين الطموحات الصناعية المغربية، والاستثمارات الصينية، واللوائح الأوروبية مستقبل سلاسل التوريد الخضراء في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

ويمكن أن تُقدّم تجربة المغرب نموذجًا للاقتصادات الأفريقية الأخرى، مع الضغط في الوقت نفسه على الاتحاد الأوروبي لتعزيز سياسته الصناعية وشراكاته الدولية.

وستؤثّر النتائج بتصنيع السيارات الكهربائية وبموازين القوى الأوسع نطاقًا في التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق