بطاريات السيارات الكهربائية.. دراسة مصرية ترسم خريطة الطريق للجيل المقبل
داليا الهمشري

مع التوسع العالمي في استعمال السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، أصبحت بطاريات الليثيوم أيون تمثّل القلب النابض لثورة الطاقة النظيفة، إلا أن الاستفادة القصوى من هذه البطاريات ما تزال ترتبط بتحدٍّ تقني بالغ الأهمية، يتمثّل في معرفة كمية الطاقة المتبقية داخلها بدقة في مختلف ظروف التشغيل.
وفي هذا السياق، نجح فريق بحثي بقيادة الدكتور محمد صابر التهامي، الباحث بمعهد بحوث الإلكترونيات، في نشر دراسة علمية بمجلة "الربط العالمي للطاقة" الدولية (Global Energy Interconnection)، المُصنّفة ضمن مجلات Q1، تناولت أحدث التقنيات المستعملة في تقدير حالة شحن بطاريات الليثيوم أيون، مع تقديم رؤية مستقبلية لتطبيقها في أنظمة إدارة البطاريات الواقعية.
وتناولت الدراسة، التي حملت عنوان "تقدير حالة الشحن في بطاريات الليثيوم أيون: مراجعة نقدية للطرق التقليدية والأساليب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مع استعراض سبل التطبيق العملي"، أحد أبرز التحديات التقنية التي تواجه مستقبل السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، والمتمثل في التقدير الدقيق لحالة شحن بطاريات الليثيوم أيون (State of Charge - SoC).
واستعرضت الدراسة -التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- بصورة نقدية أبرز الأساليب التقليدية المستعملة في تقدير حالة الشحن، إلى جانب أحدث التقنيات القائمة على الذكاء الاصطناعي، مع تقييم نقاط القوة والقصور في كل منها.
كما اقترحت مسارات عملية لتطبيق هذه التقنيات في البيئات التشغيلية الحقيقية، بما يُسهم في تحسين كفاءة البطاريات وإطالة عمرها وتعزيز موثوقية أنظمة الطاقة الكهربائية.
تقدير حالة الشحن
تعتمد كفاءة السيارات الكهربائية ومحطات تخزين الطاقة على قدرة نظام إدارة البطارية (Battery Management System) على معرفة كمية الطاقة المتبقية داخل البطارية بدقة عالية، فأي خطأ في تقدير حالة الشحن قد يؤدي إلى انخفاض كفاءة البطارية، وتقليل عمرها الافتراضي، وزيادة مخاطر التشغيل.
وأشارت الدراسة إلى أن سلوك بطاريات الليثيوم أيون يتسم بدرجة عالية من التعقيد بسبب تأثير عوامل متعددة، مثل تغير درجات الحرارة، وتقادم البطارية، واختلاف ظروف التشغيل، وهو ما يجعل التقدير الدقيق لحالة الشحن تحديًا بحثيًا وصناعيًا كبيرًا.

واستعرضت الدراسة بصورة نقدية وشاملة مختلف تقنيات تقدير حالة شحن بطاريات الليثيوم أيون، بدءًا من الطرق التقليدية المعروفة، مثل قياس الجهد في حالة الدائرة المفتوحة (OCV)، وطريقة عدّ الشحنة (Coulomb Counting)، والتحليل الطيفي للممانعة الكهربائية، مع توضيح مزايا كل تقنية وأبرز التحديات التي تواجه تعميمها في التطبيقات العملية.
كما تناولت أحدث التقنيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مثل التعلّم الآلي، والشبكات العصبية العميقة، ومرشحات كالمان، والمنطق الضبابي، إلى جانب النماذج الهجينة التي تجمع بين النماذج الفيزيائية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، كونها من أكثر الأساليب الواعدة لتحقيق تقدير أكثر دقة وموثوقية لحالة شحن البطاريات.
تطوير بطاريات السيارات الكهربائية
كشفت الدراسة عن أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على التعامل مع الطبيعة غير الخطية لسلوك البطاريات بصورة أكثر كفاءة من الطرق التقليدية، خاصة عند دمجها مع النماذج الفيزيائية داخل أنظمة إدارة البطاريات.
وأظهرت المقارنة التي أجراها الباحثون أن النماذج الهجينة تحقق أفضل أداء من حيث الدقة والاعتمادية والقدرة على العمل في الزمن الحقيقي، وهو ما يجعلها الخيار الأكثر ملاءمة للجيل المقبل من السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة.
ولم تكتفِ الدراسة بمراجعة ما توصل إليه الباحثون حول العالم، بل قدمت إطارًا علميًا جديدًا يصنف تقنيات تقدير حالة الشحن وفق قدرتها على التكيف مع ظروف التشغيل المختلفة وقابليتها للتطبيق الصناعي.
كما رسمت الدراسة خريطة طريق لتطوير أنظمة إدارة البطاريات المستقبلية، من خلال دمج البيانات القادمة من عدة حساسات مع نماذج الذكاء الاصطناعي التكيفية، والاستفادة من تقنيات الحوسبة الطرفية (Edge Computing) والتعلم الاتحادي (Federated Learning)، بما يتيح إجراء عمليات التقدير في الزمن الحقيقي مع تقليل استهلاك الموارد الحاسوبية والحفاظ على خصوصية البيانات.
تقنيات أكثر دقة وموثوقية
خلصت الدراسة إلى أن مستقبل أنظمة إدارة البطاريات سيتجه نحو الاعتماد بصورة أكبر على الذكاء الاصطناعي والنماذج الهجينة، بما يُسهم في تطوير جيل جديد من البطاريات أكثر أمانًا وكفاءة واستدامة، وهو ما يدعم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتنقل الكهربائي.
ويُعدّ هذا البحث إضافة علمية مهمة تُسهم في توجيه الباحثين والمطورين والشركات العاملة في مجالات الطاقة والسيارات الكهربائية نحو اختيار تقنيات أكثر دقة وموثوقية وتطويرها لإدارة بطاريات الليثيوم أيون، بما يسرّع وتيرة التحول إلى مستقبل منخفض الانبعاثات وأكثر استدامة.

وأوضح الدكتور محمد صابر التهامي -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن نتائج هذه الدراسة تكتسب أهمية خاصة في ظل النمو المتسارع لسوق السيارات الكهربائية عالميًا، وزيادة الاعتماد على أنظمة تخزين الطاقة لدعم مصادر الطاقة المتجددة، مثل طاقتي الشمس والرياح.
ولفت إلى أنه كلما ارتفعت دقة تقدير حالة شحن البطارية، زادت كفاءة استعمال الطاقة، وانخفضت تكاليف التشغيل والصيانة، وارتفع العمر الافتراضي للبطاريات، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على خفض تكلفة الطاقة النظيفة وتعزيز موثوقية شبكات الكهرباء الذكية.
ورأى التهامي أن الأعوام المقبلة ستشهد تحولًا كبيرًا نحو الاعتماد على النماذج الهجينة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كونها الحل الأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الدقة والسرعة والكفاءة، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام تطوير بطاريات أكثر ذكاء واستدامة، تدعم مستقبل النقل الكهربائي والطاقة النظيفة حول العالم.
موضوعات متعلقة..
- استثمارات شحن السيارات الكهربائية قد تتجاوز 635 مليار دولار بحلول 2040
- تعزيز سلامة بطاريات الليثيوم أيون ومتانتها بتقنية جديدة (تقرير)
- استخلاص المعادن من بطاريات السيارات الكهربائية.. تقنية تعالج 250 كيلوغرام نفايات في الساعة
اقرأ أيضًا..
- وكالة الطاقة الدولية تتوقع انخفاض الطلب على الغاز لأول مرة في 4 سنوات
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف عن أهم وأكبر محطات الطاقة الشمسية في الدول العربية





