التحول العالمي إلى الكهربة.. هدف طموح قد يغير واقع استهلاك الوقود التقليدي (تقرير)
نوار صبح
- استعمال الطاقة الكهربائية خطوة ستوفر مليارات الدولارات للمستهلكين والشركات
- العمليات الصناعية تتجه بشكل متزايد نحو الطاقة المتجددة الرخيصة
- التحوّل العالمي إلى الكهربة سيُخفّض الطلب على الطاقة إلى النصف
يُعدّ التحول العالمي إلى الكهربة هدفًا طموحًا قد يغيّر واقع استهلاك الوقود الأحفوري، ما يؤدي إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والحدّ من تداعيات ظاهرة الاحتباس الحراري.
وبحسب مقال طالعته منصة الطاقة المتخصصة، قد يكون التحول العالمي إلى الكهربة -من خلال المركبات الكهربائية، والتدفئة والتبريد الكهربائيين، والصناعات الثقيلة الحديثة- الخطوة الأكبر التالية نحو التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، واستبدال 80% من الطاقة العالمية التي ما تزال تُستمَد من الهيدروكربونات.
وبالنظر إلى أن استعمال الطاقة الكهربائية أكثر كفاءة من الاحتراق، فإن خطوة التحول العالمي إلى الكهربة ستوفر مليارات الدولارات للمستهلكين والشركات، إذ يُمكن خفض الطلب العالمي على الطاقة إلى النصف، وفقًا لأحد التقديرات.
لعقود، ظلّت الكهربة موضوعًا هامشيًا في العمل المناخي العالمي. ولكن في الأسبوعين الماضيين، خلال المحادثات التحضيرية في مدينة بون الألمانية قبل قمة المناخ كوب 31 المقبلة، تصدّرَ هذا الموضوع المشهد أخيرًا.
أهمية الكهربة
صرَّح وزير البيئة التركي، مراد كوروم -الذي سيشارك في استضافة قمة المناخ كوب 31 في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل- لصحيفة الغارديان الأسبوع الماضي، بأنه من دون الكهربة، يتعذر تحقيق أيٍّ من أهداف اتفاق باريس للمناخ، لذا يتعين خوض هذا التحول.
وقد اقترحت تركيا، بدعم من أستراليا -الرئيسة المشاركة لقمّة المناخ كوب 31- تحديد هدف يتمثل في أن تأتي 35% من الطاقة النهائية من الكهرباء بحلول عام 2035، بحسب مقال نشرته صحيفة الغارديان.
ويؤكد مراد كوروم أن هذا هو الركن الأهم في خفض الانبعاثات، إذ نحتاج إلى زيادة استعمال الكهربة في المدن، وفي الصناعات التحويلية، وفي جميع جوانب الحياة، وسيخدمنا ذلك على المدى البعيد، وفي تحقيق الأهداف الأكبر لاتفاق باريس للمناخ.
وتشير محررة شؤون البيئة لدى صحيفة الغارديان، فيونا هارفي، إلى أن التحول العالمي إلى الكهربة كان أبرز ما دار في أسبوعين من المحادثات بمدينة بون، التي لم تشهد في مجملها ما يدعو للتفاؤل.
وتضيف أنه بعد بداية ودّية للاجتماع السنوي، الذي عُقِد تقريبًا في منتصف المدة الفاصلة بين قمَّتي المناخ السنويتين، تحولت المفاوضات في أيامها الأخيرة إلى مهزلة.
ورفضت بعض الدول الموافقة على صياغة تنص على أن تُبنى القرارات على أفضل العلوم المتاحة، رغم أن هذا المبدأ يُعدّ ركيزة اتفاقيات المناخ لأكثر من 30 عامًا.

وانتهت المحادثات -التي كان من المفترض أن تُمهّد الطريق لقمّة المناخ كوب 31- مساء يوم الخميس 18 يونيو/حزيران 2026 دون حلّ العديد من القضايا.
ويقول الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، سيمون ستيل، منتقدًا الدول مع اختتام أسبوعين من المحادثات مساء الخميس 18 يونيو/حزيران 2026، كان هناك مراوغة وتأجيل وتوترات جيوسياسية تعصف بهذه القاعات.
ويؤكد أنه لا يُمكن إعادة فتح قرارات سابقة، أو إعادة التفاوض على الأهداف القائمة، أو التراجع، والمطلوب هو التعاون، لا التنافس الشرس.
وتوضح فيونا هارفي أن أكبر الخلافات تمحورت حول علوم المناخ وهدف الحدّ من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية.
في محور من المحادثات يُعرَف باسم "البحث والملاحظات المنهجية"، اعترضت بعض الدول -بقيادة السعودية ومجموعة الدول العربية، بالإضافة إلى الهند- على استعمال لغة تؤكد أهمية علوم المناخ، وزعمت أن أبحاث العلماء في الدول الغنية هيمنت على التقارير المقدَّمة إلى الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
في المقابل، تقول دول أخرى، إن الهدف واضح: المماطلة والعرقلة، بحسب متابعة منصة الطاقة المتخصصة.
ويقول سيفيندرا مايكل -متحدثًا باسم دول جزر المحيط الهادئ-، أنه توجد أصوات في هذه القاعات تبذل قصارى جهدها لتقويض العلم، وكل من يحجب الإشارات إلى العلم، ليس صديقًا.
ويضيف أن هناك مصالح قوية تسعى جاهدة لحماية ثرواتها ونفوذها، وتعرقل بعض الدول عملية الأمم المتحدة، في حين يُعاني السكان المُستضعفون من الإجهاد الحراري والعواصف والجفاف والمجاعة.
وأثارت العديد من الدول نفسها تساؤلات حول إدراج الهدف العالمي المتمثل في الحدّ من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية في عدّة مواضع من نصوص المفاوضات، إلّا أنها واجهت معارضة شديدة.
وصرّح رئيس دولة بالاو المطلّة على المحيط الهادئ، سورانجيل ويبس، في مؤتمر منفصل في ألمانيا، بأنه يتعذر تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية، وتعيّن عدم الاستسلام.
الانتقال العادل
برز توافق أكبر بشأن "الانتقال العادل" -وهي قضية محورية بالنسبة للمدافعين عن البيئة- ويعني ضرورة ضمان دعم العمال المتضررين من التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، وحمايتهم من الاستغلال.
وترى منسّقة سياسات المناخ في مؤسسة البيئة والموارد الطبيعية، كاميلا ميركور، أن المناقشات كانت بنّاءة. ورغم أن المحادثات كشفت عن اختلافات جوهرية بين الأطراف، فقد أظهرت وجود سبيل لتحقيق نتيجة ملموسة بشأن الانتقال العادل في قمة المناخ كوب 31، ويتعين على الحكومات الآن الانخراط بشكل بنّاء لتحقيق ذلك.
تمويل المناخ
ترى محررة شؤون البيئة لدى صحيفة الغارديان، فيونا هارفي، أن تمويل المناخ ما يزال يشكل عقبة كبيرة، إذ تواصل الدول المتقدمة خفض مساعداتها الخارجية وإعطاء الأولوية للإنفاق العسكري.
وتضيف أن الدول الفقيرة استشاطت غضبًا من مماطلة الدول الغنية في تحقيق هدفها السابق المتمثل في مضاعفة التمويل المخصص للتكيف مع آثار أزمة المناخ 3 مرات.
وتقول منسقة سياسات التكيف في شبكة العمل المناخي الدولية، بوجا ديف، إن هناك سوء نية واضح وعدم رغبة من جانب الدول المتقدمة في إحراز تقدُّم في الهدف العالمي للتكيف، ولا يمكن تنفيذ هذا الهدف دون تمويل.
في قمة المناخ كوب 30، التي عُقدت العام الماضي في البرازيل، تعثّرت محاولات حثّ الدول على إعادة تأكيد التزامها بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، إلّا أن أكثر من 50 دولة عقدت مؤتمرها الخاص في أبريل/نيسان الماضي لمناقشة هذا الموضوع.
وشكّل هدف التحول العالمي إلى الكهربة نقلة نوعية، بعد سنوات من تجاهله في قمم المناخ، ويعود ذلك جزئيًا إلى تأخُّر تكنولوجيا الكهرباء مقارنةً بتكنولوجيا توليد الطاقة المتجددة.
وبدأت الصين الآن بدأت الإنتاج الضخم للسيارات الكهربائية، ما أدى إلى انخفاض أسعارها، كما انخفضت أسعار المضخات الحرارية، وإن كان ذلك بشكل أقل حدّة، ويمكنها توفير مئات الجنيهات للمستهلكين على فواتير الكهرباء. وتتجه العمليات الصناعية بشكل متزايد نحو الطاقة المتجددة الرخيصة.

ووفقًا للبروفيسور يان روزينو من جامعة أكسفورد، فإن التكنولوجيا الكهربائية جاهزة الآن للاستعمال على نطاق واسع، وتوفر كفاءة تفوق نظيراتها من الوقود الأحفوري بـ3 إلى 5 مرات.
ويُقدّر روزينو -في ورقة بحثية ستُنشر قريبًا- أن التحوّل العالمي إلى الكهربة سيُخفّض الطلب على الطاقة إلى النصف.
وهذا من شأنه أن يُحقق وفورات تصل سريعًا إلى تريليونات الدولارات عالميًا، ما يُتيح للحكومات والشركات والمستهلكين إنفاق أموالهم على مجالاتٍ أكثر أهمية، من الصحة والتعليم إلى الدفاع.
وتُعدّ بعض الدول متقدمة جدًا في هذا المجال، فاليابان -على سبيل المثال- تقترب من تحقيق هدفها المتمثل في أن يأتي 35% من طاقتها من الكهرباء، وهو الهدف الذي اقترحته رئاسة قمة المناخ كوب 31.
أمّا الصين، فتقترب من 30%، في حين تتخلف الولايات المتحدة بنسبة 22%، والهند والبرازيل بنسبة 20% تقريبًا، ويبلغ الرقم العالمي 21%.
تدابير قمة المناخ بشأن الكهربة
حتى تدابير قمة المناخ بشأن الكهربة، على الرغم من قبولها على نطاق واسع بوصفها ضرورية لتلبية النصائح العلمية لتحقيق الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن، تواجه صراعًا شاقًا للحصول على القبول ضمن العمليات المعقّدة لقمّة المناخ.
ورغم أن الولايات المتحدة هي الدولة الكبرى الوحيدة الغائبة عن محادثات الأمم المتحدة، فإن تأثير رئاسة دونالد ترمب كان واضحًا في أروقة المفاوضات.

ويقول أحد المفاوضين، إن السعودية أدت دورًا أكثر وضوحًا في عرقلة التقدم، ويعود جزء من ذلك إلى أن الولايات المتحدة كانت تؤدي دورًا في إعاقة تقدُّمها.
ويرى أن السعودية لا تقف وحدها في هذا الموقف، فلديها حلفاء من دول الخليج، التي تعمل معًا بصفتها مجموعة عربية، وانضمت إليها الهند في بعض القضايا، وروسيا في قضايا أخرى، وحتى كينيا، التي تُعدّ عادةً من أشدّ الداعمين للعمل المناخي.
موضوعات متعلقة..
- الكهربة في مواجهة أزمات الوقود الأحفوري.. هل تخفف تداعيات حرب إيران؟ (تقرير)
- خفض انبعاثات قطاع الشحن البحري.. الكهربة خيار لن يقود إلى التضخم (تقرير)
- قطاع التعدين العالمي.. دور مهم للذكاء الاصطناعي والكهربة في تحقيق الاستدامة (تقرير)
اقرأ أيضًا..
المصدر:





