رئيسيةمقالات النفطنفط

مصفاة سوكار النفطية الجديدة.. أذربيجان تسعى للتكيف مع عالم الطاقة المتغير (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • خطة أذربيجان لبناء مصفاة نفط جديدة تابعة لشركة سوكار ليست مجرد مشروع طاقة عادي
  • من المتوقع أن تنتج المصفاة أنواع الوقود التقليدية والمنتجات البتروكيماوية الأكثر تطورًا
  • أذربيجان تسعى إلى تحقيق قيمة أكبر من نفطها، وتقليل اعتمادها على المنتجات المكررة المستوردة
  • إنشاء مصفاة حديثة من شأنه أن يساعد أذربيجان على تجاوز مجرد تصدير النفط الخام

تسعى أذربيجان من وراء بناء مصفاة سوكار النفطية الجديدة للتكيف مع عالم الطاقة المتغير، إذ لم يعد إنتاج النفط المحلي ينمو كما كان في السابق، وتتجه الأسواق العالمية ببطء نحو الطاقة النظيفة.

وقد صرّح وزير الاقتصاد الأذربيجاني ميكائيل جباروف بأن العمل في المصفاة قد بدأ بإشراف شركة الطاقة الحكومية سوكار (SOCAR) وبدعم حكومي، وأن المشروع قد يستغرق من 5 إلى 6 سنوات لإنجازه.

ومن المتوقع أن تنتج مصفاة سوكار النفطية الجديدة أنواع الوقود التقليدية والمنتجات البتروكيماوية الأكثر تطورًا، على الرغم من أن تكلفتها ونموذج تمويلها وقدرتها الإنتاجية لم تُعلَن بعد.

وتهدف البلاد من وراء ذلك إلى تحقيق قيمة أكبر من نفطها، وتقليل اعتمادها على المنتجات المكررة المستوردة، وتطوير صناعتها البتروكيماوية، ومنح شركة سوكار في أذربيجان دورًا أقوى في الأسواق الإقليمية.

أهمية مصفاة سوكار النفطية الجديدة

لا تُعدّ مصفاة سوكار النفطية الجديدة مجرد رهان على ماضي النفط، بل هي محاولة لاستعمال نقاط القوة الحالية لأذربيجان في مجال الطاقة بشكل أكثر حكمة مع الاستعداد لمستقبل أكثر تنوعًا.

يأتي ذلك حيث ما يزال قطاع تكرير النفط في أذربيجان يعتمد بشكل كبير على مصفاة حيدر علييف للنفط في مدينة باكو، وهي منشأة تمّ تشغيلها عام 1953 وتديرها شركة سوكار.

وتؤدي هذه المصفاة دورًا مهمًا لتلبية الطلب المحلي على الوقود وتوفير المواد الخام لقطاع البتروكيماويات، وقد حدّثت شركة سوكار المصفاة في السنوات الأخيرة لتحسين جودة الوقود وكفاءته وأدائه البيئي وإنتاج النفط وفقًا لمعايير يورو 5.

رغم ذلك، فإن قِدم المصفاة، ومعايير المنتجات الأكثر صرامة، وتغير الطلب الإقليمي، تجعل من إضافة قدرة تكرير حديثة أمرًا بالغ الأهمية.

مصفاة حيدر علييف النفطية في مدينة باكو بجمهورية أذربيجان
مصفاة حيدر علييف النفطية في مدينة باكو بجمهورية أذربيجان – الصورة من سوكار داون ستريم

إستراتيجية شركة سوكار

تتجاوز إستراتيجية شركة سوكار الأوسع نطاقًا حدود أذربيجان.

وتُظهر مصفاة ستار التابعة لها في تركيا واستحواذها على شركة إيتاليانا بترولي في إيطاليا أن الشركة تعمل على بناء شبكة أوسع في مجال التكرير والتسويق، ولا تكتفي بتصدير النفط الخام، إذ يبدو أنه حتى شركات النفط تحتاج إلى تطوير إستراتيجي.

وتندرج مصفاة سوكار النفطية الجديدة المُزمع إنشاؤها في أذربيجان ضمن هذا التوجُّه.

وسيكمل ذلك مصفاة حيدر علييف النفطية، ما يمنح باكو مزيدًا من المرونة لتلبية الاحتياجات المحلية، وتوسيع الصادرات، وتعزيز الروابط بين التكرير والبتروكيماويات.

الأهمية الإستراتيجية لقطاع الطاقة في أذربيجان

يخدم مشروع مصفاة سوكار النفطية الجديدة 4 أهداف إستراتيجية لأذربيجان.

أولًا، سيساعد البلاد على استخلاص قيمة أكبر من نفطها الخام في وقت انخفض فيه الإنتاج عن ذروته عام 2010.

وبدلًا من الاعتماد أساسًا على صادرات النفط الخام، ستتمكن أذربيجان من تكرير كميات أكبر من النفط محليًا وبيع منتجات ذات هوامش ربح أعلى، مثل الديزل ووقود الطائرات والنافثا ومواد التغذية البتروكيماوية.

ثانيًا، سيعزز المشروع أمن الطاقة المحلي من خلال الحدّ من التعرض لانقطاعات الإمدادات الخارجية وتقلبات الأسعار ونقاط الضعف في إمدادات المنتجات المكررة.

ثالثًا، يدعم المشروع طموحات أذربيجان في مجال البتروكيماويات، وهو ما قد يكون من أهم فوائده على المدى الطويل.

فحتى في حال تراجع الطلب على وقود النقل، من المرجّح أن يظل الطلب على البلاستيك والأسمدة والمواد الكيميائية ومواد التعبئة والتغليف والمدخلات الصناعية أكثر استقرارًا.

رابعًا، سيعزز المشروع دور أذربيجان بوصفها مركزًا إقليميًا للطاقة.

وبفضل قدرة التكرير الأكبر، ستتمتع شركة سوكار بمزيد من المرونة لتزويد تركيا وأوروبا وآسيا الوسطى والأسواق المجاورة، ما يسمح لباكو بتقديم نفسها مصدرًا للنفط والغاز وموردًا للطاقة والمنتجات الصناعية ذات القيمة الأعلى.

خطوط نقل الغاز في أذربيجان
خطوط نقل الغاز في أذربيجان – الصورة من أذفيجين

سياق تحول الطاقة

قد يبدو بناء مصفاة سوكار النفطية الجديدة متناقضًا مع مسار تحول الطاقة، إذ تدعم الحكومات السيارات الكهربائية، ومصادر الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، وتحقيق أهداف الحياد الكربوني، في حين أصبح المستثمرون أكثر حذرًا بشأن مشروعات الوقود الأحفوري طويلة الأجل.

لكن منطق أذربيجان عملي، ولن يحدث تحول الطاقة بين عشية وضحاها، وما تزال البلاد تتمتع بموارد نفطية وبنية تحتية للتصدير وخبرة شركة سوكار المتنامية في الأسواق النهائية.

لا تكمن القضية الحقيقية فيما إذا كان النفط سوف يظل مهيمنًا إلى الأبد، لأنه لن يكون كذلك، بل كيف يمكن لأذربيجان أن تستعمل ما تبقّى لديها من ميزة النفط بشكل أكثر حكمة في حين تستعد لمستقبل أكثر تنوعًا.

وهنا تكمن أهمية قطاع البتروكيماويات وتكرير النفط في أذربيجان.

وقد ينخفض ​​الطلب على بعض أنواع وقود وسائل النقل مع توسُّع استعمال السيارات الكهربائية، ولكن من المرجّح أن يظل وقود الطائرات والمواد الأولية البتروكيماوية والمواد الكيميائية المتخصصة والمواد الصناعية مهمًا لمدة أطول.

ومن شأن إنشاء مصفاة حديثة أن يساعد أذربيجان على تجاوز مجرد تصدير النفط الخام وإنتاج منتجات أنظف وأكثر تخصصًا وأعلى قيمة.

ويشبه هذا النهج ما يفعله العديد من المنتجين الخليجيين: الاستثمار في التكرير والبتروكيماويات مع التوسع في مصادر الطاقة المتجددة.

وتتبع أذربيجان منهجها الخاص من تلك الإستراتيجية ذات المسار المزدوج، حيث تعمل مع شركاء مثل مصدر الإماراتية، وأكوا باور السعودية، وشركة بي بي البريطانية على الطاقة النظيفة، في حين تدفع شركة سوكار لتصبح شركة طاقة أكثر تكاملًا وكفاءة وأقل انبعاثات.

ويعدّ هذا النهج ثنائي المسار أمرًا أساسيًا لفهم المصفاة الجديدة.

في المقابل، فإن أذربيجان لا تتخلى عن تحول الطاقة، وهي تحاول تمويل هذا التحول وإدارته، مع الاستمرار في الاستفادة من الهيدروكربونات.

ويتمثل التحدي في التأكد من أن المصفاة لن تصبح رمزًا مكلفًا للتفكير القديم، بل أصولًا حديثة تتناسب مع إستراتيجية صناعية أوسع ومنخفضة الكربون.

مصفاة ستار التابعة لشركة سوكار في مدينة إزمير بتركيا
مصفاة ستار التابعة لشركة سوكار في مدينة إزمير بتركيا – الصورة من وكالة الأناضول

الفرص والمخاطر

من شأن بناء مصفاة سوكار النفطية الجديدة أن يخلق فرص عمل خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل، وأن يجلب خبرات تقنية وهندسية، وأن يدعم الصناعات المرتبطة بالبتروكيماويات والأسمدة والبلاستيك والتصنيع.

ويمكن لهذه المصفاة أن تساعد أذربيجان على خفض وارداتها من المنتجات المكررة وزيادة صادراتها من المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، ما يعزز ميزانها التجاري واقتصادها غير النفطي.

بالمثل، يمكن للمشروع أن يمنح أذربيجان ثقلًا جيوسياسيًا أكبر، ففي منطقة غالبًا ما تتأثر بالعقوبات واضطرابات الإمداد ومشكلات النقل وتغيرات طرق التجارة، تُعدّ القدرة التكريرية الموثوقة أمرًا بالغ الأهمية.

وستُمكّن المصفاة الحديثة باكو من تعميق علاقاتها في مجال الطاقة مع تركيا وآسيا الوسطى وبعض الأسواق الأوروبية.

وبالنسبة لشركة سوكار، سيعزز ذلك تحوُّلها من مُصدّر للنفط الخام إلى لاعب إقليمي أقوى في قطاع التكرير والتصنيع.

وفي الوقت نفسه، فإن المخاطر جسيمة، وقد تصل تكلفة المصفاة الحديثة إلى مليارات الدولارات، وغالبًا ما تواجه المشروعات الكبيرة تأخيرات وتجاوزات في التكاليف ومشكلات تقنية.

وستحتاج أذربيجان إلى تمويل دقيق وإدارة فعّالة للمشروع، لا سيما مع انخفاض إنتاجها النفطي المحلي.

وإذا انخفض إنتاج النفط الخام بوتيرة أسرع من المتوقع، فقد تضطر المصفاة إلى الاعتماد جزئيًا على المواد الخام المستوردة، ما سيُضعف بعض جوانب إستراتيجيتها.

ولا يمكن تجاهل مخاطر السوق والمخاطر البيئية، فقطاع التكرير العالمي يشهد منافسة شديدة، وإذا تباطأ الطلب على النفط بوتيرة أسرع من المتوقع، فقد تواجه المصافي الجديدة هوامش ربح أقل أو معدلات تشغيل منخفضة.

من ناحية ثانية، فإن تشديد القوانين البيئية في أوروبا، وتسعير الكربون، ومعايير الوقود، والتدابير المحتملة المتعلقة بالكربون على الحدود، قد تؤثّر في الصادرات.

وسيتعين على أذربيجان إثبات أن المصفاة تفي بالمعايير البيئية العالية ولا تخلّ بالتزاماتها في مجال الطاقة المتجددة.

وهذا يعني استعمال تكنولوجيا فعالة، وخفض الانبعاثات، والحدّ من التلوث، والنظر في خيارات مستقبلية مثل احتجاز الكربون، ودمج الهيدروجين، أو إنتاج البتروكيماويات منخفضة الكربون.

محطة قاراداغ للطاقة الشمسية في أذربيجان
محطة قاراداغ للطاقة الشمسية في أذربيجان – الصورة من أذرتاغ

الخلاصة

ينبغي النظر إلى مصفاة سوكار النفطية الجديدة بصفتها أداة إستراتيجية في ظل المشهد المتغير للطاقة.

وهي تعكس جهود باكو لاستعمال مواردها الهيدروكربونية بكفاءة أكبر، وتعزيز أمنها الغذائي، وتوسيع نطاق صناعات البتروكيماويات، وزيادة دور سوكار الإقليمي، كما أنها تستند إلى تحديث مصفاة حيدر علييف النفطية واستثمارات سوكار في قطاع التكرير والتصنيع في تركيا وإيطاليا.

وينطوي المشروع على مخاطر حقيقية، وسيتطلب تمويلًا منضبطًا، وتخطيطًا دقيقًا للسوق، وإدارة فعّالة، وضمانات بيئية صارمة.

وإذا أُدير المشروع بشكل سيّئ، فقد يصبح عبئًا ماليًا باهظًا في عالم يتجه تدريجيًا نحو التخلي عن الوقود الأحفوري، وهو ما اعتادت البشرية التخلّي عنه في نهاية المطاف.

أمّا إذا أُدير المشروع بشكل جيد، فإنه سيساعد أذربيجان على تحويل ما تبقّى لديها من تفوّق نفطي إلى قدرة إنتاجية، وإيرادات تصديرية، ومرونة اقتصادية أكبر.

الأهم من ذلك، أنّ تحوُّل الطاقة لا يبدو متماثلًا بالنسبة لجميع الدول، فبالنسبة لأذربيجان، لا يكمن التحدي في التخلي عن الهيدروكربونات بين عشية وضحاها، بل في استعمالها إستراتيجية مع بناء اقتصاد أكثر تنوعًا.

تُجسّد مصفاة سوكار النفطية الجديدة هذا التوتر، فهي تستند إلى إرث أذربيجان النفطي، وتشير إلى مستقبل ستعتمد فيه القيمة بشكل أقل على كمية النفط الخام التي تنتجها الدولة، وأكثر على مدى ذكائها في تحويله وتسويقه، وفي نهاية المطاف تجاوزه.

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق