أنس الحجي: صناعة النفط تواجه تراجع الكفاءات.. والذكاء الاصطناعي لن يحل الأزمة
أحمد بدر

تواجه صناعة النفط العالمية تحديات متزايدة تتعلق بتراجع أعداد المتخصصين والمهندسين، في وقت تتوسع فيه الاستثمارات بمشروعات الطاقة التقليدية حول العالم، وسط مخاوف متنامية من فجوة بشرية قد تؤثّر في مستقبل الإمدادات واستقرار الأسواق لعقود مقبلة.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن التراجع الحادّ في أعداد خرّيجي "هندسة البترول" بالولايات المتحدة يعكس أزمة عميقة، لا ترتبط فقط بالأسعار أو الدورات الاقتصادية، بل بتغيرات فكرية واجتماعية واسعة بين الأجيال الجديدة.
وأشار إلى أن الجامعات الأميركية خرّجت نحو 2300 مهندس بترول عام 2017، في حين انخفض العدد حاليًا إلى قرابة 400 فقط، وهو تراجع يتجاوز 80%، ما يعكس حجم الأزمة التي تضرب صناعة النفط في أكبر دولة منتجة للخام عالميًا خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن غالبية الخريجين الجدد في تخصصات البترول بالولايات المتحدة ليسوا أميركيين بالأصل، بل طلاب أجانب، في وقت تعاني فيه الشركات فجوة عمرية واضحة، إذ تجاوز متوسط أعمار العاملين في القطاع 45 عامًا، مقابل انخفاض أعداد الشباب بصورة لافتة.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة "إكس" بعنوان: "هرمز وأسواق النفط.. دحض 7 سرديات روّج لها المحللون والبنوك والإعلام".
الجامعات الأميركية تفقد جاذبية التخصص
قال أنس الحجي، إن الولايات المتحدة كانت لعقود طويلة تصدّر المهندسين والخبراء والاستشاريين إلى مختلف دول العالم، غير أن الصورة تغيّرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع الإقبال على دراسة "هندسة البترول" وإغلاق بعض الأقسام الجامعية بالكامل.
وأوضح أن الأزمة لم تعد مرتبطة بعدد الخريجين فقط، بل وصلت إلى فقدان الجامعات الأميركية قدرتها على جذب الطلاب نحو التخصصات المرتبطة بالطاقة التقليدية، رغم استمرار الطلب العالمي على النفط والغاز، واتّساع المشروعات والاستثمارات في عدّة مناطق حول العالم.
وأكد أن بعض أقسام "هندسة البترول" أغلقت أبوابها لعدم وجود أعداد كافية من الطلبة، وهو ما يعكس حجم التغيرات الفكرية التي أثّرت في نظرة الشباب إلى صناعة النفط، بعدما ارتبطت لديهم بقضايا التغير المناخي والانبعاثات والجدل البيئي المتصاعد عالميًا.

وأشار أنس الحجي إلى أن التراجع لم يقتصر على "هندسة البترول" فقط، بل امتدّ بصورة أكبر إلى تخصصات الجيولوجيا، التي تُعدّ عنصرًا أساسًا في عمليات الاستكشاف والإنتاج، مؤكدًا أن القطاع يواجه نقصًا حقيقيًا في المهارات والخبرات الفنية الضرورية لاستمرار التوسع.
وأضاف أن الشركات النفطية ارتكبت أخطاء كبيرة خلال أوقات انهيار أسعار النفط، حين لجأت إلى تسريح أعداد ضخمة من الموظفين بدل الحفاظ عليهم، ما دفع كثيرًا من العاملين إلى تغيير مساراتهم المهنية بصورة نهائية وعدم العودة مجددًا إلى القطاع.
وبيّن أن العاملين الذين فقدوا وظائفهم سابقًا أصبحوا ينصحون أبناءهم بالابتعاد عن تخصصات النفط والطاقة، بسبب غياب الاستقرار الوظيفي، وهو ما أدى تدريجيًا إلى تراجع ثقة العائلات في مستقبل العمل داخل هذا القطاع الحيوي عالميًا.
الذكاء الاصطناعي لن يعوّض النقص
أوضح أنس الحجي أن التوسع في استعمال الشركات النفطية للروبوتات والأتمتة والذكاء الاصطناعي لن يعوّض النقص، ولن يكون كافيًا لمعالجة أزمة نقص الكفاءات، لأن العمليات الفنية والاستكشافية ما تزال تحتاج إلى مهندسين وجيولوجيين يمتلكون خبرات ميدانية متخصصة ومعرفة عملية واسعة.
وأكد أن صناعة النفط تعتمد بصورة كبيرة على العنصر البشري في إدارة الحقول وتحليل البيانات الجيولوجية واتخاذ القرارات التشغيلية، موضحًا أن التقنيات الحديثة يمكنها المساعدة في رفع الكفاءة، لكنها لا تستطيع استبدال الخبرات البشرية بصورة كاملة حتى الآن.
وأشار إلى أنه -خلال محاضراته في جامعات أفريقية كبرى داخل نيجيريا وغانا- يحرص دائمًا على تشجيع الطلاب لدراسة هندسة البترول، مؤكدًا أن الطلب العالمي على المتخصصين سيزداد مستقبلًا، خاصةً مع تراجع أعداد الأميركيين العاملين في هذا المجال الحيوي.

وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن الولايات المتحدة، رغم كونها أكبر منتج للنفط عالميًا، قد تجد نفسها مستقبلًا معتمدة بصورة أكبر على المهندسين الأجانب، بسبب انخفاض أعداد المواطنين الأميركيين الراغبين في العمل داخل القطاع أو دراسة تخصصاته الجامعية المختلفة.
ولفت إلى أن الروايات المرتبطة بازدهار وظائف الطاقة المتجددة أثّرت كثيرًا في توجهات الشباب، رغم أن الرواتب داخل قطاع النفط والغاز ما تزال أعلى بكثير من نظيرتها في قطاعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والأنشطة المرتبطة بها.
وأشار إلى أن بعض الجهات ضخّمت أعداد الوظائف المرتبطة بالطاقة المتجددة، في مقابل التقليل من أهمية الوظائف النفطية، ما أسهم في تكوين صورة ذهنية سلبية لدى الأجيال الجديدة تجاه صناعة النفط والعمل داخلها خلال السنوات الأخيرة.
ثقافة التغير المناخي
كشف أنس الحجي أن الجيل الجديد تعرّض منذ سنواته الدراسية الأولى إلى حملات توعية مكثفة تربط النفط والغاز بالتلوث، فيما يُعرَف بثقافة التغير المناخي، وهو ما خلق حالة نفسية واجتماعية دفعت كثيرًا من الشباب إلى رفض العمل داخل القطاع مسبقًا.
وأوضح أن الأطفال في المدارس والحضانات يتلقّون رسائل مستمرة تُصوّر الصناعات النفطية كأنها مسؤولة عن الأزمات البيئية العالمية، وهو ما انعكس لاحقًا على اختياراتهم الجامعية والمهنية، حتى مع ارتفاع الرواتب والمزايا المالية المتاحة في القطاع.

وأكد أنس الحجي أن أزمة العزوف عن صناعة النفط لم تعد مقتصرة على أوروبا أو الولايات المتحدة، بل امتدّت أيضًا إلى دول الخليج العربية، رغم اعتماد اقتصاداتها بصورة كبيرة على النفط والغاز والبتروكيماويات منذ عقود طويلة ومتواصلة.
وروى الحجي قصة لمسؤول كبير بإحدى الشركات الخليجية العاملة في النفط والغاز والبتروكيماويات، قال خلالها، إن ابنته البالغة 14 عامًا باتت تنظر إلى عمله في القطاع النفطي بوصفه أمرًا سلبيًا، نتيجة الأفكار البيئية المنتشرة بين الأجيال الحديثة.
وأشار إلى أن هذه التحولات الثقافية والفكرية تُمثّل خطرًا طويل الأمد على مستقبل القطاع، لأن استمرار انخفاض أعداد الخريجين والمتخصصين قد يخلق أزمة حقيقية في تلبية احتياجات الأسواق العالمية من الكفاءات الفنية والهندسية خلال العقود المقبلة.
واختتم مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة حديثه بتأكيد أن انخفاض عدد خريجي "هندسة البترول" مؤشر خطير يعكس حجم التحديات التي تواجه صناعة النفط عالميًا في ملف الموارد البشرية.
موضوعات متعلقة..
- منصة إنتاج شبه غاطسة جديدة.. مواصفات تغير معادلة صناعة النفط والغاز
- معركة طاقة الرياح البحرية مع "ترمب".. كيف تهدد صناعة النفط والغاز الأميركية؟ (تقرير)
- أمين عام أوبك في الذكرى الـ65 لتأسيسها: سنظل ركيزة صناعة النفط.. وباقون لعقود
اقرأ أيضًا..
- تقارير وملفات خاصة من وحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
المصدر:





