الطاقة المتجددة في ألمانيا.. تكاليف مرتفعة وشبكات غير مكتملة تهدد التحول الأخضر
نوار صبح
- مشروعات الطاقة المتجددة تعاني من ارتفاع تكلفة توربينات الرياح بنسبة لا تقل عن 20%
- يُموَّل العديد من مشروعات طاقة الرياح في ألمانيا بالكامل عن طريق الاقتراض
- هناك ما يكفي من الفحم لتوفير الكهرباء لكامل البلاد لمدة 150 عامًا مقبلة
- يمكن أن تكون ألمانيا قد أنتجت 57% من كهربائها من مصادر متجددة العام الماضي
يواجه قطاع الطاقة المتجددة في ألمانيا تحديات عديدة، أبرزها انخفاض مدفوعات الكهرباء النظيفة وارتفاع تكاليف المشروعات، رغم أن سياسة الحكومة تركّز على تحول الطاقة وصولًا إلى الحياد الكربوني.
وقد يكون فقدان مصدر كهرباء واحد نذير شؤم، وفقدان مصدرين إهمالًا، وفقدان 3 مصادر أمرًا مُقلقًا، خصوصًا إذا كان في ثالث أكبر دولة صناعية في العالم.
ويرى محللون أن تعريض مصدر الكهرباء الرابع للخطر -وهو المصدر الذي من المفترض أن يحلّ محلّ المصادر الـ3 الأولى- يبدو أشبه بانتحار، بحسب مقال طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
والمثير للدهشة أن هذا هو المصير الذي تتجه إليه ألمانيا الآن مع تحوّلها المتعثر في مجال الطاقة، أو ما يُعرَف بـ"إنرجي ويندي"، الذي ما يزال بعض الألمان يُصرّون على أنه نموذج يُحتذى به عالميًا.
في خضمّ التسرّع المحموم لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2045، لم تحظَ محطات الكهرباء التقليدية الاحتياطية باهتمام واضح، رغم أنها أسهمت لعقود في ازدهار الصناعات الألمانية.
إلغاء مصادر الكهرباء في ألمانيا
كان أول مصدر كهرباء يُلغى هو أسطول الطاقة النووية الألماني، الذي كان يُزوّد البلاد بأكثر من 30% من احتياجاتها من الكهرباء.
وأُغلقت آخر محطة نووية في عام 2023، بعد عقود من الحملات المناهضة للطاقة النووية، وسنّ تشريعات من قِبل حزب الخضر.
ويرى الكاتب الصحفي الألماني، ليون مانغاساريان، أن الجدول الزمني للإغلاق تباطأ في البداية في عهد المستشارة الديمقراطية المسيحية أنغيلا ميركل، ثم تسارع فجأة بعد كارثة فوكوشيما عام 2011.
أمّا المصدر الثاني الذي يُستهدف بالإغلاق فهو محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم، وقد أُغلق العديد منها أو خُفّضت عملياتها، ولن تُغلق آخر محطة فحم في موعد أقصاه عام 2038.
أمّا إنتاج مصدر الكهرباء الثالث في ألمانيا -الذي يُحتمل أن يكون رئيسًا-، وهو التكسير المائي (الهيدروليكي) للغاز الطبيعي، فقد حُظر في معظمه بموجب قانون صدر في عهد ميركل عام 2017.
ويقول ليون مانغاساريان، إنه لا أحد يعلم على وجه الدقة كمية الغاز التي يُمكن أن تُنتجها ألمانيا من التكسير المائي، لأنه لا جدوى من إجراء البحوث الجيولوجية، ولكن يُقدّر أن التكسير المائي الهيدروليكي المحلي قد يُغطي احتياجات الغاز السنوية الحالية لمدة تصل إلى 20 عامًا.
ويقول آخرون، إن التكسير المائي (الهيدروليكي) يُمكن أن يُغطي ربع الطلب السنوي على الغاز على المدى الطويل.

أزمة قطاع الطاقة المتجددة في ألمانيا
الآن، يواجه قطاع الطاقة المتجددة في ألمانيا -الذي كان من المفترض أن يحلّ محلّ كل هذا- أزمةً حقيقيةً مع انخفاض مدفوعات تغذية الكهرباء النظيفة، وارتفاع التكاليف بشكلٍ كبير، وعدم إنشاء خطوط نقل الكهرباء وأنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات الضرورية.
إلى جانب انخفاض مدفوعات تغذية الكهرباء، تعاني مشروعات الطاقة المتجددة في ألمانيا من ارتفاع تكلفة توربينات الرياح بنسبة لا تقل عن 20%، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة بشكل كبير مقارنةً بالسنوات القليلة الماضية.
ويوضح الكاتب الصحفي الألماني، ليون مانغاساريان، أن العديد من مشروعات طاقة الرياح في ألمانيا يُمَوَّل بالكامل عن طريق الاقتراض.
من ناحية ثانية، يُعاني التحول نحو الطاقة المتجددة في ألمانيا من قصور في بناء خطوط نقل الكهرباء الضرورية التي تربط شمال البلاد الغني بالرياح بجنوبها المتعطش للطاقة.
ويرى مانغاساريان أن النقاشات بشأن تخفيف القيود التنظيمية على تخطيط محطات تخزين الكهرباء بالبطاريات الحيوية ما تزال مجرد كلام.
ويفيد تقرير صادر عن شركة بي بي غوتينغن الاستشارية المتخصصة في الطاقة المتجددة والزراعة أن عملية الموافقة على قانون التخطيط لتخزين الكهرباء بالبطاريات تُعدّ حاليًا العائق الرئيس أمام التوسع، وكالعادة، تعوق البيروقراطية الألمانية حتى المشروعات الوطنية الإستراتيجية المدعومة سياسيًا.
ويضيف مانغاساريان أن بعضهم يظنّون، في ظل كل هذا، أن الحكومة الألمانية ستنظر في التراجع عن قراراتها السابقة المتعلقة بالطاقة، لكن هذا الظن خاطئ.
إغلاق محطات الطاقة النووية
يعترف المستشار الألماني فريدريش ميرتس، المنتمي للحزب الديمقراطي المسيحي، بأن إغلاق محطات الطاقة النووية كان خطأً، لكنه يرفض التراجع عن القرار، رغم إمكان إعادة تشغيل بعض المحطات النووية المغلقة من الناحية التقنية.
وفيما يخص محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم، فإن أقصى ما سيقوله ميرتس هو أن الموعد النهائي للإغلاق في عام 2038 غير واقعي.
ويقول مانغاساريان، إنه إذا استمرت هذه المحطات في العمل لمدة أطول، فسيأتي الفحم من خارج ألمانيا، إذ تُغمَر مناجم الفحم البني المكشوفة، مثل حقل هامباخ الضخم في شمال الراين-وستفاليا، بالمياه.
ويوضح أن الهدف المُعلَن هو إنشاء بحيرة، أمّا الهدف غير المعلن فهو جعل استخراج الفحم مستحيلًا من الناحية العملية في المستقبل.
ويُقدّر المعهد الاتحادي الألماني لعلوم الأرض والموارد الطبيعية أن هناك ما يكفي من الفحم لتوفير الكهرباء لكامل البلاد لمدة 150 عامًا مقبلة.
وتكمن مأساة المستشار ميرتس في أنه رغم كونه إصلاحيًا في جوهره، فإن كتلته الديمقراطية المسيحية فازت في انتخابات 2025 بنسبة ضئيلة بلغت 28.6%، وهي الآن متأخرة عن حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني القومي، الذي يتصدر استطلاعات الرأي.
ولا يملك ميرتس أيّ تفويض انتخابي لإجراء إصلاحات كبيرة في قطاعي الطاقة والاقتصاد، وهذه الإصلاحات مرفوضة من قبل شريكه في الائتلاف، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي يعاني من صعوبات، وحتى من قبل المعتدلين في حزبه نفسه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وفرع الاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري.

الاعتماد على حلفاء ألمانيا
تكمن مأساة ألمانيا في أن حلفاءها يلاحظون مدى عدم موثوقيتها بصفتها شريكًا، إذ ارتكبت برلين أخطاء سياسية فادحة على مدى العقود الماضية -انطلاقًا من رغبتها في الظهور بمظهر مثالي أخلاقيًا-، وهي أخطاء تفتقر تمامًا إلى أيّ منطق إستراتيجي.
على سبيل المثال، الاعتماد على فلاديمير بوتين في مجال الطاقة، والاعتماد على الصين في الصادرات، والاعتقاد بأن دونالد ترمب سيدافع عن أوروبا، وإضعاف القوات المسلحة الألمانية، وفتح المستشارة ميركل الحدود عام 2015 أمام جميع المهاجرين.
وتُمثّل كارثة تحول الطاقة أبرز جوانب الأزمة، فقد اعتمدت على الغاز الروسي الرخيص -الذي نفد الآن-، وإغلاق وحظر إنتاج الكهرباء المحلية القائم على الطاقة النووية والغاز والفحم.
وجعلت ألمانيا الحياد الكربوني بمثابة الكأس المقدسة لدولة ازدهرت بفضل الطاقة الرخيصة والوفيرة، والاعتقاد بأن تغطية البلاد بتوربينات الرياح ومحطات الطاقة الشمسية يمكن أن تُشغّل أكبر اقتصاد في أوروبا.
الحياد الكربوني
في خضمّ التسرّع المحموم لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2045، لم يُعِر أحدٌ اهتمامًا يُذكَر لمحطات الكهرباء التقليدية الاحتياطية اللازمة لفصل الشتاء الألماني القارس، حين ينعدم وجود الرياح أو الشمس.
وتحتاج ألمانيا إلى طاقة كهربائية أساسية مستمرة عند الطلب، وهو ما لا تستطيع طاقة الرياح والطاقة الشمسية توفيره دائمًا.
ولم تُطرح مناقصات محطات الكهرباء العاملة بالغاز إلّا هذا العام، ونظرًا للبيروقراطية الألمانية، لا أحد يعلم متى سيتمّ بناؤها.
رغم ذلك، تحصل هذه المحطات على مليارات اليورو من الإعانات، لأنّ أيّ مستثمر خاص لن يُنشئ محطة كهرباء لا يُسمح لها بالعمل على مدار الساعة، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
في المقابل، يُتجاهَل باستخفاف فكرة أن ارتفاع تكلفة الكهرباء في ألمانيا -التي تُعدّ الأغلى في الاتحاد الأوروبي- قد لا يُمثّل سوى مشكلة صغيرة.
ويتساءل الكاتب الصحفي الألماني، ليون مانغاساريان، من يهتمّ إن كانت الكهرباء في ألمانيا أغلى بـ4 أضعاف من مثيلتها في فرنسا؟
ويقول، إن بعض الصناعات الكبرى المستهلكة للكهرباء، بما فيها صناعات الصلب والأسمنت والكيماويات، أبدت استياءً شديدًا، ما دفعها إلى الحصول على دعم حكومي للكهرباء بقيمة 3.8 مليار يورو (4.44 مليار دولار أميركي) للمدة من 2026 إلى 2028.
ويضيف أنه بالنسبة لبقية الصناعات الألمانية، فالوضع صعب للغاية، وعليها أن تتحلى بالشجاعة وتواصل العمل.
وتُعدّ ولاية بافاريا مركزًا اقتصاديًا مهمًا في ألمانيا، وأفاد تقرير صادر عن رابطة الصناعات البافارية بأن أسعار الكهرباء المرتفعة ما تزال تشكّل عائقًا تنافسيًا رئيسًا أمام ألمانيا بصفتها موقعًا صناعيًا.
وكشف استطلاع رأي أُجري بين أعضاء رابطة مصنّعي الآلات والمعدّات الألمانية في دي إم إيه (VDMA) أن 40% من الشركات تفكر في نقل عمليات التصنيع إلى الخارج.
ويواجه القطاع الصناعي الألماني أزمة حادة، إذ خسر نحو 300 ألف وظيفة صناعية منذ عام 2019، ومن المرجّح أن تختفي 150 ألف وظيفة أخرى هذا العام، وفقًا لتحذير جيساماتميتال (Gesamtmetall)، وهي جمعية أصحاب العمل في مجال المعادن والهندسة الكهربائية في ألمانيا.
ويرى مانغاساريان أنه قد يكون من المفيد للمستشار ميرتس أن ينظر في سياسات الطاقة لدى نظيرتي ألمانيا الصناعيتين العالميتين: الولايات المتحدة الأميركية، المصنّفة الأولى عالميًا، والصين، المصنّفة الثانية.
وتُستمد الكهرباء في الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي بنسبة 43%، والطاقة المتجددة بنسبة 21%، والطاقة النووية بنسبة 19%، والفحم بنسبة 16%.
أمّا في الصين، فتُستمد من الفحم بنسبة 60%، والطاقة المتجددة بنسبة 32%، والطاقة النووية بنسبة 5%، والغاز الطبيعي بنسبة 3%.
ويمكن أن تكون ألمانيا قد أنتجت 57% من كهربائها من مصادر متجددة العام الماضي، ولكن بتكلفة باهظة على اقتصادها.
ويؤكد مانغاساريان أن التخلص التدريجي من النسبة المتبقية البالغة 43% من الفحم والغاز الطبيعي والنفط سيكون له ثمن باهظ.
وتشير بعض التقديرات إلى أن تكلفة التحول في قطاع الطاقة ستصل إلى 5 تريليونات يورو (5.85 تريليونات دولار) بحلول عام 2045.
ومع تبقّي 19 عامًا فقط على الموعد النهائي الملزم الذي حدّدته برلين للوصول إلى الحياد الكربوني، يُذكَر الاعتراض الألماني على إجراءات تُنفَّذ بشكل صحيح من الناحية التقنية، ولكنها تُفضي إلى عواقب وخيمة.
موضوعات متعلقة..
- ترمب يهاجم الطاقة المتجددة في ألمانيا.. كيف ردت وزارة الخارجية؟
- الطاقة المتجددة في ألمانيا تنتظر خفض الدعم.. وغموض بشأن الاستثمارات
- تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة في ألمانيا تتضاعف لــ21 مليار دولار
اقرأ أيضًا..
- الحرب على إيران - أسواق الطاقة تحت خط النار (تغطية خاصة)
- بيانات حصرية عن المناجم في الدول العربية
- ملف عن أهم وأكبر محطات الطاقة الشمسية في الدول العربية
المصدر:





