الطاقة المتجددة في أوروبا تنتعش بسبب حرب إيران.. من المستفيد الأكبر؟
برزت الطاقة المتجددة في أوروبا بوصفها خط دفاع أول للتقليل من آثار تقلبات أسعار النفط والغاز الناتجة عن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها حرب إيران.
فمع تعطل تدفق الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود بدأت الفجوة تتسع بين الدول الأوروبية بحسب مزيج الطاقة لديها، إذ برزت الدول التي تعتمد على مصادر متجددة بوصفها الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وفق بيانات رصدتها منصة الطاقة المتخصصة.
ويشكّل نهر درين في شمال ألبانيا نموذجًا لكيفية حماية الطاقة المتجددة في أوروبا لاقتصادات الدول من تقلبات السوق، إذ يوفر أكثر من 90% من إنتاج الكهرباء في البلاد، بفضل السدود الكهرومائية المنتشرة منذ الحقبة الشيوعية.
ومع وفرة الأمطار وذوبان الثلوج، أسهمت الطاقة الكهرومائية في الحفاظ على استقرار أسعار الكهرباء بالجملة، بل سجلت انخفاضًا في مارس/آذار مقارنة بالعام الماضي، رغم الارتفاعات الحادة التي شهدتها أسواق الطاقة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط.
وتؤكد التجربة أن الاعتماد الكبير على مصادر نظيفة، مثل الطاقة الكهرومائية، يمكن أن يوفر درعًا فعّالة ضد تقلبات أسعار الوقود.
أسعار الكهرباء في أوروبا
تكشف المقارنات بين دول القارة العجوز عن اختلافات حادة في تأثير الأزمة على أسعار الكهرباء في أوروبا، ما يعكس بصورة مباشرة مستوى الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ففي إيطاليا -التي تولد أكثر من 40% من كهربائها من الغاز- ارتفع سعر عقد الكهرباء بالجملة بأكثر من 20% منذ بداية الحرب، وسجلت ألمانيا -التي تعاني نقصًا في إمدادات الغاز- زيادة تتجاوز 15%.
في المقابل، ارتفعت أسعار الكهرباء في فرنسا، التي تعتمد على الطاقة النووية بنسبة تصل إلى 70%، بأقل من نصف الزيادة المسجلة في إيطاليا.
وشهدت إسبانيا، التي رفعت حصة الطاقة المتجددة إلى نحو 60% من إنتاج الكهرباء، انخفاضًا في أسعار الكهرباء.
وتعكس الفوارق الدور المتنامي الذي تؤديه الطاقة المتجددة في أوروبا في الحد من تقلبات السوق، مقارنة بالدول الأكثر اعتمادًا على الغاز.

الدول المعتمدة على الغاز
تواجه الدول الأوروبية التي تعتمد بصورة كبيرة على النفط والغاز ضغوطًا متزايدة، مع ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم، ما يعيد إلى الأذهان أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.
وقال محلل الطاقة في شركة ريستاد إنرجي ساتيام سينغ: إن الأزمة الحالية ترفع الحد الأدنى للأسعار الإقليمية على الجميع، لكن الدول الأقل مرونة والأكثر اعتمادًا على الوقود المستورد هي الأكثر تأثرًا بذروات الأسعار وتقلباتها.
وتبرز الطاقة المتجددة في أوروبا بوصفها أداة رئيسة لتعزيز المرونة، وتقليل التعرض للصدمات الخارجية.
وعلى الرغم من التوسع في الطاقة الشمسية، فإن بعض الدول تواجه تحديات تشغيلية، أبرزها ظاهرة "منحنى البطة"، التي تؤدي إلى انخفاض أسعار الكهرباء في منتصف النهار وارتفاعها بصورة حادة صباحًا ومساءً.
وتعاني دول مثل إيطاليا وألمانيا واليونان من الظاهرة، نتيجة الاعتماد الجزئي على الطاقة الشمسية دون وجود أنظمة تخزين كهرباء كافية.
وقال محلل الطاقة في شركة كبلر أليساندرو أرمينيا: إن الهدف الرئيس لهذه الدول يتمثل في بناء منظومات متكاملة تشمل الطاقة المتجددة والتخزين طويل الأجل، لتعويض الاعتماد على الغاز، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا في المدى القريب.
عودة الفحم مؤقتًا
اضطرت بعض الدول إلى إعادة النظر في خطط التخلي عن الفحم، إذ سجلت دول مثل بولندا وصربيا أداءً مستقرًا نسبيًا بفضل الاعتماد عليه.
وفي اليونان، يدرس مشغل شبكة الكهرباء إبقاء محطة تعمل بالفحم البني -كان من المقرر إغلاقها- قيد التشغيل لمدة عام إضافي على الأقل، في محاولة لضمان استقرار الإمدادات خلال الأزمة.
وعلى الرغم من أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة يظهر تدريجيًا على المستهلكين، فإن الشركات والأسر بدأت بالفعل في الشعور بالضغوط.
ففي قبرص، يتوقع ارتفاع أسعار الكهرباء بنسبة تصل إلى 20% بحلول أغسطس/آب، مدفوعة بارتفاع تكاليف الوقود وظاهرة "منحنى البطة".
ويواجه أصحاب الأعمال تحديات متزايدة، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مع ارتفاع تكاليف التشغيل والمواد الخام.
ووضعت المفوضية الأوروبية خططًا لخفض ضرائب الكهرباء، بهدف التخفيف من آثار الأزمة على المستهلكين، رغم التحذيرات من ارتفاع الأعباء المالية على الحكومات.
ويؤكد محللون أن هذه الإجراءات قد توفر دعمًا مؤقتًا، لكنها لا تمثل حلًا طويل الأجل، في ظل استمرار تقلبات أسواق الطاقة.
حتى في الدول التي تعتمد على الطاقة المتجددة، لا تخلو الصورة من التحديات، ففي ألبانيا، ورغم الاستقرار النسبي في الأسعار، أشارت وزارة الطاقة إلى أن الحرب الإيرانية زادت من "الضغوط الخفية" على المالية العامة، إذ تتحمل الحكومة تكلفة دعم الأسعار وحماية المستهلكين.
كما لا تزال البلاد تعتمد جزئيًا على استيراد الكهرباء خلال فترات ذروة الطلب، ما يبرز محدودية الاعتماد الكامل على مصدر واحد، حتى إن كان متجددًا.
موضوعات متعلقة..
- مبادلة الإماراتية تستثمر 352 مليون دولار بالطاقة المتجددة في أوروبا
- شركات الطاقة المتجددة في أوروبا تخفض استثماراتها.. ماذا يحدث للسوق؟
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على قطاع الطاقة
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن قطاع الطاقة الشمسية في الدول العربية
المصادر..





