كيف تعيد حرب إيران تشكيل خريطة الطاقة العالمية؟ (مقال)
د. منال سخري

في خضمّ حرب إيران، والتصعيد من جانب الولايات المتحدة بمشاركة مباشرة من إسرائيل، لم تَعُد أسواق الطاقة تتحرك فقط وفق معادلات العرض والطلب، وإنما أصبحت رهينة لتحولات أعمق تمسّ جوهر النظام الطاقي العالمي.
فالأزمة الراهنة لا تعكس مجرد توتر جيوسياسي عابر، بل تكشف عن تحوّل بنيوي في كيفية فهم "الأمن الطاقي" ذاته.
لقد اعتادت الأدبيات الكلاسيكية تعريف الأمن الطاقي بوصفه القدرة على ضمان تدفقات مستقرة من النفط والغاز بأسعار معقولة.
غير أن ما نشهده اليوم يفرض إعادة تعريف هذا المفهوم، لينتقل من "أمن الإمدادات" إلى "أمن المسارات". بمعنى آخر، لم يَعُد السؤال الأساسي: هل الطاقة متوفرة؟ وإنما: هل يمكن نقلها بأمان في عالم يتزايد فيه عدم اليقين؟
هشاشة الجغرافيا: عندما تتحول المضايق إلى نقاط اختناق
يشكّل مضيق هرمز القلب النابض لهذه المعضلة، فقرابة 20% من النفط العالمي يمر عبره يوميًا، ما يجعله أكثر من مجرد ممر بحري؛ إنه "مفصل طاقي" عالمي.
ومع كل تصعيد عسكري، خاصة ما نشهده الآن في حرب إيران، ترتفع أقساط التأمين على ناقلات النفط، وتزداد تكلفة الشحن، حتى دون وقوع إغلاق فعلي.
لكن هرمز ليس الحالة الوحيدة، فالتجربة السابقة في مضيق باب المندب خلال التوترات في البحر الأحمر أظهرت كيف يمكن لهجمات محدودة أن تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع إلى زمن النقل وتكاليف إضافية كبيرة.

هذه الأمثلة تكشف عن حقيقة أساسية: التهديد اليوم لا يكمن فقط في توقف الإمدادات، بل في اضطراب طرقها.
صعود الممرات البديلة: الجغرافيا تعيد تشكيل نفسها
أمام هذا الواقع، بدأت الدول تسريع مشروعات "الالتفاف الجيوسياسي" على المضايق، ومن أبرز الأمثلة:
خط أنابيب شرق-غرب في السعودية
ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى مواني البحر الأحمر، متجاوزًا مضيق هرمز بالكامل. هذا الخط لم يَعُد مجرد خيار، بل أصبح أداة إستراتيجية لتقليل المخاطر.
خط أنابيب الإمارات العربية المتحدة إلى الفجيرة
يسمح خط أنابيب الإمارات إلى الفجيرة بتصدير النفط دون المرور عبر الخليج، وهو مثال واضح على "إعادة توجيه الجغرافيا".
ممرات الغاز نحو أوروبا
بعد أزمة أوكرانيا، سعت أوروبا إلى تقليل اعتمادها على روسيا عبر استيراد الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر، بالإضافة إلى تعزيز خطوط من النرويج والجزائر.
مشروعات شرق المتوسط
تشمل مصر وإسرائيل وقبرص، إذ يجري العمل على تحويل المنطقة إلى مركز إقليمي لإسالة الغاز وإعادة تصديره.
هذه التحركات تعكس انتقالًا واضحًا من الاعتماد على "الموقع" إلى بناء "بدائل للموقع".
مفارقة التحول الطاقي: بين الطموح الأخضر والواقع الأمني
في خضم هذا التحول تظهر مفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تعلن فيه الدول التزامها بأهداف الأمم المتحدة للحياد الكربوني، تدفعها الأزمات إلى العودة للاستثمار في الوقود الأحفوري.
فعلى سبيل المثال:
أعادت دول أوروبية تشغيل محطات الفحم مؤقتًا بعد أزمة الغاز.
ووسّعت الولايات المتحدة إنتاجها من النفط والغاز الصخري لتعويض النقص العالمي.
لكن في المقابل، تسارع هذه الدول نفسها الاستثمار في الطاقات المتجددة، ليس فقط لأسباب بيئية، بل لتقليل تعرضها للصدمات الخارجية. وهنا يصبح التحول الطاقي أداة سيادية وليس مجرد خيار بيئي.

إعادة تشكيل التحالفات: من الجغرافيا إلى الجيوطاقة
هذه التحولات لا تحدث في فراغ، بل تعيد رسم خريطة التحالفات الدولية. فالعلاقات الطاقية أصبحت أكثر مرونة، لكنها أيضًا أكثر براغماتية.
أوروبا التي كانت تعتمد بصورة كبيرة على روسيا، أعادت توجيه بوصلتها نحو شركاء جدد، والصين عزّزت استثماراتها في ممرات الطاقة البرية ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، لتقليل اعتمادها على الممرات البحرية.
كما أن دول الخليج بدأت تنويع شراكاتها بين الشرق والغرب، بدل الاعتماد على محور واحد. وهكذا، لم تَعُد الطاقة مجرد سلعة، بل أصبحت أداة لإعادة هندسة العلاقات الدولية.
وفي ضوء هذه التحولات، أصبح من الواضح أن التحوط الإستراتيجي لم يَعُد مقتصرًا على اختيار المسارات البديلة، بل يشمل تعزيز الابتكار التكنولوجي في شبكات الطاقة.
تقنيات مثل مراقبة الناقلات بالذكاء الاصطناعي، والتحليل اللحظي لسلاسل الإمداد، وأنظمة تخزين الطاقة المتقدمة أصبحت جزءًا أساسيًا من تأمين مسارات النقل.
هذا المحور يعكس كيف أن الأمن الطاقي الحديث صار يعتمد على الدمج بين الجغرافيا والإستراتيجية الرقمية والتقنية، وليس مجرد الاعتماد على البنية التحتية التقليدية.
كل هذه المؤشرات تقود إلى نتيجة واضحة: العالم يتجه نحو نظام طاقي متعدد المسارات. لم يَعُد هناك مسار واحد مهيمن، بل شبكة معقدة من الطرق البرية والبحرية.
لكن هذا التعدد لا يعني بالضرورة الاستقرار، فكل مسار جديد يحمل مخاطره الخاصة، سواء كانت سياسية أو أمنية أو حتى بيئية. وبالتالي، فإن ما نكسبه من تنويع، قد نخسره في التعقيد.
ختامًا، يمكن القول إن العالم لا يواجه أزمة موارد، بل أزمة ثقة بجغرافيا الطاقة التقليدية، فالمشكلة لم تَعُد في "من يملك الطاقة"، بل في "من يستطيع إيصالها بأمان".
وعليه، فإن المرحلة المقبلة ستشهد:
- تسارع الاستثمار في البنية التحتية البديلة.
- تزايد دور الطاقة المتجددة بوصفها أداة أمن قومي.
- ظهور خريطة طاقية أكثر تنوعًا.. لكنها أقل قابلية للتنبؤ.
إن الحرب الأخيرة قد لا تكون مجرد حدث عابر، بل لحظة تأسيسية لنظام طاقي جديد، تتحول فيه الجغرافيا من عامل ثابت إلى متغير إستراتيجي.
* د. منال سخري - خبيرة وباحثة في السياسات البيئية
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- 7 دول عربية تحتفظ بأسعار الوقود دون تغيير رغم حرب إيران (مسح)
- أول شحنة نفط عراقي تعبر مضيق هرمز منذ حرب إيران.. أين تتجه؟
- أكبر الصفقات النفطية في مارس 2026.. حرب إيران تلقي بظلالها (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- قبل عودة الغاز الإسرائيلي.. ماذا عرضت الجزائر على مصر والأردن؟
- أغلى 6 دول عربية في أسعار الوقود منذ حرب إيران (مسح)
- حرب إيران تعيد أوروبا إلى الفحم.. "دعاة التحضر" يتجاهلون الانبعاثات





