سلايدر الرئيسيةالحرب الإسرائيلية الإيرانيةتقارير منوعةملفات خاصةمنوعات

هدى بن جنة: الحرب تعيد تشكيل خريطة الطاقة في منطقة البحر المتوسط (حوار)

داليا الهمشري

ترى المديرة العامة للمرصد المتوسطي للطاقة والمناخ، هدى بن جنة علال، أن منطقة البحر الأبيض المتوسط تبرز بصفتها إحدى أكثر المناطق تأثرًا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الأزمات الجيوسياسية وتغيرات أسواق الطاقة.

وبينما تفرض الأزمة الحالية ضغوطًا متزايدة على أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد، فإنها في الوقت نفسه تعيد رسم خريطة العلاقات الطاقية بين دول المنطقة وأوروبا.

وفي هذا السياق، أكدت هدى بن جنة، أن التحديات الراهنة لا تقتصر على كونها أزمات اقتصادية أو طاقية فحسب، بل تُمثّل -أيضًا- فرصة إستراتيجية لإعادة بناء منظومة تعاون إقليمي أكثر توازنًا ومرونة بين دول ضفتي المتوسط.

وترى أن ما تمتلكه دول البحر الأبيض المتوسط من موارد وإمكانات طبيعية وبشرية يؤهلها لتأدية دور أكثر فاعلية في تلبية احتياجات الطاقة، خاصةً في ظل الطلب المتزايد من جانب أوروبا، وهو ما يجعل من هذه المرحلة نقطة تحول محتملة نحو تعزيز التكامل الإقليمي وبناء شراكات طويلة المدى تقوم على المصالح المشتركة والاستدامة.

جاء ذلك خلال حوار أجرته معها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، على هامش مشاركتها في مؤتمر ومعرض مصر للطاقة "إيجبس 2026"، وإلى نص الحوار:

كيف تقيّمين قطاع الطاقة في ظل الأزمة الحالية في المنطقة؟

حتى الآن لم يتأثر قطاع الطاقة بشكل كبير بالحرب الدائرة، باستثناء الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط والغاز في عدد من دول البحر المتوسط، مع حالة من عدم اليقين بشأن استمرار هذا الارتفاع أو زيادته، وهو ما قد ينعكس على اقتصادات الدول على المدى القصير.

وفي الوقت نفسه، فإن الحرب الجارية تمثّل تحديًا عالميًا يفرض ضغوطًا متزايدة على أسواق الطاقة، لكنها تفتح نافذة مهمة لتعزيز التعاون الإقليمي، خاصة بين دول البحر المتوسط.

وتشير التحولات الحالية إلى أن دول المنطقة تمتلك إمكانات وموارد كبيرة تؤهلها لأداء دور محوري في تلبية احتياجات الاتحاد الأوروبي من الطاقة، وهو ما يوفر فرصة حقيقية لتعزيز الشراكات خلال هذه المرحلة الدقيقة.

كما يمكن أن يتحول هذا الظرف الاستثنائي إلى نقطة انطلاق لتوسيع التكامل والتنسيق الإقليمي، ليس فقط لمواجهة تداعيات الأزمة، ولكن -أيضًا- لاستخلاص دروس إستراتيجية تُسهم في بناء منظومة طاقة أكثر مرونة واستدامة في المستقبل.

ما دور المرصد المتوسطي للطاقة والمناخ في دعم الدول الأعضاء خلال الأزمة الحالية؟

يقوم المرصد بدور أساس بتحفيز التعاون بين دول البحر المتوسط، إلى جانب تحليل تأثير الأزمة الحالية على مختلف الدول.

ونحن نعمل على تقديم معلومات وتحليلات مبنية على بيانات دقيقة، سواء على المدى القصير أو الطويل، مع التنبؤ بالسيناريوهات المستقبلية وتقديم توصيات لصنّاع القرار حول كيفية تعزيز نمو الطاقة المتجددة في المنطقة.

كما نركّز على رفع حصة المصادر النظيفة في مزيج الطاقة، مستفيدين من الإمكانات الطبيعية الكبيرة التي تتمتع بها دول المتوسط، خاصةً في مجالَي الشمس والرياح، إضافة إلى الترويج لسياسات رفع كفاءة الطاقة.

جانب من أحد مشروعات الطاقة المتجددة
جانب من أحد مشروعات الطاقة المتجددة - أرشيفية

ومنذ مدة طويلة نؤكد أن الغاز الطبيعي يؤدي دورًا مهمًا في عملية تحول الطاقة، وقد قدّمنا تحليلات وسيناريوهات مستقبلية للدول وصنّاع القرار، إلى جانب توصيات لضمان أمن الإمدادات مع مراعاة التغير المناخي.

عمومًا، يقدّم المرصد دعمه من خلال 3 ركائز رئيسة: التحليل، والتوصيات، وبناء القدرات والتدريب.

كيف يسهم المرصد في دعم التحول الطاقي والتعاون الإقليمي؟

يؤدي المرصد دورًا محوريًا في دعم دول حوض المتوسط من خلال بناء قاعدة معرفية متكاملة تساعد الحكومات على تبنّي سياسات أكثر كفاءة واستدامة.

كما يعمل بمثابة مركز بحثي يُطور دراسات وسيناريوهات مستقبلية، بما يساعد في التخطيط الإستراتيجي طويل المدى في ظل التحولات العالمية في أسواق الطاقة.

ويسهم -كذلك- في تعزيز الشفافية عبر تطوير مؤشرات مشتركة لقياس الأداء في مجالات كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات، ما يسمح بمقارنة التجارب وتحديد أفضل الممارسات.

وعلى مستوى التعاون الإقليمي، يوفّر المرصد منصة حوار تجمع الحكومات والمؤسسات وشركات الطاقة، بما يعزز الشراكات بين دول الشمال والجنوب، ويدعم مشروعات مثل الربط الكهربائي وتكامل أسواق الطاقة.

كما يعمل على دعم التحول نحو الطاقة النظيفة من خلال سياسات كفاءة الطاقة وبناء القدرات، بما يحقق التوازن بين أمن الطاقة ومتطلبات الاستدامة.

هل ستُسرّع أزمة الطاقة الحالية من التوسع في الطاقة النظيفة؟

الأوضاع الحالية تفرض على دول المتوسط، خاصةً في الجنوب، إعادة التفكير في أولويات أمن الطاقة، وقد تحركت بعض الدول، مثل مصر، بشكل واضح في ملف تسريع التحول الطاقي حتى قبل ارتفاع أسعار الغاز، وهو ما يُعدّ خطوة إيجابية تستحق الإشادة.

وتتمتع دول جنوب المتوسط بموارد ضخمة في الطاقة المتجددة، إلى جانب أهمية الغاز الطبيعي بصفته جزءًا من مزيج الطاقة خلال المرحلة الانتقالية.

وتُظهر التحليلات التي أجريناها أن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري فقط دون التوسع في الطاقة المتجددة سيؤدي إلى تحديات كبيرة في أمن الطاقة، خاصة مع توقُّع تضاعف الطلب على الطاقة في جنوب المتوسط أكثر من مرة بحلول 2050، وارتفاع الطلب على الكهرباء بنحو 3 أضعاف.

أحد مشروعات الطاقة المتجددة في الأردن
أحد مشروعات الطاقة المتجددة في الأردن - الصورة من وزارة الطاقة والثروة المعدنية

كما أن الدول المستوردة للهيدروكربونات ستواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة؛ ما يجعل تنويع مصادر الطاقة والتوسع في المتجددة خيارًا إستراتيجيًا لا بديل عنه، خصوصًا مع انخفاض تكلفتها وإمكان الاعتماد عليها محليًا دون استيراد.

ولا يقتصر الأمر على أمن الطاقة فقط، بل يمتد إلى الجانب المناخي، إذ إن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري سيؤدي إلى زيادة الانبعاثات الكربونية، في وقت تعاني فيه منطقة المتوسط أصلًا من آثار تغير مناخي حاد وتقلبات متطرفة.

كيف ترين التعاون في مشروعات الغاز مثل حقل أفروديت؟

توقيع الاتفاقيات في هذا الإطار يُعدّ خطوة إيجابية للغاية، إذ يعكس أهمية التعاون في مجال الغاز الطبيعي بين دول المتوسط، كما تمتلك مصر ميزات تنافسية مهمة في هذا القطاع، من بينها البنية التحتية المتقدمة، ما يؤهلها لأن تكون مركزًا إقليميًا للطاقة.

وتوقيع مصر وقبرص لهذه الاتفاقية يهدف إلى تعظيم الاستفادة من موارد الغاز الطبيعي القبرصي عبر نقل الغاز إلى مصر، حيث تُوظَّف البنية التحتية المصرية المتطورة في مجالات معالجة وتسييل الغاز، بما يتيح تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد القبرصية وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد في شرق المتوسط.

وتنعكس هذه الاتفاقية بمنافع مشتركة للبلدين، إذ تسهم في دعم أمن الطاقة في مصر من خلال تلبية جانب من الطلب المحلي وتعزيز دورها بصفتها مركزًا إقليميًا لتجارة الطاقة وتداولها، في حين تتيح لقبرص توسيع أسواق تصدير غازها والوصول إلى البنية التحتية المصرية بوصفها بوابة إستراتيجية للأسواق الإقليمية والدولية، بما يعزز التكامل الطاقي بين البلدين.

ويُعدّ التعاون بين مصر ودول المنطقة في هذا المجال فرصة لتحقيق منافع مشتركة لجميع الأطراف، بما في ذلك مشروعات مثل حقل أفروديت، التي ستنعكس إيجابًا على كل من مصر وقبرص.

كيف تقيّمين وضع الطاقة المتجددة في مصر؟

حققت مصر تقدمًا واضحًا وملموسًا في قطاع الطاقة المتجددة، وهو ما لمسْتُه خلال عملي على مدار 30 عامًا في هذا المجال.

وخلال زيارتي إلى القاهرة الشهر الماضي، اطّلعتُ على الإستراتيجيات الجارية، وأُشيد بالإرادة السياسية الواضحة لتسريع وتيرة هذا القطاع.

وتتمتع مصر بإمكانات كبيرة سواء في الطاقة المتجددة أو الغاز الطبيعي، كما أن الهدف الخاص برفع نسبة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول 2030 يبدو هدفًا واقعيًا وقابلًا للتحقيق.

كما أن ما تقوم به مصر من تسريع لعجلة المشروعات يمثّل رسالة إيجابية وتحفيزية لدول المنطقة بأكملها.

ما أبرز التحديات التي تواجه التعاون في منطقة البحر المتوسط؟

رغم وجود مستوى متقدم من التنسيق بين دول المنطقة، فإن التحدي الرئيس يتمثل في الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي، فالتوسع في التعاون الإقليمي أصبح ضرورة لضمان تلبية الطلب المتزايد على الطاقة في مختلف الدول، إلى جانب إمكان التصدير إلى أوروبا.

هدي بن جنة خلال مشاركتها في أحد جلسات مؤتمر "إيجبس 2026"
هدي بن جنة خلال مشاركتها في إحدى جلسات مؤتمر "إيجبس 2026"

كما أن تعزيز التكامل في قطاع الطاقة سينعكس إيجابيًا على الاقتصاد والاستثمار وفرص التمويل والتدريب وتوفير الوظائف؛ ما يجعل التوحد والتنسيق في هذا القطاع خيارًا إستراتيجيًا لا غنى عنه.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق